تفشي كورونا في إيران... إهمال وتستر قادا إلى الجائحة

تحقيق
محمد علي
22 مارس 2020
+ الخط -
لم تعد المقابر في محافظة جيلان شمالي إيران، تستوعب جثث ضحايا فيروس كورونا إذ صارت تدفن فوق بعضها، كما يروي النائب عن مدينة رشت الواقعة في مركز المحافظة غلام علي جعفرزاده أيمن أبادي، واصفا المأساة التي يعيشها أهالي المحافظة التي كانت في المركز الثالث لعدد الإصابات بالفيروس المستجد حتى التاسع من مارس/آذار.

تبدو خطورة الوضع أكثر في تصريحات أبادي لموقع "رويداد 24" الإصلاحي إذ قال: "لا أريد إثارة الرعب والقلق. لكن علي أن أكون صريحا. نواجه نقصا كبيرا في المستلزمات الطبية. لست كاذبا إن قلت إن 50% من الطواقم الطبية في المحافظة مصابون بكورونا".

كيف انتقل الفيروس إلى إيران؟

انتقل الفيروس القاتل من الصين إلى مدينة قم الوجهة الرئيسية للسياحة الدينية في إيران، والتي تعد حلقة وصل بين عدة محافظات بحكم موقعها الجغرافي وسط البلاد، ومنها انتقل إلى محافظات أخرى، وفق ما جاء في خريطة مناطق انتشار الفيروس، التي نشرها المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية، كيانوش جهانبور، على حسابه في موقع "تويتر" في 5 من مارس الجاري.

وتظهر الخريطة انتقال العدوى من بؤرة الفيروس إلى العاصمة أولا، ومنها إلى محافظات أخرى، ثم اتسعت رقعة انتشاره تدريجيا، لتغطي جميع المحافظات، البالغ عددها 31.



تضارب في الأرقام

تواجه وزارة الصحة اتهامات متعددة من قبل المعارضة الإيرانية في الخارج ومشرعين إيرانيين ووسائل إعلام محلية، بإخفاء حقيقة أعداد الضحايا والمصابين بالفيروس. الأمر الذي يضع علامات استفهام حول دقة الأرقام الرسمية.

وأول من أثار هذه التساؤلات من داخل مؤسسات الدولة، النائب عن مدينة قم، أحمد أميرأبادي فراهاني، بعد إعلانه في 24 فبراير الماضي عن وفاة 50 مواطنا من المدينة وحدها، فيما لم يتجاوز عدد الضحايا حينها 12 شخصا في كل إيران بحسب وزارة الصحة، قائلا أن "10 من سكان قم يفقدون أرواحهم يوميا".

واحتلت إيران المركز الثالث عالميا في عدد ضحايا ومصابي كورونا بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، غير أنها تراجعت إلى المركز السادس في 22 مارس والذي بلغ فيه العدد الإجمالي للوفيات بالفيروس منذ الإعلان عن اكتشافه، 1556 ضحية والمصابين 20.610 حالة وفق أحدث البيانات، التي نشرتها وزارة الصحة الإيرانية. لكن الأرقام الرسمية التي تعلنها الوزارة يوميا، تتناقض مع الأرقام غير الرسمية، وفق ما رصده معد التحقيق.

ويبدو الفارق واضحاً بين أرقام الجامعات الطبية في المحافظات الإيرانية، والتي تخضع المستشفيات لإدارتها، وبين ما تحصيه وزارة الصحة، وعلى سبيل المثال أعلنت الوزارة في 4 مارس، أن عدد الوفيات 92 شخصا في كل المحافظات. فيما أشارت بيانات الجامعات الطبية في 29 محافظة إيرانية، إلى تسجيل 126 حالة وفاة، وفق ما وثقه معد التحقيق عبر وكالة "إرنا" الرسمية، رغم أن بيانات الجامعات، لم تشمل محافظتي طهران التي تعد الأولى على مستوى البلاد في الإصابة بالفيروس، وجيلان، التي كانت تحتل المركز الثالث في عدد الضحايا والمصابين.

وزاد إعلان سلطات محلية في مدن إيرانية لم تكن ضمن بؤر تفشي كورونا عن إصابات، من هذا التناقض في الأرقام، إذ أشارت المعطيات المتوفرة إلى وفاة 148 شخصا في 3 مدن حتى العاشر من مارس، ومنها مدينة بابل بمحافظة مازندران التي بلغ عدد ضحايا كوروونا فيها 60 شخصا وفق ما أكده النائب البرلماني عن المدينة علي نجفي على قناته بمنصة تليغرام.

وفي مدينتي كاشان وأران بيغدل وسط البلاد توفي 88 شخصا متأثرين بإصاباتهم بالفيروس وفق ما أعلنه حاكم مدينة كاشان بمحافظة إصفهان، علي أكبر مرتضايي، للتلفاز المحلي، في التاسع من مارس.

