تفكيك خطاب "المطبّعين" مع إسرائيل

13 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

على الرغم من التسليم بعدم وجود تفسير مقنع لهرولة دول عربية باتجاه التطبيع، والتحالف مع إسرائيل، دعونا نحاول فهم (وتفكيك) المبرّرات التي يسوقها مسؤولو هذه الدول ومثقفوها وإعلاميوها، فلربما نجد فيها ما يقنع، وإنْ لم يبرّر مواقفهم وتحرّكاتهم. تقول السردية الإماراتية، ومن خلفها البحرينية، وقريباً السعودية والسودانية (وربما العُمانية!)، والتي جاءت من مسؤولين رسميين، ووردت في مقولات مثقفين وأكاديميين وإعلاميين وصحافيين محسوبين على هذه البلدان وكتاباتهم، إن التطبيع مع إسرائيل أمر مبرّر لثلاثة أسباب أساسية. أولها، أن قرار التطبيع سيادي، ولا يحق لأحد الاعتراض عليه، وثانيها، أن السلام مع إسرائيل سوف يحقق التنمية والاستقرار والرخاء في المنطقة، بعد عقود من الصراع والحروب والعنف، وثالثها، أن القيادة الفلسطينية تتحمّل مسؤولية الفشل الذي وصلت إليه القضية الفلسطينية، وبالتالي فهي الوحيدة التي يجب أن تُلام على ما يحدث للقضية. وأحياناً تُضاف إلى هذه المبررات مواجهة إيران. فضلاً عن الحديث السخيف والفارغ عن أن التطبيع هو من أجل حماية حقوق الفلسطينيين، ومنع إسرائيل من ضم أراضي الضفة الغربية، التي تم الإعلان عنها ضمن ما تعرف بـ"صفقة القرن"!

ربما تبدو الحجج الثلاث مقبولة ومنطقية، لولا أمر بسيط، أنها الحجج نفسها التي يسوّقها ويروّجها الجانب الإسرائيلي منذ أكثر من عقدين، بغرض تصفية القضية الفلسطينية. وقد بدأت هذه السردية الذرائعية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل، أرئيل شارون، الذي كان يحمّل الفلسطينيين مسؤولية تعثر مفاوضات السلام وفشلها. وقد رفض المبادرة العربية التي كانت ستمنحه تطبيعاً كاملاً في حال الالتزام بإعطاء الفلسطينيين حقوقهم ودولتهم على حدود عام 1967، وسعى جاهداً إلى إقناع الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بذلك، خصوصاً بعد وقوع أحداث "11 سبتمبر" في عام 2001. ولعل المفارقة اللافتة أن هذه البلدان التي تهرول نحو التطبيع مع إسرائيل، أو بالأحرى نحو التحالف معها، كانت ترفض هذه الحجج ومنطقها حتى وقت قريب، وهو أمرٌ موثّق بالصوت والصورة في أكثر من مناسبة، ليس أقلها محاضر اجتماعات القمم العربية، وكذلك اجتماعات جامعة الدول العربية، وآخرها الذي رُفضت فيه صفقة القرن قبل شهور.

يقول المطبعون إن التطبيع هو لحماية حقوق الفلسطينيين، ومنع إسرائيل من ضم أراضي الضفة الغربية التي تم الإعلان عنها ضمن "صفقة القرن"!

وفي ما يخص المبرّرات نفسها، دعونا نفككها كلّاً على حدة كي نفهم منطقها. المبرّر الأول، المتعلق بالسيادة الوطنية وحق كل دولة في اتخاذ أية قراراتٍ قد تحقق مصالحها داخلياً وخارجياً، أمر صحيح نظرياً، ولكنه واقعياً يعاني من مشكلات كثيرة ويتناقض مع سلوك هذه الدول. فضلاً عن أنه يُطبّق بشكل انتقائي من أجل التغطية على سلوكها تجاه القضية الفلسطينية. على سبيل المثال: هل تتمتع كل من الإمارات والبحرين بالسيادة حقاً، داخلياً وخارجياً؟ وكيف يستقيم الأمر وإحداها، الإمارات، لا تتمتع بالسيادة الكاملة على أراضيها التي تحتل إيران ثلاثاً من جزرها منذ أكثر من أربعين عاماً، لم تتحرّك أبوظبي من أجل استعادتها؟ وأين هي سيادة مملكة البحرين، التي تعتمد اعتماداً كلياً في بقائها وبقاء أسرتها الحاكمة على السعودية؟ وأين هي سيادة كل من الدولتين، وهما تقبعان تحت حماية الأسطول الأميركي، المرابط في مياه الخليج العربي منذ عقود؟ وأين هي سيادة أبوظبي، وهي تعتمد كلياً على تكنولوجيا إسرائيلية في التجسس على مواطنيها وخصومها، وبالتالي تضع أمنها القومي تحت سيطرة الشركات الإسرائيلية ورحمتها؟ ولماذا حاصرت كل من الإمارات والبحرين والسعودية دولة قطر لرفضها قطع العلاقات مع إيران، على الرغم من أن هذا قرار سيادي محض، لا يمكن لأحد التدخل فيه؟ أم أن مبدأ السيادة يتجزأ وفق اعتبارات المصلحة وحسب الطرف المقصود به؟ ولماذا مثلاً تتدخل أبوظبي وتنتهك سيادة بلدان أخرى، وتحاول التأثير على قرارها الخارجي، سواء بالضغط السياسي، أو الابتزاز المالي والاقتصادي كما هي الحال مع السودان والمغرب وموريتانيا، أو التدخل العسكري كما هي الحال في اليمن وليبيا، بغرض التأثير على قرارها السيادي، سواء في تحديد العلاقة مع إسرائيل، أو ما يخص القضايا الأخرى في المنطقة؟ ألا يعد هذا انتهاكاً لسيادة هذه البلدان، وتدخلاً فجّاً في شؤونها؟ أو ليست الاستجابة لضغوط ترامب بخصوص "صفقة القرن" والهرولة للتطبيع مع إسرائيل تعتبر انتهاكاً لسيادة هذه الدول؟ حقيقة الأمر، قرار التطبيع مع الكيان الصهيوني، وعلى عكس ما يرّوج المطبّعون ومثقفوهم وصحافيوهم، هو بحد ذاته أكبر دليل على انعدام السيادة الحقيقية لدى تلك البلدان، وشهادة حيّة على انعدامها.

