تقاطعات الطرق في بغداد: حكايات الرغيف المرّ لطفولة ضائعة

تقاطعات الطرق في بغداد: حكايات الرغيف المرّ لطفولة ضائعة

03 فبراير 2017
الصورة
عرضة للاعتداء والخطر (وثيق كوزاي/فرانس برس)
+ الخط -



يخرج الطفل علي صباح (10 أعوام) كل يوم باكراً إلى تقاطع ساحة اللقاء، وسط العاصمة بغداد، حاملاً بيديه الصغيرتين كيساً لعلب المحارم والعلكة ليبيعها في تقاطع الطريق مع آخرين من أقرانه ليكسب لقمة العيش لوالدته وشقيقتيه الصغيرتين، بعد أن قتل والده بتفجير سيارة مفخخة في بغداد قبل عدة سنوات.

يقول صباح لـ "العربي الجديد" بنبرة حزينة: "فقدت والدي بتفجير قبل سنوات وتركت المدرسة واضطررت لبيع العلكة والمحارم في تقاطعات الطرق للمارة، لكسب رزق لإعالة والدتي وشقيقتي الصغيرتين".

ويضيف صباح: "كنت أتمنى أن أكمل دراستي وأصبح طبيباً أو مهندساً، ولكن المشكلة أن والدتي لا تملك راتباً لتعيلنا ولا تستطيع العمل لأنها لا تملك شهادة أو وظيفة، أحياناً لا أستطيع الاستمرار بالبيع في نفس المكان كل يوم لأن بعض البائعين يطردونني، بحجة أن المكان أصبح لهم ولا يسمحون لغيرهم بمنافستهم في البيع".

حال صباح كحال مئات الأطفال الآخرين، فقد أصبحت مشاهدة الذكور والإناث منهم مألوفة في الشوارع وتقاطعات الطرق، يستغلون إشارة المرور الحمراء للتنقل بين السيارات وعرض ما في أيديهم من الحلويات أو العلكة وعلب المحارم للبيع.

تقول صبا علي، وهي طفلة لم تكمل 12 ربيعاً، كانت ترتجف من البرد وقد غطت جسدها الصغير بسترة رثة: " لا نملك المال لنعيش وأغلبنا أيتام لذلك نستغل تقاطعات الطرق عندما تعمل الإشارة الحمراء لنبيع المحارم والعلكة والسجائر للمارة ".



وتتابع صبا، وهي تحاول تمالك أنفاسها المتقطعة بسبب البرد الشديد: "تركت المدرسة وتوجهت للشارع لكي أكسب المال لأشتري به بعض الطعام لوالدتي وإخوتي الصغار، بعد أن قتل والدنا خلال الفتنة الطائفية عام 2006 والحكومة غير مهتمة لأمرنا ولا نملك راتباً شهرياً لنعيش منه".

ويقول ناشطون في مجال الأسرة والطفل، إنّ المشكلة الخطيرة تكمن في نزول أطفال صغار جداً إلى الشارع بهدف العمل والحصول على لقمة العيش، وأعمارهم لا تتجاوز الست سنوات.

وبحسب الباحثة في شؤون الأسرة والطفل، شيماء الزبيدي، فإن "أعمار الأطفال العاملين في الشوارع وتقاطعات الطرق تتراوح بين 6 -13 عاماً، وهذه كارثة حقيقية لا نستطيع فعل شيء حيالها في ظل الصمت الحكومي المستغرب أمام مأساة هؤلاء الأطفال".

وتضيف الزبيدي لـ"العربي الجديد"، أن "جيلاً بأكمله سينشأ أمياً لا يعرف الكتابة والقراءة، باعتبار أن هؤلاء الأطفال تركوا مقاعد الدراسة لأجل العمل وكسب لقمة العيش، في وقت ارتفعت فيه نسبة الفقر في البلاد إلى نحو 36 في المائة ونسبة الأميَّة إلى أكثر من 20 في المائة داخل المدن وإلى نحو 50 في المائة بالقرى والأرياف، وتشكل الأمية بين النساء النسبة الأكبر".

ولم يكن هؤلاء الأطفال في منأى عن العصابات المختلفة التي تستغل كثيرين منهم وتوفر لهم المأوى في أماكن مجهولة، مقابل التسول أو العمل في الشوارع لجمع المال، وربما يصل الأمر للمتاجرة بأعضائهم أو استغلالهم في جرائم مختلفة.

وكشفت مصادر أمنية في وزارة الداخلية، عن إلقاء القبض على العديد من العصابات خلال الفترات الماضية، كانت تتاجر بأعضاء الأطفال وتستغلهم في تنفيذ جرائم معينة، أو تسيطر على المشردين منهم مقابل الحصول على المال عبر التسول أو العمل لصالح تلك العصابات.

وتقول مصادر لـ"العربي الجديد" إن "تلك العصابات تستغل الفقر الشديد وصغر سن هؤلاء الأطفال وعدم معرفتهم بما يجري، وهذا يشكل خطورة كبيرة على أمن البلاد، ويلزم أن تتخذ الدولة إجراءات توفر خلالها مأوى ومعيشة لهؤلاء الأطفال المشردين والأيتام".

ويقول الخبراء إن هؤلاء الأطفال أغلبهم أيتام أو فقراء وكثير منهم مشردون لا يملكون مأوى، أو لم يبق من أفراد عائلاتهم أحد، ولم تجد الدولة حلاً لوضعهم في وقت تحتاج فيه البلاد لعدد كبير من دور الأيتام والمشردين لإيوائهم.

كما يوضح رئيس منظمة طفولة، سالم العبيدي، أن "في العراق جيشاً من الأيتام يفوق أربعة ملايين يتيم فضلاً عن مئات المشردين والفقراء الذين يعيشون في ظروف مأساوية جداً لم يجدوا سوى الشوارع وتقاطعات الطرق لكسب رزقهم بعد أن تركوا مدارسهم لفقدهم المعيل".

ويضيف العبيدي لـ"العربي الجديد"، أن "العراق أمام كارثة تعليمية كبيرة في السنوات العشر القادمة تقريباً، فهؤلاء الأطفال الذين تركوا مدارسهم للعمل سينشأون ويكبرون بلا تعليم وسط دوامة القتل والحرب المستمرة، وهذا يعني نشوء جيل يزيد عن 4 - 5 ملايين شاب أمي لا يعرف معظمهم حتى القراءة والكتابة، وهذه كارثة حقيقية أمام البلاد في المستقبل القريب".

وارتفعت نسبة الأيتام والمشردين بعد عام 2003 بشكل غير مسبوق في تاريخ العراق، وذكرت تقارير أن هناك أكثر من أربعة ملايين يتيم في عموم البلاد فقدوا أحد الأبوين أو كليهما، بسبب التفجيرات أو عمليات القتل والخطف التي ما زالت تعصف بالبلاد.

وكشف تقرير للأمم المتحدة في يوليو/تموز 2016، عن انخراط أكثر من نصف مليون يتيم عراقي في سوق العمل، من بين نحو 3.5 ملايين يتيم آخرين فقدوا قدرتهم على إكمال الدراسة، وأصبحوا يواجهون مخاطر الموت أو العنف الجنسي أو التجنيد والخطف.