تقرير حرّية التعبير في مصر.. شيء أكبر من القمع

20 فبراير 2017
الصورة
(في أحياء القاهرة، تصوير: هونج وو)

"أكثر من سلطة للقمع"، تحت هذا العنوان المثير للاهتمام أصدرت مؤسّسة "حرية الفكر والتعبير"- مؤسسة حقوقية مصرية - تقريرًا عن أوضاع حرّية التعبير في مصر خلال العام 2016.

التقرير، الذي جاء في 76 صفحة، بدأ بالحديث عن المتغيّرات التي طرأت على البيئة التشريعة والقانونية خلال العام الماضي، وتأثيرها على حرّية الفكر والإبداع، ثم تناول أحوال الصحافة والإعلام وحرّية الإبداع وتداول المعلومات، كما أولى اهتمامًا خاصًا بالحرية الأكاديمية والحقوق الرقمية.


انتهاكات فريدة لحرية الصحافة
رصد معدّو التقرير 438 حالة انتهاك لحرية الصحافة والإعلام والعاملين فيهما خلال 2016. وتوزّعت هذه الانتهاكات جغرافيًا لتشمل 22 محافظة، إلا أن العاصمة حظيت بنصيب الأسد منها، حيث رُصد فيها 279 انتهاكًا، وتلتها محافظة الجيزة برصيد 107 حالات.

أخذت هذه الانتهاكات عدّة أشكال؛ منها المنع من أداء العمل، واحتجاز ما لا يقل عن 62 صحافيًا وإعلاميًا دون اتخاذ إجراءات قانونية ضدّهم، والتعدّي بالضرب على صحافيين، والاستيلاء على معدّات مصوّرين صحافيين وإعلاميين وتكسيرها أو مسح المادة المسجّلة عليها، ووقف إصدار أعداد من الصحف ومصادرتها، ومنع نشر مقالات، ومنع بث حلقات برامج.

رغم هذا العدد الكبير من الانتهاكات، يقول التقرير أن عام 2016، ليس العام الأكثر انتهاكًا بالمعايير الكميّة، لكنه يشير إلى وجود تغيّر كيفي قد حدث في ما يتعلّق بحرية الصحافة والإعلام؛ حيث اقتحمت قوّات الأمن نقابة الصحافيين في سابقة هي الأولى من نوعها، كما حُكم على نقيب الصحافيين واثنين من أعضاء مجلس النقابة بالحبس لمدّة عامين.

أقرّ مجلس النواب، خلال العام المنصرم، قانونين جديدين مثيرين للجدل يخصّان الصحافة والإعلام، وبموجب هذين القانونين حصلت السلطة التنفيذية على أغلب مقاعد مجالس الهيئات الصحافية التي ستدير المشهد الإعلامي في مصر، وفي مقابل ذلك تم تقليص مقاعد ممثلي المهنة نفسها، وهو ما يعني أن الدولة تسعى بشكل حثيث إلى السيطرة على المشهد الإعلامي بداية من تنظيماته وأموره المالية والإدارية وحتى السياسات التحريرية، وتستوي في هذا وسائل الإعلام المملوكة للدّولة والخاصّة.


الرقابة على الفن والإبداع تتوحّش
رصدت مؤسّسة "حرية الفكر والتعبير" 78 انتهاكًا ضدّ الإبداع والمبدعين خلال العام الماضي. وتعد بذلك سنة 2016 أسوأ فترة سجّل بها عدد من الانتهاكات لحريّة الإبداع تمّ رصدها، وهو ما يعني بحسب التقرير؛ أن الوضع في مصر ينتقل من سيئ إلى أسوأ.

وتمثّلت أسباب المنع أو الرقابة على العمل الإبداعي في مصر، في ثلاثة محظورات شهيرة؛ الدين والجنس والسياسة، بالإضافة إلى انتهاكات أخرى لم يُفهم منطقها، مثل منع الملحن اللبناني زياد الرحباني والمخرج المغربي شكير الخليفي من دخول مصر، ومنع الممثل علي الغزلاني من السفر إلى لبنان، وحذف مشاهد تتعلّق بالمرض النفسي من مسلسل "سقوط حر".

ومن أبرز الانتهاكات، وأكثرها تهديدًا للمبدعين، حبس أعضاء فريق المونولوج "أطفال الشوارع" بسبب نشر فيديو يسخر من التخلّي عن جزيرتي تيران وصنافير، وقيام نقابة المهن التمثيلية بإسقاط عضوية 6 أعضاء بدعوى تعاطفهم مع جماعة الإخوان المسلمين، والقبض على 9 فناني غرافيتي، والقبض على مدير صفحة "تمت الترجمة" بسبب نشره فيديو كوميدياً، وكذلك اعتقال ثلاثة من منظمي حفلات الميتال بتهمة إقامتهم "حفلات لعبادة الشيطان".

وأشار التقرير إلى انتهاء فن الغرافيتي في مصر، بعد مقتل اثنين من فنانيه والقبض على عشرات آخرين خلال الخمسة أعوام الماضية، حيث أصبح رسم الغرافيتي من أخطر الأنشطة الفنية التي يمكن ممارستها، وصارت حيازة أدوات رسم غرافيتي تهمة في حدّ ذاتها.

كما أثّر قانون الضريبة المضافة، الذي أُقرّ العام الماضي، على حرّية الإبداع، حيث فُرضت بموجبه ضرائب جديدة على "الإنتاج الإعلامي والأفلام السينمائية والتلفزيونية والوثائقية والتسجيلية والأعمال التلفزيونية والإذاعية والمسرحية". وساهم قرار المجلس الأعلى للآثار القاضي بفرض رسوم جديدة على إقامة الحفلات والتصوير السينمائي والفوتوغرافي في الأماكن الأثرية، في التأثير بشكلٍ سلبي على الإبداع في مصر.


