تعويل إسرائيلي-مصري-إماراتي على دحلان: غزة بلا عباس ولا حماس

29 يونيو 2017
الصورة
تغيير الوضع السياسي بغزة مطلب إسرائيلي (محمد عبد/فرانس برس)
+ الخط -

تتفق غالبية المحللين وبعض رجال السياسة في إسرائيل، على أن الخط الرئيسي أو الموقف الاستراتيجي لرئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، ومحور اليمين الاستيطاني الذي يضم إضافة لليكود، حزب البيت اليهودي الديني الصهيوني، يقوم على ما يسمّى بإدارة الصراع، حالياً، في المظهر العلني للسياسة الإسرائيلية تجاه ملفات التسوية مع الفلسطينيين. وبحسب هؤلاء، فإن نتنياهو وائتلافه يشهران في وجه خصومه حجة الإبقاء على الوضع القائم لحين توفر شريك فلسطيني حقيقي للمفاوضات، باعتبار أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس والسلطة ليسوا شركاء لتسوية دائمة، ولو بفعل كونهم لا يملكون القدرة على تمرير الاتفاق لدى الشعب الفلسطيني نتيجة للانقسام بين غزة والضفة الغربية.

وبموازاة هذا الموقف المعلن، تواصل حكومة الاحتلال زرع مزيد من الحقائق "الاستيطانية" على الأرض، وتوفير أرضيات ومسوغات لهذه الممارسات على الأرض بحجة أن الاستيطان والمستوطنات ليست سبب عدم التوصل إلى حل، وأن وضع التسوية مع الفلسطينيين وإقامة الدولة الفلسطينية في مقدمة مشاريع المفاوضات المتعددة الأطراف هي بمثابة وضع العربة أمام الحصان. وعرضت بدلاً من ذلك المشروع الذي يروّج له نتنياهو في الأعوام الأخيرة، بدعم مصري واضح ومعلن وبتأييد إماراتي وسعودي تحت مسمى "المبادرة الإقليمية والحل الإقليمي"، الذي تفهمه إسرائيل بأنه تبنٍ لموقفها بإمكانية التوصل بداية لنوع من السلام وشكل من التطبيع مع مجمل الدول العربية.

وهو ما ينطوي على تشويه كامل للمبادرة العربية، لكن عبر تصوير هذا التشويه بأنه تبنٍّ لبعض النقاط الإيجابية في المبادرة، وفق إعلان كل من نتنياهو ووزير أمنه أفيغدور ليبرمان، في مايو/ أيار من العام الماضي، بأنها "فرصة إقليمية للسلام تمنح إسرائيل في نهاية المطاف اعترافاً عربياً شاملاً وتطبيعاً واسع النطاق".

وفي هذا السياق، يمكن التطرق للقراءة الإسرائيلية، التي وضعها محرر الشؤون العربية في "هآرتس"، تسفي برئيل، ونشرها أخيراً، للتحرك الإماراتي ـ المصري في الشأن الفلسطيني مع التركيز على قطاع غزة، باعتبارها النقطة التي يمكن منها أخيراً، ليّ ذراع عباس وتنصيب القيادي المطرود من حركة "فتح"، محمد دحلان زعيماً شرعياً في القطاع، عبر تفاهمات مع حماس، وتحت رعاية مصرية ـ إماراتية، تفضي في نهاية المطاف إلى تكريس واقع فلسطيني جديد وضع له برئيل عنوان: "بلا عباس وبلا حماس".

وذكر برئيل أنه "في الوقت الذي تحصي فيه حكومة إسرائيل ساعات الكهرباء التي تحصل عليها غزة، يتبلور ويطبخ على ما يبدو اتفاق متشعب البنود، بين الإمارات ومصر وغزة والقدس، هدفه وضع محمد دحلان على رأس حكومة موحدة في قطاع غزة، ورفع غالبية مظاهر الحصار عن القطاع المفروض من قبل كل من مصر وإسرائيل، وبناء محطة لتوليد الكهرباء في رفح المصرية بتمويل إماراتي، يتبعها لاحقاً بناء ميناء".



وبحسب برئيل، فإنه "إذا نجحت هذه التجربة السياسية، سيُدفع محمود عباس جانباً إلى زاوية مظلمة وينشط دحلان لأخذ مكانه سواء عبر انتخابات عامة، أو من خلال الاعتراف بزعامته فعلياً (دي فاكتو)". ولفت إلى أن "مصر بدأت بتزويد محطة توليد الكهرباء في غزة بالوقود بأسعار لا تشمل الضرائب التي كانت تفرضها السلطة الفلسطينية. كما أن الإمارات رصدت مبلغ 150 مليون دولار لإقامة محطة توليد الكهرباء، فيما يفترض أن تبدأ مصر قريباً بفتح معبر رفح أمام حركة البضائع والسكان".

