تفاهمات معبر إبراهيم الخليل: تراجع كردي بغطاء أميركي

03 نوفمبر 2017
الصورة
خلال مناورات تركية عراقية قرب معبر إبراهيم الخليل(فاتح أكتاش/الأناضول)
أعادت أربيل الأزمة مع بغداد إلى مربع التصعيد، بتراجعها عن الاتفاق العسكري الذي جرى التوصل إليه، يوم الإثنين الماضي، لنشر القوات العراقية في مناطق متنازع عليها، في ما بدا أن هذا التراجع جاء بعد تبدّل في الموقف الأميركي من الأزمة لصالح سلطات كردستان، مع دفع واشنطن باتجاه إدارة مشتركة لمعبر إبراهيم الخليل الحدودي في مدينة فيشخابور بين العراق وتركيا وسورية. وبعد ساعات قليلة من إعلان بغداد انهيار الاتفاق العسكري، حركت وزارة الدفاع العراقية في بغداد ست وحدات عسكرية إضافية على أطراف بلدتي مخمور وزمار ومناطق أخرى حدودية مع كردستان، مقابل تحشيد مماثل للبشمركة، بشكل ينذر بعودة الصدام المسلح بين الطرفين بعد توقفه قبل خمسة أيام.

واتهمت بغداد في ساعة متأخرة من ليل الأربعاء عبر بيان رسمي، إقليم كردستان بالتراجع عن الاتفاق المبرم بين الطرفين لانتشار القوات العراقية في المناطق المتنازع عليها والحدودية، متهمة الإقليم باللعب من أجل عرقلة انتشار القوات الاتحادية، ومحذرة في الوقت نفسه من أن أي عملية اعتراض من قبل الجماعات المسلحة المرتبطة بأربيل للقوات الاتحادية "ستؤدي لمطاردتهم بقوة القانون الاتحادي ولن يكون لهم مأمن وسنلاحقهم". وجاء بيان السلطات العراقية بنبرة تهديد عالية واستخدام مصطلحات جديدة، من أبرزها "الجماعات المسلحة المرتبطة بأربيل"، في إشارة إلى قوات البشمركة.

وقدّمت أربيل أمس الخميس مقترحاً جديداً لم يلق أي تفاعل من بغداد، يقضي بحسب بيان أصدرته حكومة الإقليم، بإدارة مشتركة للمعبر الحدودي بين العراق وتركيا (إبراهيم الخليل) من خلال فريق مشترك من أربيل وبغداد بمشاركة مراقبين دوليين من التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن، معتبرة أن المقترح "بادرة حسن نية". إلا أن رئيس لجنة الأمن والدفاع البرلمانية، حاكم الزاملي، قال لـ"العربي الجديد"، إن "الحكومة العراقية لا تحتاج لمراقبين دوليين في بسط سلطتها الدستورية على مناطق البلاد، ولا يمكن القبول بذلك"، مضيفاً: "لا يجب استمرار معارضة الإقليم لسلطات الحكومة الاتحادية، وهو سيتحمل أي اعتراض مسلح لطريق القوات العراقية".

وبدا أن مقترح أربيل جاء بدفع أميركي لمصالح خاصة، إذ أكدت مصادر عراقية في بغداد حصول تبدّل كبير في الموقف الأميركي من الأزمة خلال الساعات الماضية، عبر تأييد واشنطن نشر قوات مشتركة في الحدود مع سورية وتركيا في منطقة فيشخابور، فضلاً عن إدارة مشتركة لمعبر إبراهيم الخليل. وبحسب المعلومات الأولية للموقف الأميركي المؤيد لمشاركة كردية في إدارة المعبر، فإنه نابع على الأرجح من رغبة بعدم تسليم المعبر الحدودي إلى إيران في حال كان تحت سيطرة الحكومة العراقية المركزية و"الحشد الشعبي". والمعبر شديد الحساسية بما أنه نقطة تلاقٍ ثلاثية بين الحدود السورية والتركية والعراقية، بالتالي يشكل حلقة مركزية في ما يُسمى مشروع طريق طهران ــ بغداد ــ دمشق ــ بيروت، وهو ما يتزامن مع وصول التوتر الأميركي ــ الإيراني إلى ذروته. وبحسب هذه الفرضية، فإنّ المشاركة الكردية في إدارة المعبر، ستُحسب في الحصة الأميركية فعلياً، وهو ما استدركته واشنطن أخيراً وإن بشكل متأخر بعد إبرام ما سميت "اتفاقيات نينوى" بين القيادة العسكرية العراقية وقيادة البشمركة، الأسبوع الماضي.

وربط عضو بارز في البرلمان العراقي، مقرب من رئيس الوزراء، حيدر العبادي، التبدّل الأميركي بوجود "ضغوط صهيونية" على واشنطن في هذا الموضوع، أي في ملف منطقة فيشخابور. وأوضح في حديث مع "العربي الجديد" أن "الأميركيين غيّروا من موقفهم الداعم لبسط بغداد سلطتها على الحدود والمعابر الدولية والمنافذ البرية والجوية، وباتوا الآن مع إدارة مشتركة، حتى أن مسؤولاً أميركياً تحدث عن إشراف من بغداد وليس إدارة"، مشيراً إلى أن باريس بدأت تتبنى الطرح الأميركي أيضاً، مشدداً على أنه "لا يمكن لبغداد حالياً التراجع ما دامت لا تخالف الدستور العراقي بذلك". وحول سبب ذلك، قال إن "هناك خشية من أن تكون منافذ الإقليم البرية والجوية تحت سيطرة بغداد، إذ يمتلك الإقليم علاقات مع أطراف معروفة لا تعترف بغداد بها، كما أن فيشخابور يمثل منطقة اقتصادية تدر الملايين من الدولارات أسبوعياً لأربيل"، مرجحاً منح أربيل مهلة غير معلنة عبر وسطاء قبل التحرك العسكري نحو فيشخابور، أو اعتذارها والعودة إلى ما تم الاتفاق عليه يوم الإثنين الماضي.