إلا أن النائب عن مدينة رشت غلام أبادي، والذي يوجّه انتقادات حادة للسلطات الصحية، له وجهة نظر مختلفة، إذ يعتبر في مقابلة مع موقع "رويداد 24" الإصلاحي، في 9 مارس، أن الأرقام الرسمية المعلنة "غير صحيحة"، لكنه في الوقت نفسه، يقول إنها "صادقة"، شارحا اللغز بالقول إن هذه الأرقام تشمل فقط من يخضع لفحص فيروس كورونا، وتؤكد النتائج إصابتهم بالفيروس، مشيرا أنه لا يتم إجراء الفحوص للجميع، لذلك لا تشمل الأرقام الرسمية من يشتبه بإصابتهم بكورونا أو يتوفون وهم يحملون أعراضه.

هذه المعطيات تؤكد أن فيروس كورونا كان منتشرا في إيران قبل مسيرات الذكرى الـ41 لانطلاق الثورة في 11 فبراير/شباط الماضي، وتنظيم الانتخابات التشريعية التي جرت في 21 من ذات الشهر، الأمر الذي يعني أنهما شكلتا أرضية خصبة لتفشيه بسبب اختلاط حاملي الفيروس بغيرهم، ما نقل العدوى سريعا بين الناس وفق ما وثقه معد التحقيق.


أسباب تفشي كورونا

يعد التستر على انتقال الفيروس إلى البلاد، وعدم اتخاذ تدابير وقائية من أسباب تفشيه السريع، إذ اتهم مشرعون إيرانيون سلطات بلادهم بالأمرين، ومن بينهم النائب الإصلاحي البارز، محمود صادقي، والذي وجه تلك التهمة إلى السلطات، على حسابه في "تويتر" في 20 فبراير/شباط الماضي، ثم عاد ونشر خبر إصابته بالفيروس في 25 من ذات الشهر.

بالمقابل كررت السلطات الإيرانية نفي الأمر، إذ اعتبر المتحدث باسم مقر مكافحة فيروس كورونا في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، العميد حسن عراقي زادة، في 9 مارس، أن هذه الاتهامات "مزاعم كاذبة"، لكن النفي المتكرر يتعارض مع ما كشفه الطبيب محمد مولايي، والذي يسكن في مدينة قم، في مقابلة مصورة له مع وكالة "ركنا" الإصلاحية (تناقلها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي) عن وفاة شقيقه بعد إصابته بالفيروس، قبل يوم من إعلان وزارة الصحة اكتشاف أولى الإصابات بكورونا.

السردية التي قدمها مولايي حول وفاة شقيقه في مقابلة مع منصة "امتداد" الإصلاحية على تطبيق "تليغرام" في 12 مارس، تشير إلى أنه أصيب بالفيروس في الرابع من فبراير الماضي. وأضاف مولايي في المقابلة أن مسؤولي مستشفى "كامكار" في قم، والذي رقد فيه شقيقه، أبلغوه بوفاة آخرين قبله بعد أن ظهرت عليهم الأعراض نفسها.

ويدعم الفرضيتين السابقتين، إقرار وزارة الصحة في 13 مارس، بتأخرها في الإعلان عن وصول كورونا إلى إيران، إلا أنها أكدت أن الأمر لم يكن مقصودا، وفق ما أكده نائب وزير الصحة الإيراني، إيرج ملك زادة، لبرنامج "دستخط" بالقناة الخامسة، مشيرا إلى ظهور حالات في قم ومدن إيرانية أخرى.


خطر الإهمال

تأخر الحكومة الإيرانية في اتخاذ إجراءات احترازية لمنع انتقال فيروس كورونا إلى البلاد، ساهم في انتشاره وفق ما أكدته مصادر التحقيق. وصدر قرار رسمي بإيقاف الرحلات الجوية من وإلى الصين في الـ 31 من يناير/كانون الثاني، وفقا للتلفزيون الإيراني، رغم أن الفيروس ظهر في مدينة ووهان الصينية في 12 ديسمبر/كانون الأول الماضي.

ورغم القرار الاحترازي بإيقاف الرحلات الجوية، إلا أنه لم يطبّق بالكامل، لأن شركة "ماهان" للطيران في إيران، واصلت رحلاتها الجوية من وإلى الصين، وفق ما أكّده تقرير لوكالة "إرنا" الإيرانية، فی 24 فبرایر الماضي، مشيرا إلى أنّ "ماهان" نظّمت تسع رحلات جوية من الصين إلى إيران متجاهلة ذلك القرار الرسمي. وهو ما أكده السفير الصيني لدى طهران، جانغ هووا، في تغريدة على حسابه في "تويتر" في 2 فبراير الماضي، مشيرا إلى أن المدير التنفيذي لشركة ماهان، حميد عرب نجاد، أكد له خلال لقاء جمع بينهما في نفس اليوم، استمرار رحلات الشركة.

