تقدم النظام بريف حماة: تجريد "أستانة 13" من أهميتها

02 اغسطس 2019
الصورة
تحاول قوات النظام التقدم باتجاه قرية الزكاة(جورج أورفليان/فرانس برس)
+ الخط -

لم يأبه النظام السوري وروسيا بانطلاق الجولة 13 من مباحثات أستانة في العاصمة الكازاخية نور سلطان، أمس الخميس، إذ تواصل القصف الجوي والمدفعي، وسط محاولات قوات النظام التقدم على الأرض، تحت غطاء ناري روسي كثيف. ويؤشر هذا الأمر إلى أن الجانبين يسعيان لفرض رؤيتهما على الجولة، من أجل التوصل إلى اتفاق تهدئة جديد يتيح لقوات النظام البقاء في 18 موقعاً سيطرت عليها خلال التصعيد الأخير، والذي بدأ عقب فشل الجولة 12 من مسار أستانة، أواخر إبريل/ نيسان الماضي.

وشن الطيران الروسي، أمس الخميس، غارات على بلدة كفرنبل في ريف إدلب الجنوبي، ما أدى إلى مقتل مدني وإصابة آخرين، بالتزامن مع غارات على بلدة بسيدا في ريف إدلب الجنوبي. كما شنت الطائرات الحربية والمروحيات التابعة للنظام غارات على مدن كفرزيتا واللطامنة ومورك وقريتي الزكاة والأربعين بريف حماة الشمالي. وقالت مصادر إعلامية معارضة إن قوات النظام سيطرت، أمس الخميس، على قرية حصرايا في ريف حماة الشمالي، مشيرة إلى أن هذه القوات تحاول التقدم باتجاه بلدة الزكاة في الريف نفسه. من جانبه، أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن قوات النظام، بدعم جوي، سيطرت على قرية حصرايا في ريف حماة الشمالي، بالإضافة إلى قرية أبو رعيدة ومنطقتي العزيزية والري في القطاع ذاته. وأشار إلى أن فصائل المعارضة السورية انسحبت من هذه المواقع "نتيجة القصف الكثيف على محيط المنطقة وتقطيع أوصالها"، مؤكداً أن قوات النظام تحاول التقدم باتجاه قرية الزكاة في ريف حماة الشمالي "حيث تدور اشتباكات عنيفة مع الفصائل، تترافق مع عمليات قصف جوي مكثف من قبل طائرات النظام الحربية والمروحية، بالإضافة إلى عشرات القذائف والصواريخ".

وأشار "المرصد" إلى أن قوات النظام تحاول تأمين أوتوستراد السقيلبية – محردة الاستراتيجي في ريف حماة وإبعاد الفصائل عن المنطقة، بعدما كانت الفصائل قد تمكنت من قطع الطريق لنحو 52 يوماً بسيطرتها على تل ملح والجبين، شمال غرب حماة، قبل أن تستعيدها قوات النظام قبل أيام. ونفى مصدر في المعارضة السورية، تحدث لـ"العربي الجديد"، تحقيق النظام تقدماً على الأرض خلال الساعات الأخيرة، مشيراً إلى أن المعارك ما زالت محتدمة في هذه المحاور، مضيفاً أن "كثافة القصف قد تجبر في النهاية مقاتلي المعارضة على القيام بانسحابات محدودة".

بموازاة هذه التطورات الميدانية، بدأت، أمس الخميس، الجولة 13 من مفاوضات أستانة في العاصمة الكازاخية نور سلطان، على أن تُختتم اليوم الجمعة. وتضم الجولة الثلاثي الضامن في سورية، روسيا وإيران وتركيا، بمشاركة العراق ولبنان كـ"مراقبين" للمرة الأولى في هذا المسار التفاوضي الذي يهدف إلى مناقشة العديد من القضايا، منها الوضع في محافظة إدلب، وملف المعتقلين، وملف اللجنة الدستورية. وذكر المكتب الصحافي لوزارة الخارجية الكازاخية أنه من المتوقع أن يعقد المشاركون سلسلة مشاورات ثنائية وثلاثية، على أن تعقد، اليوم الجمعة، الجلسة العامة التي سيصدر عنها بيان مشترك للدول الثلاث الضامنة لعملية أستانة. ويترأس الوفد الروسي المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سورية ألكسندر لافرينتييف، والوفد التركي نائب وزير الخارجية سيدات أونال، والوفد الإيراني مساعد الرئيس للشؤون السياسية علي أصغر حاجي، فيما اعتذر المبعوث الأممي إلى سورية غير بيدرسون عن حضور المحادثات لأسباب صحية. ويشارك النظام بوفد يرأسه مندوبه الدائم لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري، فيما يرأس وفد قوى الثورة العسكري رئيس الحكومة السورية المؤقتة الأسبق أحمد طعمة، والذي استبق الجولة بالإعلان أن الوفد سيلتقي خلال المباحثات وفد الأمم المتحدة، وسيناقش مسار اللجنة الدستورية وأوضاع اللاجئين في لبنان. وقال "دورنا في أستانة أن يصل صوت محاربينا إلى المحافل الدولية، وسنكون مكملين لعملهم، ولن نضيّع ما سطره الأبطال في ميادين الوغى". ونقلت وكالة "سبوتنيك" عن مصدر في أحد الوفود المشاركة في محادثات أستانة أن الجولة الحالية من المحادثات لن تشهد إعلان تشكيل اللجنة الدستورية، مؤكداً أن الإعلان عنها سيتم حصراً من قبل الأمم المتحدة التي سيزور مبعوثها غير بيدرسون دمشق الأسبوع المقبل.


