تفاهمات غزة ومصر - دحلان: هل تمهد لصفقة القرن؟

23 يوليو 2017
الصورة
تخشى حماس من تردي الأوضاع الإنسانية في غزة(علي جادالله/الأناضول)
+ الخط -
بلا سابق إنذار، ومن دون مقدمات تُدلل على حدوث تحولات ممكنة أو متوقعة؛ شهدت العلاقة بين القاهرة وحركة حماس تقاربا حذراً، كان معلمه الأبرز توجه وفد من حركة حماس إلى القاهرة بقيادة مسؤولها الجديد في قطاع غزة، يحيى السنوار، ومدير الأجهزة الأمنية توفيق أبو نعيم وروحي مشتهى القيادي في كتائب القسام والأسير المحرر، وكان ملفتا أن أعضاء الوفد هم من القيادات الأمنية والعسكرية والأسرى المحررين في حركة حماس، الأمر الذي أضفى بعدا أمنيا على الزيارة أكثر منه بعدا سياسيا، وبات الوصف الأقرب للزيارة أقل من تحالف وأكبر من تفاهم. خاصة أن القاهرة طلبت هذه الأسماء تحديدا، وربما بناء على توصية من النائب المفصول من حركة "فتح" محمد دحلان المقيم والمدعوم من إمارة أبوظبي، الأمر الذي تؤشر دلالاته أن ما شهدته القاهرة لم يكن تقاربا فقط بين غزة والقاهرة، بل قد يتمخض الأمر عن تفاهمات إقليمية، وربما ولادة مشروع سياسي شامل يتجاوز مصر وغزة ودحلان.

لم تقتصر إحداثيات التقارب بين حماس والقاهرة على القفزة التي أفضت إلى زيارة الوفد إلى القاهرة، ولكنها امتدت لتحتوي لقاءات وتفاهمات بين وفد حركة حماس ومقربين من دحلان، وبالتالي لم يكن عنصر المفاجأة مقتصرا على القاهرة - غزة فقط، لكنه امتد ليصل إلى دحلان- حماس أيضاً، والمفارقة أن التقارب يحدث وسط بيئة إقليمية تشهد تحولات غير مسبوقة تمثلت أولاً في القمة الخليجية الأميركية ووصفت الرئيس دونالد ترامب لحركة حماس بالإرهابية، لكنه وصف على ما يبدو لم يمنع مصر والإمارات ودحلان من التفاهم مع حماس والتقرب منها، وثانيا في حالة اصطفاف خليجي غير مسبوق وغير مفهوم يستهدف حصار دولة قطر، ويعيد إلى الأذهان الحرب العراقية- الكويتية مطلع تسعينيات القرن الماضي، لكن هذه المرة مكوناته مصر والسعودية والإمارات والبحرين ضد دولة قطر.

لم تُفهم رواية المتربصين بدولة قطر، ولا أهداف الحصار المفروض عليها، وإن كان واحدا من البنود المسكوت عنها هو الدعم القطري لقطاع غزة عموما ولحركة حماس على وجه التحديد، هذا هو الفهم الأقرب والأوضح، فترويض حماس لا يمكن أن يتم من دون قطع أذرعها، وأهم الأذرع الداعمة لغزة وأهلها هي قطر، هكذا بدا المشهد: تُحاصَر قطر حتى تستنزف وتُجمّد دعمها لغزة حتى يسهل ترويض غزة والمرور إليها.

تدرك الأطراف المتربصة بقطر أن غزة ومقاومتها هما رأس الحربة القادر على تعطيل أي مشروع إقليمي، وأية صفقة لن تمر دونهما، وهو ما أعلنته حركة حماس على لسان قادتها، وقالت إن "صفقة القرن" لن تمر، وبالتالي لم يكن ممكنا تمرير الصفقة دون تأمين جبهة غزة والمقاومة، وهذا يقتضي قطع واحد من أهم مقومات الإمداد والصمود لغزة، وهو دولة قطر التي كان الأمير الوالد الرئيس الوحيد في العالم الذي زار غزة والتقى بأهلها، وتعهد بحل كافة مشكلاتها من بنية تحتية وكهرباء وإعمار ورواتب، فكانت اللجنة القطرية لإعمار غزة المؤسسة العربية الوحيدة، ولم يعد مدهشا أن تجد الأعلام القطرية هي الأعلام العربية الوحيدة التي تُزين شوارع غزة وبيوتها. ولا سيما أن "صفقة القرن" تستهدف تمرير إسرائيل للمنطقة العربية عبر البوابة الخليجية بتطبيع كامل شامل، وهذا غير ممكن من دون ترويض غزة.