رافق ذلك الإهمال، عدم فرض حجر صحي على مدينة قم، الأمر الذي ساهم في تفشي الفيروس بشكل سريع، وهو ما أكده نائب رئيس البرلمان الإيراني، مسعود بزشكيان، وهو طبيب ووزير الصحة الإيراني الأسبق في عهد الرئيس محمد خاتمي، قائلا في مقابلة له مع موقع "إنصاف نيوز" الإصلاحي، في 3 مارس: "كان ينبغي عزل مدينة قم (بؤرة تفشي الفيروس في إيران) في بادئ الأمر... لو كنت وزيرا للصحة لكتا فرضت منذ اليوم الأول حجرا صحيا على قم".

وظلت السلطات الإيرانية ترفض فرض حجر صحي على مدينة قم والمدن الأخرى، معتبرة ذلك "طريقة قديمة وغير علمية"، بحسب ما نقلته وكالة "إرنا" عن وزير الصحة في 28 فبراير الماضي.


شح في مستلزمات الوقاية

أكدت رسالة موجهة من وزير الصحة، إلى الرئيس الإيراني في الأول من مارس، أن عدم توفر المستلزمات الطبية الوقائية، خصوصا الكمامات، في المستشفيات، عرّض أرواح الناس والطواقم الطبية الإيرانية للخطر، مشتكيا من حالات احتكار تقوم بها "شبكة انتهازية"، وفقا لوكالة "إرنا" الرسمية.

ويوجد نقص حاد في المستلزمات الوقائية في نحو 100 مستشفى إيراني من أصل 968 مستشفى، معظمها في المحافظات التي تتعرض لتفشي الفيروس أكثر من غيرها، "قم، وطهران، وجيلان ومازندران"، فضلا عن نقص ملحوظ في المستلزمات الوقائية في بقية المستشفيات الإيرانية. الأمر الذي تسبب بإصابة نحو 100 طبيب وممرض بكورونا ووفاة 15 منهم، حتى تاريخ 12 مارس.

وأعلنت إيران في 9 مارس أنها بحاجة إلى 40 مليون كمامة أسبوعيا، وهو عدد يفوق طاقتها الإنتاجية، البالغ 1.5 مليون كمامة يوميا وفق تأكيد وزارة الصحة.

وزاد الاحتكار لهذه المستلزمات من قبل أفراد وشبكات مافيا، من معاناة الإيرانيين في الحصول عليها، إذ أعلن رئيس شرطة الأمن الاقتصادي في إيران، العميد محمد رضا مقيمي، في 11 مارس ، عن ضبط 100 مليون قفاز و8 ملايين كمامة و2 مليون و463 ألف لتر من السوائل المعقمة، مؤكدا اعتقال 300 محتكرا على خلفية ذلك.

ويعود السبب الرئيس لشح المستلزمات الطبية في إيران، إلى العقوبات الأميركية المفروضة، منذ الثامن من أيار/مايو 2018، والتي تحظر على إيران إجراء أي معاملات مالية مع الخارج، وقلصت إيراداتها إلى حد كبير، وذلك بحسب تصريحات وتغريدات متعددة، أطلقها وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، الذي أكد في رسالة وجهها إلى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، في 10 مارس الجاري أن "العقوبات الأميركية تمثل عقبة أساسية لمواجهة كورونا في إيران".

وفي اليوم التالي، كرر ظريف حديثه عن دور العقوبات في تحجيم قدرات بلاده في مواجهة كورونا، ناشرا في تغريدة على حسابه في تويتر قائمة للاحتياجات الطبية القصوى لإيران في هذا الصدد، والتي تحتوي على 30 صنفا من المستلزمات والمعدات الطبية.

دلالات

ذات صلة

الصورة
وظائف

اقتصاد

مع استمرار جائحة فيروس كورونا، ودخولها عامها الثاني، يبدو أن التداعيات ستبقى مسيطرة على المشهد العام في 2021. ومن المتوقع أن تشهد بيئة العمل تبدلات، إن على مستوى خفض الكوادر الوظيفية، أو على مستوى تغيير النمط المعتمد في عقود العمل.
الصورة
قلادة للتباعد الاجتماعي

منوعات وميديا

قاد انتشار جائحة كورونا الشاب الفلسطيني محمد صيدم من قطاع غزة إلى ابتكار قلادة إلكترونية، للمساهمة في تعزيز ثقافة التباعد الاجتماعي، مع استمرار تسجيل إصابات ووفيات جراء الوباء محلياً ودولياً.
الصورة

مجتمع

أعلنت السلطات الصحية في الجزائر، تجهيز ما يقارب ثمانية آلاف نقطة مخصّصة للتلقيح ضدّ فيروس كورونا. ومن المقرّر البدء بعملية التلقيح خلال شهر يناير/كانون الثاني الجاري، فور استلام الجزائر أول شحنة من اللقاحات الثلاثة التي تم التعاقد عليها.
الصورة
في العناية المركزة (حسين بيضون)

مجتمع

تباطأت مستشفيات لبنان لزيادة كفاءتها وقدرتها على مواجهة كورونا لأسباب مختلفة ترتبط بالأزمة الاقتصادية غالباً، وهو ما يوقع البلاد في أزمة خطيرة مع ارتفاع عدد الإصابات اليومي بشكل هائل