تقارب روسيا و"هيئة التفاوض": تحول في موقف موسكو أم المعارضة؟

25 ابريل 2019
الصورة
فرضت روسيا مسار أستانة على المعارضة (إيكاترينا ليزلوفا/الأناضول)
+ الخط -
تحدث رئيس هيئة التفاوض لقوى الثورة والمعارضة السورية نصر الحريري أخيراً عن "فهم متزايد" بين المعارضة والجانب الروسي، في إشارة لتحوّل العلاقة بين الطرفين إلى مستويات جديدة بعد سنوات من التوتر بسبب الدعم اللامحدود من الجانب الروسي للنظام السوري ولجرائمه. وهو دعم واجهته المعارضة بمزيد من التشكيك بقدرة الجانب الروسي على أداء دور من شأنه تفعيل العملية السياسية، بل ذهبت المعارضة إلى حدّ اعتبار الوجود الروسي في سورية احتلالاً على المستويات كافة.

وصف الحريري اللقاء الذي جمعه منذ أيام مع المبعوث الروسي للملف السوري ألكسندر لافرنتييف بمقرّ السفارة الروسية في العاصمة السعودية الرياض بـ"الإيجابي والتفصيلي". وأشار إلى أنه "نوقشت في اللقاء قضايا عدة، أهمها الحفاظ على اتفاق سوتشي في إدلب على ضوء خروق النظام". وفي مؤتمر صحافي عقده الحريري يوم الأحد في الرياض، أشار إلى أنه "تناول مع المبعوث الروسي تشكيل اللجنة الدستورية"، مشيراً إلى أن "هيئة التفاوض وروسيا متفقتان على وجوب تشكيل اللجنة برعاية أممية كجزء من تطبيق القرار الأممي في جنيف 2254".

وأشار الحريري إلى أن "الجانبين (الروسي وهيئة التفاوض) في مرحلة فهم متزايد وإيجابية متزايدة"، مرحباً بهذا التقارب "لأنه لا مناص من الحل السياسي الذي يجب أن تكون فيه الأطراف موجودة، وروسيا لها دور كبير في سورية. ومن دون هذا الحوار لا يمكن أن نصل إلى نتيجة". ونفى وجود أي مبادرات متعلقة بتطبيع العلاقات مع النظام السوري، مضيفاً أن "النقاش يتمحور حول تطبيق القرار الدولي 2254".

ومنذ اندلاع الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، انحازت روسيا بالمطلق إلى جانب النظام السوري، ووفّرت له الغطاء السياسي الذي مكّنه من المضي في الفتك بالسوريين. وكبّلت موسكو مجلس الأمن الدولي حيال أي تحرك بما يتعلق بجرائم النظام، باستخدام حق النقض (الفيتو) مرات عدة، لوأد مشاريع قرارات تدين النظام وتجرّمه.

وسبق أن جرت محاولات تقارب بين المعارضة السورية والجانب الروسي على مدى سنوات الصراع، لكن دائماً ما كانت تصطدم برفض موسكو لإجراء تغيير جدي في بنية النظام السياسية والعسكرية والأمنية، إذ كانت موسكو تدفع باتجاه تقاسم شكلي للسلطة بين النظام والمعارضة. وعندما شعرت روسيا بترنّح النظام وأن المعارضة في طريقها لإسقاطه، تدخلت عسكرياً في 30 سبتمبر/ أيلول 2015، لتبدأ مرحلة جديدة شهدت ارتكاب مجازر بحق السوريين من قبل الطيران الروسي، وهو ما أدى إلى استعادة النظام العديد من المناطق التي خرجت عن سيطرته. وعرقلت روسيا مساعي الأمم المتحدة الهادفة إلى التوصل لحل سياسي وفق قرارات الشرعية الدولية، منها بيان جنيف1، والقرار 2254، بل خلقت مساراً موازياً من خلال مفاوضات أستانة التي أفضت إلى سيطرة النظام على مناطق المعارضة السورية. واعتبرت المعارضة مسار أستانة برمته محاولة لتصفية القضية السورية، ولكنها اضطرت للمشاركة فيه وحضور جولاته تحت ضغط إقليمي.

كما حاولت روسيا فرض دستور على السوريين كتبه خبراء روس، إلا أنه جوبه برفض من النظام والمعارضة معاً، ما دفع موسكو إلى سحبه من التداول، والحث على تشكيل اللجنة الدستورية من النظام والمعارضة للتعامل مع ملف الدستور. وفي يناير/ كانون الثاني 2018، اضطرت هيئة التفاوض، تحت ضغط إقليمي، إلى زيارة العاصمة الروسية لـ"الوقوف على حقيقة الموقف الروسي تجاه العملية السياسية، وإمكانية التوصل إلى استراتيجية مبنية على قرارات الشرعية الدولية لإنهاء معاناة الشعب السوري، وتمكينه من تحقيق تطلعاته المشروعة في سورية دولة ديمقراطية ذات نظام سياسي تعددي". ولكن الهيئة قاطعت مؤتمر "سوتشي" في يناير 2018، في محاولة لسحب البساط السياسي من تحت مسار جنيف، وخلق مسار بديل يرسخ هيمنة روسيا المطلقة على القرار السوري، خصوصاً أن المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سورية، ألكسندر لافرنتييف، أكّد قبل عقد المؤتمر أنه "لا مكان في مؤتمر سوتشي للمطالبين برحيل الأسد".