لماذا حاصرت الإمارات والبحرين والسعودية دولة قطر لرفضها قطع العلاقات مع إيران، وهذا قرار سيادي محض، ليس لأحد التدخل فيه؟

وفي ما يخص مسألة علاقة التطبيع بتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، يكفي أن يراجع مروّجو التطبيع ومنظّروهم وداعموهم حصيلة العقود الثلاثة الماضية، منذ وقّع الفلسطينيون اتفاقات أوسلو أوائل التسعينيات، كي يتأكدوا مما آلت إليه الأوضاع في المنطقة، سواء على صعيد القضية الفلسطينية أو على صعيد الوضع العربي بشكل عام، فعملية السلام التي تم إطلاقها بين الفلسطينيين والإسرائيليين لم تفض إلى أي نوع من السلام أو الاستقرار أو التنمية. بل على العكس، كانت سبباً في مزيدٍ من الانقسامات، سواء داخل البيت الفلسطيني أو البيت العربي. كما أن المستفيد الوحيد منها هو إسرائيل التي توغلت في الأراضي الفلسطينية، واستولت على أضعاف ما كانت تنصّ عليه ما تسمّى اتفاقات السلام. في حين أنها الرابح الأساسي من انقسام القيادات الفلسطينية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والذي كان إحدى نتائج السلام الموهوم الذي تم ترويجه منذ التسعينيات. وبتوسيع دائرة النظر إلى الإقليم، لم تحقق اتفاقات السلام التي وقعتها إسرائيل مع كل من مصر والأردن أي نوع من التنمية أو الرخاء أو الاستقرار الذي يعدنا به مروّجو التطبيع والتحالف مع إسرائيل! بل على العكس، كلا البلدين يعانيان من الفساد والقمع، وإن بدرجات متفاوتة، اللذين لم تستفد منهما سوى تل أبيب. كذلك تفكّكّت المنطقة العربية بشكل غير مسبوق، واشتعلت الحروب الأهلية في أكثر من بلد، ووصل الصراع الإقليمي حالياً إلى مرحلة حرجة، خصوصاً ما يتعلق بالعلاقة مع إيران أو تركيا. أكثر من ذلك، ازداد الانقسام العربي وتشظّى بشكل غير مسبوق، خصوصاً ما يتعلّق بقضية فلسطين التي كانت دوماً محل الإجماع العربي وبوصلته. ورفض جامعة الدول العربية، أخيراً، إدانة التطبيع الانفرادي الذي قامت به أبوظبي مع تل أبيب خير دليل على مرحلة السقوط الحرّ والانحدار الذي وصلت إليه الحال العربية.

عملية السلام التي تم إطلاقها بين الفلسطينيين والإسرائيليين في أوسلو لم تفض إلى أي نوع من السلام أو الاستقرار أو التنمية

وفي ما يخص القول إن الفلسطينيين هم المسؤولون عمّا آلت إليه أوضاعهم، فلا يستحق الردّ عليه، ليس فقط لأنه منطق مفلس ومنحط أخلاقياً، حيث يلوم الضحية على ما يقع لها، ويرفع المسؤولية عن المجرم، ولكن لأن أصحاب الشأن أنفسهم لم تتم استشارتهم في مسألة التطبيع، ومدى تأثيرها عليهم وعلى قضيتهم. ولو أن الفلسطينيين هم فعلاً المسؤولون عن ضياع قضيتهم، فلماذا كانت دول التطبيع تدعمهم منذ خمسة عقود وحتى وقت قريب، ما لم تكن شريكة في تحمّل مسؤولية فشلهم؟
ربما كان من الأفضل لتلك البلدان التي تهرول نحو إعلان التطبيع مع إسرائيل، ولربما كان من الأكثر احتراماً لمنظّريهم وكتّابهم وإعلاميّيهم، أن يتحلوا بقدر من الشجاعة، والرجولة، في قول الحقيقة بشأن موقفهم بشأن التحالف مع إسرائيل، من دون التخفي وراء مبرّرات سخيفة وواهية. ولو أنهم فعلاً واثقون من نصاعة خيارهم بالهرولة تجاه إسرائيل، لما اضطروا لسوق كل هذه المبرّرات، كي يغلّفوا بها موقفهم المخزي.