تفريق الذاكرة الجماعية

24 يونيو 2016
الصورة
(الحدود الهندية الباكستانية)
+ الخط -

بالنسبة إلي، لم تكن كلمة "تقسيم" تتصادى إلا مع "سايكس بيكو" أو ما عُرف بـ مشروع تقسيم فلسطين، وأثناء الدراسة الجامعية (2012) كانت مقالات لباحثين غربيين "تتحدث" عن "تقسيم سورية".

لكن وفي إحدى مساقات "دراسات الحرب"، كان التقسيم موضع النقاش، هو التاريخ الدامي بين الهند وباكستان، وما شهده من عنف لم يوثّق له، ولم يتح النظام السياسي في الدولتين تأريخه فعلاً، وفقاً للمفكّر الهندي أشيس ناندي، المتخصص في علم النفس السياسي والاجتماعي.

يطرح ناندي، في "تحدي التحدي: تحرير الضحايا من التاريخ"، سؤالاً جوهرياً حول الكيفية التي تصبح بها جماعات عاشت متجاورة في المكان نفسه جيلاً بعد جيل، فجأة، أعداء. إنه سؤال حول التقنيات التي تؤسّس بها "الدولة الأمة" أو "الدولة القومية"، والتي عنت في تلك اللحظة وسيلة الدخول في الحداثة، وكان لا بد أن يرافقها عنف جماعي هائل؛ ذلك أن إعادة موضعة الواقع أو حتى إعادة تأسيسه تستلزم هذا النوع من العنف القادر على تصوّر خريطة "مثالية" فيها الهند للهندوس وباكستان للمسلمين (رغم أن أقلية من المسلمين ظلّوا في الهند بلادهم).

ورغم أن الهند قدّمت نفسها علمانية، إلا أن غلبة الهندوس غلّبت أيضاً سياسات جديدة ومتفاقمة، ترمي إلى تقديم الدولة الهندية كدولة قومية، وتجعل الأقلية المسلمة تظهر "أقل وطنية"، مؤسسة بذلك طبقية في الوطنية والانتماء، من ذلك استعمال المثال المبسط والفاقع للتدليل على ذلك، في ما تشهده مباريات رياضية بين باكستان والهند من تشجيع الهنود المسلمين لفريق باكستان المسلم.

لكن ما اتفقت عليه الدولتان، الهند وباكستان، كان مأسسة لعملية فقدان ذاكرة جماعي، فبالمقارنة بين حجم العنف الذي مورس في 1947، وحجم التوثيق له، نجد القليل من المراجع والأرقام؛ من جهة كان لابد من اعتبار أن ما حدث من تروما الموت والتدمير والخسائر واقتلاع جماعات من جذورها وخطف النساء واغتصابهن، ثمناً ضرورياً من أجل العبور إلى الاستقلال و"الدولة الأمة".

من الجهة الأخرى، ساعد ذلك في بناء أساطير تؤسس الانفصال على أسس دستورية وسياسية وتفاوضية رُسمت فيها خرائط وبناء عليها انتقل الناس من وطن إلى وطن، وهكذا كُتب التاريخ.

الأهم من ذلك، الخطوة التالية، التي أعادت موضعة هذه التروما من الذاكرة الجماعية إلى منطقة البؤس الفردي، وقامت بتبديد هذه الحكايات لتصبح مجموعة من المآسي الخاصة، يعيش الناس فيها حدادهم وحزنهم كما لو كان حوادث فردية، ذلك أن دفة الذاكرة الجمعية كانت قد أديرت بسياسات صارمة نحو أهمية تأسيس الأمة، واللحظة المجيدة التي ستصبح فيها قومية واحدة هي الممثلة الوحيدة للهند الجديد، سيقف جواهر لال نهرو بخطابه الشهير ليقول إن الهند قطع وعداً مع القدر، وإن بلاده مع انقضاء الليل ستستيقظ على الحرية.

في الجهة المقابلة، سيحاول مؤسّس باكستان، محمد علي جناح، بناء هوية إسلامية تميز البلاد عن علمانية الهند، ورغم كل هذه الهندسة الإسلامية التي قام بها جناح، سيرسل إلى نظيره نهرو رسالة يقول فيها: "أرجوكم لا تستولوا على بيتي، فأنا أنوي التقاعد في بومبي".

لحظة التقسيم لم تكن سياسية فقط، بل كانت سقوطاً مروعاً لمنظومة القيم الاجتماعية، لم يكن هناك من بريء ولا ضحايا أنقياء، كانت العائلة التي تعيش الحداد على ضحاياها، سبباً في ضحايا عائلة أخرى، وهذا يعيدنا إلى سؤال ناندي الجوهري، والذي لم يعتبر أن الإجابة عليه موجودة في التاريخ الاستعماري البريطاني: كيف تصبح عدواً قاتلاً لجارك الذي عشت بجانبه جيلاً بعد جيل؟ كيف يحدث ذلك؟