من جهته، أوضح نائب رئيس لجنة الأمن والدفاع، إسكندر وتوت، أن الولايات المتحدة تضغط الآن لإدارة مشتركة لمنطقة فيشخابور وبتواجد من قبلها في المنطقة كمراقبين، مضيفاً "نعتقد أن الموقف الأميركي الجديد هو بسبب ضغط صهيوني عليها حيال الأزمة"، مطالباً في بيان له الولايات المتحدة برفع يدها عن الموضوع.

إلا أن كفاح محمود، المستشار الخاص لرئيس إقليم كردستان السابق، مسعود البارزاني، علّل "التبدّل الكبير في الموقف الأميركي والأوروبي من الأزمة، باكتشافهم الصورة بعيداً عن التضليل" على حد قوله. وقال محمود، في اتصال هاتفي مع "العربي الجديد"، إن هناك مواقف دولية كثيرة من الأزمة ستتغير في اليومين المقبلين، مضيفاً في تصريح لـ"العربي الجديد" أن "هناك اكتشافاً للحقيقة، وأن دولاً أوروبية وغربية مختلفة، ليس فقط الولايات المتحدة، ستعيد النظر بموقفها". ورأى أن "هناك تغييراً في الرأي الدولي، وظهور رأي جديد حول أزمة افتُعلت على شعب مارس حقه بشكل سلمي وتم التعامل معه بشكل مجحف ومنافٍ للدستور والقانون العراقي"، قائلاً إن "حكومة بغداد متهمة بالتخابر عسكرياً مع دول معروفة ضد فئة من الشعب العراقي"، مضيفاً: "بغداد تعاونت مع دولة أجنبية ضد الأكراد، وهذا خرق للدستور وخيانة".

بالتزامن مع ذلك، عادت التحركات العسكرية إلى الأرض. وقال مسؤول عسكري عراقي في بغداد لـ"العربي الجديد"، إن تحريك القوات العسكرية من كركوك والبعاج والموصل إلى مناطق التماس مع البشمركة، "يأتي بسبب الانقلاب الكردي على الاتفاق"، موضحاً أن الوحدات التي وصلت إلى مناطق التماس هي من قوات النخبة في الفرقة 16 وجهاز مكافحة الإرهاب ولواء التدخل السريع الأول، يرافقها سرب من مروحيات قتالية مختلفة، تحشدت عند مناطق زمار ومخمور وعلى الطريق الرابط بين منطقة المحمودية ومنطقة فيشخابور (110 كيلومترات شمال غرب الموصل حيث الحدود العراقية التركية والعراقية السورية والتي تسيطر عليها البشمركة منذ سنوات).

في المقابل، فإن حشوداً عسكرية كبيرة من البشمركة وصلت إلى المنطقة المقابلة في زمار فايدة وشيخان وسكاري وفيشخابور. وأكد شهود عيان ومصادر محلية في فيشخابور وتحديداً منطقة آشور الغربي وقرية نبع دجلة، أن البشمركة باشرت بحفر خنادق كبيرة في محيط تواجدها ونصبت أسلحة ثقيلة في المنطقة، مما ولّد حالة ذعر لدى سكان المنطقة، دفعتهم إلى التوجه بسياراتهم إلى دهوك المجاورة خوفاً من اندلاع معارك بين القوات الاتحادية العراقية والبشمركة الكردية.

وحول ذلك، قال أمين عام وزارة البشمركة، الفريق جبار الياور، لـ"العربي الجديد"، إن "البشمركة لا تسعى لأي صدام مسلح مع الحشود الحالية لبغداد"، مشيراً إلى أن "البشمركة جهة عسكرية لا سياسية، وتأمل كما الجيش العراقي بأن تُحل الأزمة سياسياً ولا نعود للمعارك والاشتباكات، فكل من يسقط من الطرفين خسارة للاثنين".

أما عضو لجنة الأمن والدفاع في البرلمان ماجد الغراوي، فأوضح لـ"العربي الجديد" أن ما جرى ليل الأربعاء كان تراجع أربيل عما تم التوصل إليه، مضيفاً: "خرجنا بنتائج طيبة وتم الاتفاق، لكن بعد عودة الوفد الكردي إلى أربيل تراجعوا وانقلبوا على ما تم التوصل إليه في المفاوضات، وبالتالي ليس أمام الحكومة سوى تطبيق القانون والدستور والسيطرة على الحدود والمعابر الدولية وحتى المطارات". ورداً على سؤال حول احتمال وقوع اشتباكات في الساعات المقبلة، قال: "نسأل الله ألا تقع معارك، ونعوّل على عقلاء الأكراد في الأزمة، لكن إذا تعرضت أرتال الجيش المتحركة لأي إطلاق نار من البشمركة سيتم الرد وبحزم عليها". من جهته، توقّع عضو البرلمان عبد الرحمن اللويزي، أن تصدر بغداد أوامر للجيش باستئناف تحركه نحو فيشخابور خلال الساعات المقبلة، بحسب تصريح لوسائل إعلام عراقية.