خطوط حمراء جديدة على تداول المعلومات
يؤكّد التقرير أن مؤسّسات الدولة المختلفة ما زالت تعتبر أن الأصل عدم تداول المعلومات، والاستثناء هو إتاحتها، وأنه ما زال هناك الكثير من القيود المفروضة على الحصول على المعلومات تحت ذريعة "حماية الأمن القومي".

تصطدم كثير من محاولات الحصول على المعلومات بغياب التشريع الذي يكفل وينظم هذا الحقّ، رغم نصّ الدستور على أن الوصول إلى المعلومات "حقّ تكفله الدولة لكل مواطن"، لكن السلطة التنفيذية لم تبادر إلى تقديم مشروع قانون لتداول المعلومات، وعندما تقدّم أحد نوّاب البرلمان بمشروع قانون تمّ تجاهله وهوجم من نوّاب آخرين بدعوى تهديده للأمن القومي.

واتخذت السلطة التنفيذية قرارات من شأنها إرهاب موظفي الدولة الذين يتيحون المعلومات لوسائل الإعلام والمواطنين، وعلى رأس هذه القرارات، عزل رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات المستشار هشام جنينة من منصبه، ومحاكمته بسبب أحاديثه مع وسائل الإعلام عن حجم الفساد في مصر.

واستدلّ التقرير بعدم إتاحة المعلومات المتعلّقة باتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية التي يجري بمقتضاها التنازل عن جزيرتي "تيران وصنافير"، وكذلك عدم إتاحة المعلومات الكاملة عن الأوضاع الاقتصادية، على أن السلطة التنفيذية لا تكترث بتقديم شرح للمواطنين حول السياسات التي تتّخذها على مستوى العلاقات مع الدول، ومستوى الأوضاع الاقتصادية.


تزايد التدخلات في العمل الأكاديمي
رصد تقرير مؤسّسة حرّية الفكر والتعبير تزايد التدخّلات في العمل الأكاديمي خلال العام الماضي، وجاءت هذه التدخّلات على عدد من المستويات، فعلى مستوى قرارات السلطة التنفيذية وإدارات الجامعات، تم تكريس الموافقة الأمنية كشرط لسفر الأكاديميين إلى الخارج، وهو ما يعد مخالفة صريحة لنصوص الدستور المصري الذي ينصُّ على استقلال الجامعات.

وفي نفس الإطار السابق، أصدرت وزارة التعليم العالي توجيهات بعدم الإساءة بالتصريح أو التلميح إلى الدول أو المجتمعات أو الأفراد من الدول الشقيقة والصديقة، وهو ما يعد تخطيًا لحدود قانون تنظيم الجامعات وللدستور المصري، حيث تقع مسؤولية تقييم محتوى الرسائل والأبحاث العلمية على عاتق أعضاء هيئة التدريس، وليس من حقّ أحد التدخّل فيها.

وعلى مستوى آخر، يواجه الباحثون الأجانب العديد من المشاكل الناتجة عن نظرة السلطة التنفيذية لهم باعتبارهم خطراً على الأمن القومي، ومن أبرز هذه المشاكل عرقلة حصولهم على تأشيرات لدخول مصر، وعرقلة دراساتهم وأبحاثهم الميدانية عبر سلسلة من الإجراءات البيروقراطية شديدة التعقيد، وكذلك ملاحقة بعضهم أمنيًا.

وشهد مستوى حرّية التدريس والتعبير عن الرأي تراجعًا هو الآخر، فعلى سبيل المثال، اتهمت جامعة الأزهر أستاذ عقيدة بالإلحاد ومحاولة إحياء فكر محمد عبده وطه حسين، وتم وقفه عن العمل، وتم التحقيق مع أساتذة في جامعة كفر الشيخ بسبب انتقادهم لرئيس الجامعة، وأحيل اثنان من أعضاء هيئة التدريس بجامعة بني سويف إلى التحقيق بتهمة إهانة رئيس الجمهورية.


والحقوق الرقمية تنتهك أيضًا
رصد معدّو التقرير 57 حالة انتهاك لحقوق أفراد في مجال حرية التعبير الرقمي وخصوصيتهم الرقمية، وتمثّلت هذه الانتهاكات في القبض على 38 شخصًا بسبب إدارتهم لصفحات على منصّات التواصل الاجتماعي، أو بسبب كتابة منشورات على حساباتهم الخاصة، وتنوّعت الاتهامات بين تحريض المواطنين على التظاهر وتكدير السلم والأمن العام والتحريض ضدّ مؤسسات الدولة وغيرها.

وتمارس إدارات بعض الجامعات دورًا في التضييق على حقّ الطلاب في حرّية التعبير الرقمي، حيث تعرض 18 طالبًا جامعيًا لعقوبات تأديبية بسبب تعبيرهم عن آرائهم في الكلية وأعضاء هيئات التدريس على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأشار التقرير إلى نموذج آخر لانتهاك حقّ أفراد في خصوصيتهم الرقمية، تمثّل ذلك في تعرّض عدد من النشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان لمحاولات اختراق بريدهم الإلكتروني، يُرجّح أنها من قبل طرف حكومي.

وقامت السلطات المصرية، أيضًا، بحجب "تطبيق سيجنال" وموقع "العربي الجديد"، كما حاولت حجب تطبيق تور. وأقدمت شركة TE Data التي تستحوذ على 70% من سوق الإنترنت في مصر، بزرع برمجيات "خبيثة" في حواسيب وهواتف المستخدمين، للتجسّس عليهم.