تفرّعات شارع في مدريد

06 اغسطس 2018
الصورة
(من أمام محطة أتوتشا في مدريد، تصوير: كارلوس كاديناس)
+ الخط -

لا يفصل بين مدريد وطليطلة سوى نصف ساعة بالقطار. المسافة القريبة بين المدينتين، وتفاوت الحجم الديمغرافي، والثقل الاقتصادي والثقافي، يجعل من الثانية اليوم أشبه بضاحية للأولى. لكن قارئ التاريخ يعرف أن الأمر لم يكن كذلك منذ قرون.

في القرن الحادي عشر الميلادي، لم تكن مدريد سوى موقعٍ متقدّم استعمله ملك قشتالة، ألفونسو السادس، لمهاجمة طليطلة، إحدى عواصم الأندلس وقتها. مدينةٌ ازدهر فيها المعمار والفن والعلوم والأدب، غير أن كل شيء بدا وقد تلعثم مع الحروب الداخلية بين الممالك العربية الصغيرة. وكان بنو ذي النون، حكّام طليطلة، من أضعف اللاعبين على رقعة الأحجار الأندلسية.

من هنا، كانت طليطلة في قلب الجزيرة الإيبيرية أرضيةً لبناء مشروع الريكونكسيتا (الاسترداد) لدى الملوك الإسبان الذين كانوا يتنازعون شرف إعادة الأرض من المسلمين. وحين آلت المدينة إلى ألفونسو السادس، جعل ذلك من مملكته قشتالة حجر الزاوية في بناء إسبانيا موحّدة لن تظهر إلا بعد قرون.

وإذا كان القول بأن غرناطة آخر مدينة عربية سقطت في نهاية القرن الخامس عشر بات جزءاً من الثقافة التاريخية البسيطة في العالم العربي، فإنه في المقابل لا يأتي ذكر على المدن التي سقطت أوّلاً، ومنها طليطلة، ما سيجعل سقوط البقية تحصيل حاصل.

قطار طليطلة - مدريد يضع المسافرين في محطة أتوتشا في قلب العاصمة الإسبانية، وهي محطّة كبرى يمكن انطلاقاً منها الذهاب إلى أية وجهة في البلاد، ولكنها أيضاً تحفة معمارية تجمع بين عناصر كلاسيكية وأخرى حداثية في تناسق دقيق بين الأداء المنفعي والجمال البصري.

تفتح "أتوتشا" مباشرة على الشارع الرئيسي في مدريد؛ "باسيو دي لا كاستيانا". شارع يختزل الكثير من العاصمة الإسبانية وأسرارها. ولعل القادم من طليطلة سيتساءل: كيف تحوّلت هذه المدينة في ظرف قرون معدودة إلى عاصمة؟ شارع لا كاستيانا يمكن أن يقدّم وحده عناصر الإجابة.

إذا أردنا أن نكون شكلانيين؛ سنجد في "باسيو دي لا كاستيانا" مقّار أساسية في أجهزة الدولة: وزارة الداخلية ووزارة الدفاع على سبيل المثال. وكذلك المقر الاجتماعي لشركة السيارات "سيات"، فخر الصناعة الإسبانية.

في الشارع نفسه، نقف أمام أشهر متاحف إسبانيا؛ "موسيو ديل برادو"، وفيه كنوز ممّا ادّخره الملوك الإسبان من لوحات ومقتنيات. وغير بعيد عنه، في الجادة المقابلة، نجد "متحف الملكة صوفيا"، والذي يتوجّه أكثر صوب الفن المعاصر، بحيث أن زائر المتحفَين يمكن أن يقف على صورة عامّة ومكثّفة للفن وتاريخه من دون أن يحتاج إلى أكثر من تذكرَتين. يبقى عليه أن يوفّر الوقت الضروري لاستكمال زيارة هذا المتحف أو ذاك.

تتعدّد الساحات في الشارع؛ ومن أشهرها "ساحة كولون" التي تُخلّد المستكشف كولومبو (يُسمّيه الإسبان كريستوبال كولون)، بما في ذلك من امتنان له على اكتشافه الذي أفضى إلى "العصر الذهبي" الإسباني في القرن السادس عشر، وربما أكثر؛ إنه تذكير بـ"مركزية" دامت قروناً، في أوروبا وفي مناطق أخرى بعيدة من العالم.

ساحة أخرى شهيرة في مدريد، لعلّها الأشهر على الإطلاق، "بلاثا دي ثيبليس". ورغم كونها شاهدةً على محطّات تاريخية، ومفرقيةً في حركة الحياة في إسبانيا، فإنها تشتهر في العالم أساساً لأنها مكان احتفالات فريق المدينة "ريال مدريد" ببطولاته، علماً أن شارع "لا كاستيانا" يضمّ أيضاً ملعب الريال؛ "سانتياغو برنابيو"، والذي يُمثّل هو الآخر أحد معالم المدينة، ليس فقط على المستوى الرياضي، بل المعماري والسياحي أيضاً.

أن تتجمّع هذه العناصر في شارع واحد، بمرجعيات متباعدة، يضيء وجه مدريد وتعدّد جوانبه. لكن خصوصية مدريد أن "عبقرية المكان" (العبارة للجغرافي المصري جمال حمدان) ليست فقط معطى تساهم فيه عوامل عديدة، إنه أيضاً أمر عمليٌّ، يمكن اكتسابه. وذلك ما فعلته مدريد على مدى قرون.

المساهمون