مع ذلك استدرك برئيل قائلاً إنه "لا يزال مبكراً التكهّن بما إذا كانت هذه الخطة ستنجح بأكملها، وما إذا كانت حماس ستوافق على تنصيب دحلان رئيساً للحكومة في غزة. وهي خطوة قد تنتهي في حال تنفيذها بقطع العلاقات وبالفصل الكامل والنهائي بين غزة والضفة الغربية، لكن تنفيذ الخطة بأكملها سيحقق حلماً إسرائيلياً ومصرياً".

تحمل الخطة، من وجهة النظر المصرية، بحسب برئيل، "وعداً بوقف التعاون بين حركة حماس ومنظمات الإرهاب الناشطة في سيناء، وهي تمنح مصر سلماً للنزول عبره من الحصار الذي تفرضه على القطاع، وإمكانية لفتح سوق غزة أمام البضائع المصرية. أما بالنسبة لحكومة نتنياهو، فإن الميزة أو الأفضلية الأهم الكامنة في الخطة هي في تعيين دحلان، المقرب من وزير الأمن أفيغدور ليبرمان، رئيساً لدولة غزة. فإذا تم هذا التعيين فعلاً، فإنه سيضمن تكريس الانفصال بين قطاع غزة والضفة الغربية بشكل يصعِّب جداً إدارة مفاوضات سياسية بشأن مستقبل المناطق، ولكن أيضاً مع فارق عن الوضع القائم، يتمثل بأنه سيكون لإسرائيل في مثل هذه الحالة شريك شرعي في القطاع، وسيمنح رفع الحصار الإسرائيلي عن القطاع الذي لن يكون ذا فائدة فعلية مع فتح معبر رفح مكسباً سياسياً إضافياً قد يزيل عن كاهلها ولو جزئياً الضغط الدولي، وبالأساس الأميركي الذي يطالبها بالتقدم في المفاوضات".


ورأى برئيل، مع إعلانه ضرورة الحذر الشديد في إبداء التكهنات وإصدار الأحكام، بأنه "يمكن فعلاً القول إنه إذا تحققت هذه الخطة وتم تطبيقها، فإنها ستحقق مكاسب لكل الأطراف باستثناء عباس، وباستثناء التطلعات الفلسطينية بإقامة دولة. صحيح أن الخطة تبقي بأيدي حماس السيطرة على قضايا الأمن، وأنه لن يتم أيضاً نزع سلاح الحركة، لكن سيكون لإسرائيل شريك في غزة، يؤيد أصلاً المصالحة مع إسرائيل، وسيتم تحييد دور كل من قطر وتركيا في القطاع، وبدلاً منهما ستشكل مصر ودولة الإمارات، صديقة إسرائيل الجديدة، حزاماً أمنياً لكل خرق لبنود الاتفاق".

واعتبر أنه "على كل من يؤيد السلام الاقتصادي كمحور لتجاوز الحل السياسي، كما هو حال وموقف كل من نتنياهو وليبرمان والوزير يسرائيل كاتس، أن يتلقف هذه الخطة بكلتا يديه، لكننا لم نسمع لغاية الآن أي تغريدة من قِبل إسرائيل". ووصل برئيل إلى حدّ القول إن "الحكومة الإسرائيلية التي تعلمت من أزمة كهرباء غزة، ليس بمقدورها التهرب من مسؤوليتها عن القطاع، ولا تزال أسيرة العقيدة الفاشلة التي تقول إن كل ما هو جيد لحماس هو سيئ لإسرائيل، وكل من يساعد سكان غزة يقوي حركة حماس. وهي، أي الحكومة الإسرائيلية، تفضل الاستعداد للمواجهة العسكرية المناوبة في الصيف على أن تضطر إلى إطلاق مبادرة أو أن تظهر كمن يسمح لحماس بالسيطرة والحكم، على الرغم من أن حكم حماس في القطاع حظي منذ مدة باعتراف إسرائيلي بأنه ميزة جيدة".

وختم برئيل بأنه "وفقاً للخطة، فإن إسرائيل غير مطالبة بالاعتراف بالحكم الجديد الذي سيقوم في غزة، ولن تحتاج إلى التنكر بمظهر أو على هيئة من يبدو قلقاً على مكانة عباس بعد عقد من الزمان الذي تفرض فيه الحصار على غزة. ربما هناك فرصة الآن لتغيير المفاهيم ومحاولة اعتماد استراتيجية جديدة يكون فيها سكان القطاع أنفسهم الأمر المهم وليس مكانة قيادة حماس أو كرامة إسرائيل".


المساهمون