كما حاولت روسيا تمييع المعارضة السورية من خلال خلق ما يعرف بـ"منصة موسكو" التي ضمّت شخصيات أقرب للنظام من المعارضة، تتماهى تماماً مع الرؤية الروسية للحل القائم على بقاء الأسد في السلطة، وتكريس النفوذ الروسي في شرقي المتوسط. واستطاعت موسكو ضم منصتها إلى هيئة التفاوض التي وجدت نفسها مضطرة للقبول بالمنصة تحت ضغط عربي وإقليمي كبير.
وأعرب المتحدث الرسمي باسم هيئة التفاوض يحيى العريضي، عن اعتقاده بأنه "ربما هناك تحوّل في المقاربة الروسية تجاه القضية السورية"، مضيفاً في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "هذا التحول لا يعني تطوراً في العلاقة مع المعارضة السورية، بل تطور العلاقة مع معطيات أخرى في القضية السورية". وأشار إلى أنه "لا يمكن تجاوز روسيا أو عدم التفكير فيها في القضية السورية"، مضيفاً أن "هيئة التفاوض لا تطلب رضى أحد. نحن نحمل الحق السوري، وأي تحول بالجانب الروسي يرجع لأسباب تخصّهم، كالعلاقة مع الجانب الإيراني في سورية، والنظام السوري، والجانب الأميركي". وأكد العريضي أن "المعارضة السورية تصرّ دائماً في اللقاءات مع المسؤولين الروس على أن مفتاح الحل في كل الملفات السورية سياسي بحت. ومن هنا جاء التركيز على اللجنة الدستورية باعتبارها بوابة الحل السياسي". ورأى أن "موسكو تعتبر بشار الأسد عبئاً كبيراً عليها لأن هناك ملفات إجرامية تتراكم عليه"، معتبراً أن "موسكو تعتبره ضرورة في الوقت الراهن".

من جانبه، رأى فراس الخالدي، رئيس منصة "القاهرة"، وهي مكون رئيسي من مكونات هيئة التفاوض، أن "هناك بعض النقاط التي بدأ الجانب الروسي يتفهّمها في الملف السوري، منها أن يكون هناك توازن، وأن يكون هناك تغيير جدي". وكشف في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه "حتى اللحظة ليس هناك أفعال روسية تعيد الحياة للمسار السياسي في جنيف"، مضيفاً أنه "حتى يكون هناك تحوّل جادّ في الرؤية الروسية، على النظام أن يأتي لجنيف وأن يوافق على التوازن، وبذلك يكون الروسي أخرجه من عقدة النسب، والقواعد الإجرائية، نحو العمل الجاد لتحقيق الحل السياسي في سورية".

وعن إمكانية وضع الروس مصير بشار الأسد على طاولة التفاوض، قال الخالدي: "روسيا دائماً تصرّح بأن ما يعنيها هو عدم التدخل الدولي في سورية، وليس شخص الأسد بحد ذاته"، معتبراً أن "الروس يظهرون جدّيتهم في التوصل لحل سياسي في سورية، لكنني أعتقد أنهم يريدون تحقيق مكاسب مهمة قبل أن يدفعوا العملية السياسية لإنشاء النظام الجديد في سورية، التي لا تقل أهمية عند الروس عن القرم (شبه الجزيرة الأوكرانية التي ضمّتها روسيا عام 2014)، وهذا بحد ذاته يمنعهم من تقديم بعض التنازلات". وتحوّل الوجود الروسي إلى ما يشبه الاحتلال بنظر المعارضة السورية التي تراقب من بعيد هيمنة موسكو شبه المطلقة على البلاد، معتبرة أن نظام الأسد باعها للروس مقابل الدفاع عنه كي يبقى في السلطة.

كما أن المعارضة تحاول، كما يبدو، قراءة المشهد السياسي بشكل واقعي بعد سنوات من رفع اللاءات بوجه الجانب الروسي المستفيد من تعاط أميركي رخو مع الملف السوري حتى اللحظة. كما أن روسيا وضعت يدها على الساحل السوري، فأنشأت قاعدة حميميم العسكرية التي باتت مركز القرار في سورية، ووقّعت اتفاقيات مع النظام تتيح بقاء الروس في الأراضي السورية إلى أمدٍ غير محدد. كما أن روسيا على وشك وضع يدها على ميناء طرطوس على ساحل البحر الأبيض المتوسط، لمدة 49 عاماً، من أجل استخدامه من قبل قطاع الأعمال الروسي، في خطوة تؤكد نيّة موسكو تحويل الساحل السوري إلى منطقة نفوذ لها من دون منازع.

من جهته، رأى الكاتب المتخصص بالشأن الروسي طه عبد الواحد، أنه "لا يمكن الحديث عن تحول بالموقف الروسي تجاه المعارضة"، مرجّحاً في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "التحوّل يكمن في موقف الرياض، ومن ثم هيئة التفاوض، خصوصاً لجهة القبول بوضع دستور قبل الولوج إلى ملفات التفاوض الأخرى، وهو ما تريده موسكو". وأشار إلى أن "الروس باتوا يشكّلون طرف مواجهة مع إيران في سورية، وهذا يلبي رغبة السوريين بالتخلص من الإيرانيين باعتبار أنهم قوة تعمل على تغيير ديموغرافي على أساس طائفي، أي تدمير المجتمع السوري". وأنهى كلامه بالقول إن "التطور في العلاقة بين المعارضة والروس، لم يحدث فجأة، بل بصورة تدريجية عبر عقد لقاءات كثيرة في السنوات الماضية ساهمت في تقارب وجهات النظر، وتفهّم كل طرف لمصالح الآخر".

المساهمون