إن ما نستهدف الإجابة عنه والإحاطة به والوصول إليه يمكن إيجازه في التساؤلات التالية: ما هي دوافع التقارب بين القاهرة وغزة؟ ولماذا دخل دحلان على خط الوساطة؟ هل التفاهمات بين مصر وغزة استراتيجية ممتدة أم مجرد تكتيك قد يتلاشى في أي وقت؟ وما هي ملامح التفاهمات، وأهم ما تم تناوله وبحثه والتعرض إليه؟ وهل التفاهمات بين غزة ومصر ودحلان جزء من مقتضيات تمرير صفقة القرن؟ ولماذا يحظى هذا التقارب برضا الدول التي تحاصر قطر، فهل الهدف إبعاد حماس عن قطر؟ ما هي تداعيات التفاهم بين مصر وغزة ودحلان على مجمل المشهد السياسي الفلسطيني والإقليمي؟ ما هي السيناريوهات المتوقعة والممكنة لمستقبل التفاهمات وعلاقتها بصفقة القرن؟

دوافع التقارب بين غزة والقاهرة ودحلان
بعدما مرت عشر سنوات على حصار قطاع غزة، وفي ظل تصاعد الإجراءات العقابية التي فرضتها سلطة الرئيس الفلسطيني محمود عباس على قطاع غزة، لم تجد حركة حماس بداً من الاستدارة إلى القاهرة والانفتاح عليها، كأحد الخيارات المتاحة، لكن الاستدارة إلى القاهرة لم تكن ممكنة ومتاحة من دون المرور عبر التصالح مع محمد دحلان الذي بات يقود ما يسمى التيار الإصلاحي في حركة "فتح" كنكاية في الرئيس عباس، وقد تمدد الصراع بينهما، ولم يعد يقتصر على "فتح" فقط، بل بات كلاهما يزاحم الآخر جغرافيا على النفوذ في قطاع غزة، وسياسيا عبر استمالة حماس، واقتصاديا عبر تقديم التسهيلات، وتشير التقديرات بأن حظوظ دحلان فيما سلف هي الأوفر حظا، ولا سيما بعد أن قطع الرئيس محمود عباس شعرة معاوية بينه وبين حركة حماس.

تريد حماس النهوض بقطاع غزة وتوفير الاحتياجات الضرورية لسكانه، وتخشى من تزايد الوجوم وتمدد التمرد أو اتساع مساحات التردي الاجتماعي والاقتصادي والفقر الحاصلة في القطاع، خاصة أن الأمر وصل إلى الكهرباء والمياه والحركة والعلاج والرواتب، ودحلان يُلوح بأنه قادر على توفير ذلك، ودلل على هذا من خلال عقيلته التي نفذت مجموعة مشاريع إنسانية وإغاثية في قطاع غزة، للحد الذي أقلق الرئاسة الفلسطينية فمنعت سفرها ومرورها عبر رام الله، فباتت معوناتها تمر عبر معبر رفح وبالتنسيق مع الجانب المصري، الأمر الذي فهمته حماس بأنه بإمكان دحلان أن يكون مدخلا للتقارب مع مصر وينجح في فتح المعبر، وهو الأمر الذي برهن عليه دحلان عندما كان المعبر المصري يفتح بناء على طلب دحلان فقط، ولمن يدعوهم من غزة للمشاركة في لقاءات ومؤتمرات عين السخنة.

تفاهمات تستهدف ترويض غزة وشراء ولائها
ظاهر التفاهمات هو البعد الإنساني وتخفيف حاجة الناس في قطاع غزة، ولكن لباطنها حسابات سياسية أخرى، فدحلان يريد إقصاء الرئيس محمود عباس وسحب السجادة من تحت قدميه، وقطع كل الخطوط التي قد تفضي لمصالحة بين الرئيس وحركة حماس، ويريد أيضا العودة للمشهد السياسي الفلسطيني عبر بوابة قطاع غزة التي يتزايد حضوره فيها وثقله بعدما أقنعها بأنه القادر على تمرير المعونات والمساعدات وأنه ذراع أبوظبي، وأقنع الأخيرة بأنه قادر على ترويض غزة وتمرير صفقة القرن مستعينا في ذلك بمصر. والتقت على ما يبدو كل الغايات فكانت التفاهمات. ولا سيما أن دحلان قادم بدعم إماراتي غير محدود من أجل اجتراح مصالحة مجتمعية يعوض بمقتضاها كل الذين قتل أبناؤهم أو اعتقلوا أو أصيبوا "دفع تعويضات" في سنوات الانقسام الماضية أو خلال الاقتتال الذي شهدته غزة صيف عام 2007 وهو ما تريد حماس الانتهاء منه وإقفاله أيضاً. وشكلت من أجله لجنة مشتركة بين حماس ودحلان وانتهت من 90 % من العائلات تقريبا. لم يتوقف الدعم الإماراتي لغزة على ملف تعويض العائلات فقط، ولكن حولت إعانات نقدية إماراتية وبحرينية أيضا مؤخرا للعمال وللعاطلين والخريجين. حتى لم يعد للغزيين من حديث سوى دحلان والرهان عليه.

