تفسير جديد بشأن "الإخوان" في مصر

12 سبتمبر 2014
الصورة

يستخدم طارق مسعود المقابلات والمعايشة، ويضيف إليهما الإحصاءات (Getty)

+ الخط -

يمكن القول إن كتاب "الدين والطبقة والانتخابات في مصر" (مطابع كامبريدج 2014) للأستاذ في جامعة هارفارد، طارق مسعود، هو أحد أفضل الكتب عن تنظيم الإخوان المسلمين. وكان حسام تمام قدم ملاحظات مهمة للغاية عنهم، يرددها كثيرون حالياً، مثل فكرة ترييف "الإخوان"، وصعود أنصار التنظيم على حساب التيار الإصلاحي، وتراجع العقل الاستراتيجي، وهي أفكار بحثية نتجت من معايشة الكاتب تمام لهم. وأنجز خليل العناني مقابلات كثيرة مع قادة "الإخوان"، وكتب عن "شيخوخة" الجماعة وقلة مقرراتها السياسية وطبيعة القيادة والأفكار التي تسيطر عليها، وباتت مقولات العناني شائعة، غير أن طارق مسعود يقدم أفكاراً جديدة ومهمة للغاية، لسببين:

الأول، المنهج الإحصائي، إذ يستخدم مسعود المقابلات والمعايشة، مضيف إليهما الإحصاءات والتحليل الكمي بتميز كبير، ولديه معلومات مفيدة عن توجهات تصويت المصريين وظروفهم الاقتصادية وعلاقة ذلك بالإخوان.

الثاني، ينشغل مسعود بالسياق الأكبر الذي يعمل فيه "الإخوان المسلمون"، ينظر داخل الجماعة وخارجها، ويقارن بينهم وبين جماعات سياسية أخرى، مثل اليسار، ويحاول أن يشرح أسباب تصرف "الإخوان" بشكل معين ضمن النظام السياسي المصري.

إلى ذلك، للأستاذ في الجامعة الأميركية في القاهرة، هولجر ألبريشت، كتاب صدر في 2013 بعنوان "الغضب ضد الآلة المعارضة السياسية ضد السلطوية في مصر"، يحاول أن يدرس سلوك "الإخوان" وجماعات المعارضة في مصر، من خلال السياق العام للنظام السياسي المصري. ويرى ألبريشت ومسعود أن النظام السياسي المصري ليس لعبة، بل آلة منظمة، بنيت على مدى عقود، ويصعب جداً العبث معها، هي تصنع للجميع أدواراً محددة للغاية، أو مساحات محددة للتحرك، يصعب الخروج عنها إلا بصعوبة.

ولم يستخدم ألبريشت إحصاءات في كتابه، لكنه، من الملاحظة والدراسة العميقة، رأى أن "الإخوان" من الجماعات التي يمكن وصفها بالمعارضة الجادة غير المستأنسة، والرافضة للنظام السياسي الاستبدادي بشكل عام. ويلحظ أنهم لم يكونوا معارضة مهادنة للنظام، مثل أحزاب أخرى، الوفد والتجمع وغيرهما، بل معارضة متمردة على النظام وقواعد لعبته السياسية، ولذلك كان النظام أقسى في التعامل معها. ويرى أن "الإخوان"، بسبب حياتهم داخل نظام مبارك وقيوده عقوداً، تعرضوا لعمليات تشويه في سلوكهم السياسي. مثلاً، لما انفتحت أبواب المشاركة السياسية أمام أعداد ضخمة من المصريين بعد الثورة، لم يستطع "الإخوان" التعامل معها، لأنهم لم يتعودوا ذلك في عهد مبارك. كانت لعبتهم التي أجادوها هي الانتخابات والإصلاح التدريجي وتنظيم أتباعهم، وحدّت آلة النظام الضخمة التي عملوا خلالها، عقوداً، من قدرتهم على العمل مع الجماهير الجديدة التي دخلت السياسة لأول مرة بعد ثورة يناير.

ويهتم طارق مسعود، أيضاً، بآلة النظام السياسي، وكيف أثرت على الجميع، لكنه يتعرض لمساحات جديدة للغاية من التفسيرات الكلية لطبيعة حركة "الإخوان" السياسية. وهو يقول، باختصار، إن نظام مبارك لم يتملك أيدلوجية أو سياسات، وإنه كان نظاماً لشراء أصوات المصريين قبل الانتخابات، من خلال رجال أعماله. وقد تعمد حسني مبارك تدمير فرص العمل السياسي، بتقييد حرية مختلف الأحزاب من ناحية، واعتماد المنافسة الفردية في الانتخابات البرلمانية من ناحية أخرى، وتأميم النقابات العمالية من ناحية ثالثة. وكانت النتيجة ارتفاع تكاليف العمل السياسي، فالأحزاب لم تعد قادرة على الاستفادة من النقابات العمالية، مثلاً، ولم تعد قادرة على ترشيح نوابٍ، لأنها لا تمتلك أموالاً كافية للمنافسة، ولم تعد كذلك قادرة على شراء أصوات الناخبين المصريين يوم الانتخابات.

