تقرير "توم لانتوس" بشأن مصر

20 ديسمبر 2017
الصورة
عقدت في الكونغرس الأميركي، في الأسبوع الأول من ديسمبر/ كانون الأول الجاري، جلسة استماع للجنة "توم لانتوس" تحت عنوان "مصر- حقوق الإنسان بعد سبعة أعوام من الثورة". وهي لجنة استماع غير رسمية، تهتم بأمور حقوق الإنسان ورصْد الانتهاكات، وتوجيه ما يشبه تقريرا استشاريا أو استرشاديا لباقي لجان الكونغرس. وقد سارعت وزارة الخارجية المصرية إلى استباق الجلسة، قبل أن تبدأ، بإصدار بيان يعيد الترهات التي تكرّرها مؤسسات السلطة، مثل ادعاء عدم حيادية اللجنة وتعمدها تشويه الأوضاع "المثالية" في مصر، ونقل لجنة لانتوس صورة خاطئة تشوه التجربة الديمقراطية الرائعة التي تمر بها مصر، وكيف أن اللجنة تجاهلت تعرّض مصر لحرب إرهابية شعواء. وتساءل المتحدث باسم الخارجية عن المغزى من عقد تلك الجلسة بعد حادث تفجير إرهابي، أودى بحياة عشرات المواطنين المصريين في سيناء، وكأن الحوادث الإرهابية تبرّر انتهاك حقوق قطاعات واسعة من الشعب المصري.
لم يأت تقرير توم لانتوس بجديد، وإنما رصد بالتفصيل عددا كبيرا من الانتهاكات التي تحدث وتتصاعد منذ 3 يوليو/ تموز 2013، وتحديدا تحت حكم عبد الفتاح السيسي، حيث تحدّث الباحثون عن تقنين القمع باستخدام التشريعات المعدّة سلفا، والتي تخرج من البرلمان المصري، بغرض وضع مزيد من القيود والقمع المقنن على المعارضين والنشطاء السياسيين، مثل قانون الجمعيات الأهلية الذي يقيّد تحرك المجتمع المدني، وقانون الهيئات الشبابية الذي يمنع ويجرّم أي نقاش سياسي أو نشاط غير مرضيٍ عنه من الحكومة في الأندية والمراكز الشبابية، وقانون الجنسية الذي يسمح بنزع الجنسية المصرية عن كل من له آراء معارضة للسلطة الحاكمة، وتم ذكر قانون التظاهر الذي حُبس عشرات الآلاف من الشباب على أثره.
كما تحدث أحد المشاركين أيضا، وهو رئيس لمنظمة أقباط متحدّون، عن التهميش والاضطهاد الذي يتعرّض له الأقباط في مصر تحت الحكم العسكري، وذكر مثالا "مذبحة ماسبيرو" التي ارتكبها الجيش عام 2011، عندما دهست مدرعات حربية عشرات الأقباط عند تظاهرهم أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون في القاهرة. وذكر كمّ التضييق الذي يتعرّض له الأقباط حاليا في بعض القرى، حيث تستمر المحاذير الأمنية التي تمنع بناء الكنائس إلا بإذن أمني مسبق، بالإضافة إلى استمرار الإحساس الذي يشعر به الأقباط في مصر من إقصاء من الوظائف المهمة في الدولة.

وتحدث مسؤول "هيومن رايتس ووتش" عن توسع في استخدام الحبس الاحتياطي عقوبة، وعن تزايد حالات التعذيب والاختفاء القسري، وعن تزايد التضييق على منظمات المجتمع المدني التي تعمل على المساندة القانونية أو النفسية لضحايا التعذيب والاختفاء القسري، وذكر التنكيل بالرموز الشبابية لثورة يناير عن طريق السجن والتشويه أو التطبيق التعسفي لعقوبة المراقبة بعد الخروج من السجن. وفي النهاية، طالبت متحدثة بضرورة قطع جزء من المعونة الأميركية للنظام المصري، وجعلها مشروطة بالتقدم في ملف حقوق الإنسان، كما تنص القوانين الأميركية التي تلح على وقف المعونات للأنظمة التي ترتكب جرائم في ملف حقوق الإنسان.
وكما هو متوقع، انتفضت لجنة حقوق الإنسان في البرلمان المصري، واجتمعت برئاسة لواء الشرطة السابق المتهم بقضايا تعذيب، لتنفي كل ما قيل، ولتشجب تقرير لجنة توم لانتوس وشهاداتها. وتكرّر الحديث عن المؤامرات الكبرى التي يحيكها كوكب الأرض ضد مصر ورئيسها، وأن تلك التقارير تقدم صورة مغلوطة عن مصر، فلا يوجد حالة واحدة من التعذيب أو الاختفاء القسري أو الحبس الاحتياطي غير المبرّر، بحسب زعم البرلمان المصري. كما أن تلك اللجان المتآمرة تتجاهل الإرهاب الذي تواجهه مصر. وبناء عليه، قرّرت لجنة حقوق الإنسان في البرلمان المصري ترتيب زيارات مكوكية جديدة إلى الكونغرس الأميركي وللبرلمان الأوروبي "لتوضيح الحقائق"، ولنقل صورة مصر الحقيقية، وتعريف العالم بالإنجازات والتقدم الذي يزداد كل يوم تحت حكم السيسي، وكيف أن مصر هي واحة الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط، وأنها تحترم تعهداتها الدولية.
للأسف الشديد، يبدو أننا سنظل ندور في تلك الحلقة المفرغة فترة طويلة، فالتقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر هي من نشطاء دوليين مهتمين بالشأن المصري، أو بحالة حقوق الإنسان بصفة عامة، أو من مراكز حقوقية دولية مختصة بوضع حقوق الإنسان في العالم، أو من أفراد أو صحافيين وأكاديميين لديهم الاهتمامات المشتركة نفسها بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان. ولكن لا يمكن اعتبار كل تلك التقارير أو جلسات الاستماع ضغوطا مؤثرة، ولا تؤدي إلى تغيير أو تحسن ما على المدى القريب، فالعلاقات بين الدول تحكمها حسابات أخرى، تبتعد كثيرا عن الأخلاقيات أو المبادئ أو القيم المشتركة، فربما نجد تصريحا ما من مسؤول حكومي غربي يدين الانتهاكات في مصر، ربما نقرأ موضوعات صحافية هنا أو هناك، ربما تطالعنا تقارير دولية كل فترة، إلا أن العلاقات بين الحكومات تحكمها المصالح لا المبادئ. ويمكن القول إن النظام الحاكم في مصر قد فاز، حتى الآن، في تجنّب تلك الضغوط، وربما تحويلها لصالحه، فقد برع في ابتزاز الغرب بقضيتي اللاجئين وتنظيم داعش، بالإضافة إلى الوساطة الإسرائيلية المعلنة والخفية من أجل تقليل الضغوط والانتقادات، والرشاوى التي يقدمها بين حين وآخر لعواصم أوروبية، بشراء أسلحة "لا نحتاجها" بأموال خليجية. ولكن بشكل عام، تلك التقارير الحقوقية مفيدة أيضا في فضح ما يحدث من انتهاكات، وعدم ترك الساحة فارغة لأبواق النظام الحاكم في مصر وأكاذيبه، والأهم أنها تعتبر توثيقا مهما لما يحدث، وسوف تفيد يوما، عندما تأتي ساعة الحساب مهما طال الوقت.