مصر هي الأخرى استدارت إلى حماس وقطاع غزة، لأنها أولاً تدرك المردود المالي لحجم التجارة إذا ما فتح مع قطاع غزة والذي يصل إلى 7 مليارات دولار في السنة، وهذا مورد عملة صعبة لمصر، لا يمكن تجاهله، خصوصاً مع الأزمة الاقتصادية التي تمر بها القاهرة، وقد بدأ بتوريد مليون لتر سولار مصري لغزة أسبوعيا لمحطة الكهرباء فقط وبالعملة الصعبة، ثانياً أن مصر تبحث عن دور إقليمي بعدما سحبت منها السعودية والإمارات هذا الدور وباتت تدور في فلكهما أينما دارا، وحماس بإمكانها أن تعطي لمصر خيط العودة للعب دور إقليمي إذا ما قبلت حماس بأن تكون مصر وسيطا في أية صفقة تبادل للأسرى قد تحدث بين حماس وإسرائيل. وثالثا، وهو الأهم أن مصر لا تريد الإبقاء على استئثار الدوحة بغزة، هذا جزء أصيل من العداء المصري لقطر ولتركيا أيضا. مصر تريد الانفتاح على غزة وحماس من أجل قطع الطريق على قطر وتركيا، أمنيا أيضا مصر تدرك بأنه لا يمكن تحييد الحدود وقطع الطريق على "داعش" من دون أن تكون حماس طرفا في ذلك.

أبوظبي - الرياض وتمرير صفقة القرن
أبوظبي هي الأخرى من مصلحتها عودة دحلان للمشهد الفلسطيني والتحكم في تلابيبه، وتدرك الإمارات أن تمرير التحالف "السني المعتدل" – الإسرائيلي لمواجهة إيران لا يمكن أن يتم من دون غزة عموما وحركة حماس على وجه التحديد، فجزء من مشاريع أبوظبي إجهاض أي حضور للإخوان المسلمين العائق الأهم في وجه التقارب الإماراتي الإسرائيلي أمنيا واستخباريا، والجزء الآخر مواجهة إيران ومحاصرة أذرعها في غزة وحماس أولا، والجهاد الإسلامي تاليا.
وللسعودية حساباتها، وأهمها تمرير انتقال الحكم من الملك سلمان إلى ابنه، دون أي اعتراض أميركي، بل ودعم ذلك إذا اقتضى الأمر، وتعلم السعودية أن ثمن ذلك هو تنفيذ المبادرة السعودية التي أعلنت في قمة بيروت عام 2002 أولاً، ثم الانتقال للجزء الأهم وهو التطبيع مع إسرائيل، ولأن الرياض اتخذت من البعد الديني مدخلا للشرعية السياسية لتنفيذ سياستها الخارجية ولتبرير سلوكها عربياً وإقليمياً، فإنه لا يمكن تمرير مبادرتها القاضية بقبول إسرائيل والتطبيع معها دون ترويض حماس ودون ترويض غزة.

تدرك السعودية أنه لا يمكن الذهاب لإسرائيل والتطبيع معها دون ضمان إسكات غزة مهما اقتضى الأمر، لكن السعودية لا تريد الاقتراب من حماس وغزة للحد الذي قد يُغضب واشنطن، وبالتالي قدمت مصر والبحرين والإمارات لتنفيذ ذلك وتمريره، تمهيدا لتمرير التطبيع مع إسرائيل، كأحد ضمانات تمرير انتقال الحكم من الملك سلمان إلى ابنه ولي العهد حالياً، محمد بن سلمان، من دون أية مشكلات، وبالحصول على ضوء أخضر أميركي، وهذا يقتضي ثمنا سياسيا أقله التطبيع مع إسرائيل.

ترويض حماس وتطويعها
إن التفات كل من مصر ودحلان والإمارات والبحرين والسعودية إلى حماس وقطاع غزة، ليس تحولا أو التفاتة ذات أبعاد إنسانية أو وطنية وقومية، بقدر ما هو استدارة من أجل ترويض القطاع ومقاومته من أجل تمرير صفقة القرن التي تقتضي القبول بإسرائيل والتطبيع معها والتحالف معها بذريعة مواجهة البعبع الإيراني. بل ويمتد الأمر إلى تنفيذ مشاريع اقتصادية سعودية إسرائيلية مشتركة أيضا، وهذا يقتضي تنفيذ المرور لغزة وترويض حماس وقطع الطريق أمام قطر في غزة. الجميع يريدون قطع علاقات قطر بحماس، ليمرروا هم علاقاتهم بحماس وهذه واحدة من المفارقات، أن يطلب من قطر قطع علاقتها بحماس ووقف دعمها لغزة لتقيم هذه الدول علاقات جديدة وبديلة مع حماس وتدعم قطاع غزة. ولكن المحددات والاستهدافات مختلفة تماما ففي حين تستهدف قطر البعد الإنساني تستهدف هذه الدول من علاقاتها بغزة تمرير صفقة القرن. من خلال ترويض حماس وتطويعها، فواحدة من مقتضيات صفقة القرن طي صفحة المقاومة المسلحة لإسرائيل، وتحويل حماس لحزب سياسي محض يشارك في الحكم ويدير السلطة وربما الرئاسة مستقبلا، مقابل توفير الدعم اللازم وإخراجها من لائحة الاتهام الأميركي - السعودي بالإرهاب.



المساهمون