ويكتب مسعود أن هذه الآلية في شراء الأصوات كانت من صنع نظام مبارك، وأضعفت أحزاب اليسار المصري، وهي الأكثر قابلية أيدولوجياً على الفوز بأصوات الناس، كما يرى مسعود، لأن غالبية المصريين مهتمة، أساساً، بتحسين أحوال عيشها، وبقضايا اقتصادية واضحة، مثل إعادة توزيع الثروة، في حين أن الشعب المصري متدين، بشكل عام، ومختلف الأحزاب، أو الغالبية العظمى منها، تؤيد المادة الثانية من الدستور، الخاصة بأن الشريعة الإسلامية المصدر الأساسي للتشريع.

ويرى مسعود أن إبداع "الإخوان" تمثل في قدرتهم على تخطي عقبة شراء الأصوات، بالاعتماد على أبناء الطبقة الوسطى، أساساً، في العضوية والقيادة، فالإخوان ركزوا على نشر أفكارهم الدينية والسياسية وسط أبناء الطبقة الوسطى، من المتعلمين وطلاب كليات القمة (الطب والهندسة)، لأن ظروفهم الاقتصادية تسمح لهم بمقاومة إغراءات النظام.
وبمرور الوقت، أصبح لدى "الإخوان" عدد جيد من النشطاء السياسيين الذين يمثلون أقلية سياسية، لكنها قادرة على تغيير مجرى الانتخابات، لأن غالبية المصريين لا يشاركون في الانتخابات أصلاً، يعني الإخوان باتوا أقلية سياسية متماسكة، تمثل التهديد الأهم لنظام مبارك الذي مثل أقلية سياسية كذلك. والمهم، هنا، أن "الإخوان" استفادوا، أيضاً، من شبكة المساجد والمؤسسات الدينية، وهي الشبكة الأهم للتواصل مع الناس التي لم يستطع مبارك القضاء عليها، ومنحت "الإخوان" ميزة كبيرة، مقارنة بقوى اليسار مثلاً.

ويرى مسعود أن فوز مرشحي الإخوان المسلمين في الانتخابات بعد ثورة يناير لم يكن مفاجأة، فقد كانوا الأكثر قوة وتنظيماً وقدرة على الوصول إلى الناس. ويقول إن المصريين (وفقاً لإحصاءات ونماذج لتصويت الناخبين رصدها) لم تصوت للإخوان لرغبتهم في تطبيق الشريعة، ولكن، لأن الإخوان كانوا أكثر قدرة على الوصول إليهم، ولاعتقادهم أن هؤلاء الأكثر قدرة على خدمتهم، وعلى تحقيق أحلامهم الاقتصادية، وهذا ما يفسّر غضب المصريين سريعاً من الإخوان، كما يرى مسعود، في أثناء حكم محمد مرسي القصير، لأنهم لم يروا تحسناً سريعاً في أوضاعهم الاقتصادية. وبحسبه، فإن قوة "الإخوان" السياسية كانت في تراجع، كما ظهر في الفرق بين الأصوات التي حصلوا عليها في الانتخابات التشريعية والأصوات التي حصلوا عليها في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية.

ويرى طارق مسعود أنه لو قدّر للتحول الديمقراطي في مصر الاستمرار، ربما صعدت قوى سياسية منافسة للإخوان، كاليسار. ولكن، للأسف، توقف التحول الديموقراطي بعد الانقلاب العسكري، وتوقفت قدرة القوى السياسية على تطوير قدراتها السياسية، فمعارضو الإخوان المسلمين الذين كانوا يخشون من قدراتهم الانتخابية لم يدركوا أهمية الحفاظ على التحول الديمقراطي، وكيف أن آلة نظام مبارك السياسي هي التهديد الأهم لقدرة مختلف الأحزاب والقوى السياسية، لأنها تقوم على غلق فرص التواصل مع المصريين والعمل السياسي.

هنا، يجتهد صاحب كتاب "الدين والطبقة والانتخابات في مصر"، ويقول إن السؤال الأهم في مصر ليس التزام "الإخوان" بالديمقراطية، فهم يخوضون الانتخابات منذ 1942، ولديهم، أيضاً، قواعد جماهيرية، سوف تصوت لهم في أي انتخابات حرة. لكن، السؤال الأهم إيمان خصومهم بالديموقراطية والانتخابات الحرة؟

ختاماً، قدّم طارق مسعود تفسيراً مختلفاً لقدرات "الإخوان" السياسية. ينظر إليهم بأنهم جماعة تحركّت، بذكاء، لمواجهة آلة نظام مبارك، حيث ركزت على الطبقة الوسطى، واستفادت من شبكة المؤسسات الدينية، لكنها ليست جماعة غير قابلة للهزيمة، فالرأي العام المصري يساري التوجه، مهموم بالاقتصاد وتوزيع الثروة. لكن، للأسف، أحلام التحول الديمقراطي والانتخابات الحرة وصعود قوى سياسية جديدة باتت، حالياً، مؤجلة إلى حينٍ غير معلوم.