تفكيك ألغاز الطائرة المصرية

تفكيك ألغاز الطائرة المصرية

23 مايو 2016
الصورة
+ الخط -
علامات استفهام كثيرة تحيط بحادث الطائرة المصرية التي سقطت في مياه المتوسط فجر الخميس الماضي. إذ يمتد الغموض، ليشمل جوانب كثيرة، من أهمها موقع سقوط الطائرة وتوقيته. إضافة إلى إشارات الإنذار التي أصدرتها الطائرة قبل اختفائها مباشرة، بوجود دخانٍ في نقطتين على متنها. ثم الهبوط المفاجئ للطائرة من 37 ألف قدم إلى 15 ألفا، وذلك بعد تغيير الاتجاه مرتين بشكل حاد، إلى اليسار بزاوية 90 ثم إلى اليمين دورة كاملة. وتشير هذه المعلومات المعلنة رسمياً بواسطة السلطات الفرنسية واليونانية والمصرية، بوضوح، إلى أن الطائرة تعرّضت لطارئ مفاجئ أخرجها تماماً عن السيطرة، ما يقلل كثيراً من احتمالات أن يكون سبب السقوط خللاً فنياً أو عطلاً مفاجئاً.
وعلى الرغم من أن التصريحات الرسمية، المصرية والفرنسية تحديداً، لم تستبعد فرضية تعرّض الطائرة لعمل تخريبي، كالتفجير بعبوة ناسفة أو بواسطة انتحاري مفخخ بحزام ناسف، إلا أن صحة هذا الاحتمال كانت تقتضي سيناريو آخر للحادث، بأن يتم تفجير الطائرة إما في مطار الإقلاع أو مطار الوصول، تحرّياً لوجود عدد كبير من المدنيين، فضلاً بالطبع عن اختيار رحلة فيها عدد أكبر من الركاب. فسواء كان التفجير بمؤقت أو يدوياً بواسطة انتحاري، كان بالإمكان اختيار الطائرة والرحلة والزمان والمكان بشكلٍ يحقّق أكبر قدر من الخسائر البشرية.
أما المكان الذي سقطت فيه الطائرة، فيستحق التوقف عنده قليلاً، حيث يمثل المكان نقطة التقاء بين المجالين الجويين، المصري واليوناني. ويقع في نطاق تدريبات جوية إسرائيلية بدأت في اليوم السابق مباشرةً لسقوط الطائرة. وبالرجوع إلى البيانات الخاصة بتلك التدريبات، يتّضح أن نطاقها يبدأ من غرب جزيرة قبرص، ويمر بالمجال الجوي لكل من اليونان ومصر، انتهاءً بليبيا. هذا لا يعني بالضرورة تعرّض الطائرة لصاروخ أو قصف جوي إسرائيلي. لكن، لا يوجد أيضاً ما ينفي هذا الاحتمال، خصوصاً أن مجلس الأمن القومي المصري اجتمع صبيحة يوم الحادث. وعلى الرغم من أن مصر شهدت، بعد تشكيل المجلس، حادثتي تدمير الطائرة الروسية في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2015، ثم في 29 مارس/ آذار الماضي اختطاف طائرةٍ مصريةٍ كانت في رحلة داخلية، إلا أن المجلس لم يجتمع في المرتين. في الوقت نفسه، لم تعلن أي جهةٍ وقوفها وراء الحادث. والمعتاد من التنظيمات التي تملك إمكانات تدبير عمليةٍ بهذا المستوى أن تعلن مسؤوليتها بعد القيام بالعملية بوقتٍ قصير. في حادث الطائرة الروسية، أعلنت ما تسمى "ولاية سيناء" مسؤوليتها في اليوم نفسه. وتبنى تنظيم الدولة الإسلامية هجمات باريس في اليوم التالي. وينبغي، هنا، تذكّر أن فرنسا قصفت، بعد الهجمات بأيام قليلة، جوّاً معقل تنظيم الدولة في مدينة الرقة السورية. وراح ضحية القصف مدنيون كثيرون، بينهم 28 تلميذاً في إحدى المدارس، فتوعد التنظيم فرنسا بالانتقام لهؤلاء الضحايا.
الغموض المحيط بالحادث قابل للانكشاف، إذا توفرت مصادر المعلومات والبيانات الكاملة، خصوصاً صور الأقمار الصناعية، وما أكثرها في سماء المتوسط، فضلاً عن الصندوقين الأسودين الخاصين بالطائرة. لكن الأمر يتطلب شفافية وتعاوناً من الدول التي تغطي أقمارها منطقة سقوط الطائرة، خصوصاً أن تجربة الطائرة الروسية مع الصندوقين الأسودين لم تكن إيجابية في كشف ملابسات الحادث. ومن الواضح أن السلطات المصرية تخلت، نسبياً، عن التحفظ والتعتيم الذي أخفقت، بسببه، في إدارة ملف الطائرة الروسية إعلامياً. لكن، يبدو، في المقابل، أن رغبة القاهرة في إدارة هذا الحادث الجديد بقدر أعلى من الصراحة، يقابلها قلة المعلومات المتاحة، أو تحديداً تلك التي يمكن إعلانها.

دلالات