ومن المتوقع أن يكون ملف محافظة إدلب على رأس أولويات الجولة، إذ يحاول الجانب الروسي الدفع باتجاه تثبيت خارطة السيطرة الجديدة التي تتيح لقوات النظام البقاء في 18 بلدة وموقعاً سيطرت عليها خلال مايو/ أيار الماضي. لكن الجانب التركي، الضامن للمعارضة، يطالب بعودة قوات النظام إلى حدود اتفاق سوتشي، المبرم في سبتمبر/ أيلول الماضي، قبل البحث في أي اتفاق جديد يوقف إطلاق النار. ومن المتوقع أيضاً أن يضغط الروس من أجل فتح الطرق الدولية في الشمال الغربي من سورية، كما نصّ اتفاق سوتشي. وأشارت وسائل إعلام روسية إلى أن المشاركين في الجولة 13 سيقومون بإعداد قرارات للقمة الروسية - التركية - الإيرانية المرتقبة في إسطنبول، منتصف أغسطس/ آب الحالي، موضحة أن المشاركين سيركزون خلال هذه الجولة على القضايا ذاتها التي بحثوها خلال الجولة السابقة، أي "تنسيق قوائم أعضاء اللجنة الدستورية، والوضع الميداني، وبصورة خاصة في إدلب وفي شمال شرق سورية".

وأشارت وكالة "تاس" إلى أن "نائبة المبعوث الأممي إلى سورية خولة مطر ستشارك في جولة أستانة نيابة عنه بسبب وضعه الصحي". ووفق الوكالة، فإنه سيشارك في اجتماعات المجموعة الخاصة بملف المعتقلين والمحتجزين ممثلين عن الصليب الأحمر والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، في محاولة جديدة للتوصل إلى اتفاق حول عملية تبادل جديدة للأسرى. وتوقفت الوكالة عند ملف اللجنة الدستورية، موضحة أن "العمل على تشكيل اللجنة، التي تم اتخاذ القرار بشأنها منذ يناير/ كانون الثاني العام 2018 يبقى من دون أي تقدم"، مضيفة "منذ نهاية العام الماضي، يصرح ممثلو روسيا وإيران وتركيا والأمم المتحدة، على مختلف المستويات، بأن اللجنة سيتم تشكيلها في وقت قريب، وأنه لم يبق سوى الاتفاق على خمس أو سبع، وحتى اثنين أو ثلاثة من أعضائها الـ150، لكن يبدو أن هذا الوقت القريب لم يحن بعد".

وتذهب المعارضة السورية المسلحة إلى الجولة 13 من أستانة، وهي لا تملك إلا ورقة الصمود في محافظة إدلب ومحيطها في وجه قوات النظام التي كان مسار أستانة مدخلاً واسعاً لها للسطو على مناطق المعارضة في البلاد. ولا يتوقع الشارع السوري المعارض حدوث اختراقات مهمة في هذه الجولة من شأنها تهدئة الجبهات مع قوات النظام، التي لا يبدو أنها مكترثة بما يجري في أستانة من مفاوضات، إذ تبدو مصرة على التصعيد رغم فشلها المتكرر بالتقدم على الأرض. وكان الروس والنظام يخططان لإخضاع قسم كبير من الشمال الغربي من سورية قبل الجولة الراهنة، لتحقيق نصر إعلامي يتيح للطرفين فرض رؤية تقوم على مفاوضات بين المعارضة والنظام لإجراء عملية مصالحة، كما جرى في جنوب سورية، وتبيّن لاحقاً أنها كانت غطاء لعودة سطوة النظام، العسكرية والأمنية، لا أكثر. لكن صمود الفصائل المقاتلة في ريفي اللاذقية وحماة أفشل المخطط الروسي.

واستبق النظام والمعارضة الجولة بتبادل محدود للأسرى عند معبر أبو الزندين التابع لمدينة الباب، شمال شرقي حلب، في إطار اللفتات التي تحرص عليها روسيا وتركيا، خصوصاً قبيل جولة مفاوضات جديدة في أستانة. وأشارت المصادر إلى أن فصائل "الجيش الوطني"، المدعوم من تركيا، سلمت النظام 14 معتقلاً من عناصره مقابل استلام 15 معتقلاً كانوا في سجون النظام. لكن ملف المعتقلين في سجون النظام لم يشهد أي انفراجة حقيقية خلال مفاوضات أستانة، بل إن النظام أفرج عن قوائم بآلاف المعتقلين الذين قتلهم تحت التعذيب، في تحدٍ واضح للمجتمع الدولي برمته وليس مسار أستانة فحسب.

المساهمون