تعويضات هجوم السفارة الأميركية بتونس: الأرض مقابل إغلاق الملف

07 يناير 2016
الصورة
أميركا تطالب بتعويض مالي أو بقطعة أرض (فرانس برس)
+ الخط -
لا تزال تونس تدفع فاتورة الاعتداءات على السفارة والمدرسة الأميركيتين، والتي وقعت في 14 سبتمبر/أيلول عام 2012.

وستكلف التعويضات تونس، هذه المرة قيمة مالية باهظة، وعينية كذلك، وهو ما أثار سخط شريحة واسعة من التونسيين، حيث بلغت القيمة التي تطالب بها الولايات المتحدة قرابة 18 مليون دولار، أو أرضا مقابل صرف النظر عن التعويض المادي.

وسينظر البرلمان في الأسابيع المقبلة في مشروعي قانونين متعلقين بالتعويض، عن أحداث العنف من جهة، ومنح المدرسة الأميركية امتيازات ضريبية من جهة أخرى.

ويتصاعد الجدل في الساحة السياسية والشعبية على حد سواء، حول مبلغ التعويضات ومعقوليتها، وتواترت ردود الأفعال، منذ الإعلان عن بلوغ مشروعي القانونين إلى مجلس نواب الشعب، وجاءت في أغلبها مستنكرة لشكل هذه التسوية.

ورغم أن تونس والولايات المتحدة الأميركية، انتهجتا سبيل التقاضي، لإثبات المسؤوليات منذ عام 2012، إلا أن تسوية بالتراضي بين الطرفين، تم التوقيع عليها من طرف وزير الخارجية المعفى من مهامه خلال التعديل الوزاري الأخير الطيب البكوش، والسفير الأميركي السابق في تونس جاكوب والاس، في 15 مايو/أيار عام 2015، قبيل أسابيع من زيارة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي للبيت الأبيض.

وتتعلق التسوية بالتعويض عن "إخلال الدولة التونسية بواجباتها المنصوص عليها باتفاقية (فيينا) لسنة 1961، المتعلقة بإلزامية حماية الدولة المضيفة لمقرات وعناصر الوفود الدبلوماسية الموجودين على أرضها".

اقرأ أيضاً: رئيس الحكومة التونسية ينتقد أداء الإعلام الرسمي

يذكر أن أحداث السفارة الأميركية التي وقعت في الرابع عشر من سبتمبر/أيلول 2012، تمثلت في احتجاج عدد من المنتمين إلى "التيار السلفي المتطرف" ومنتمين إلى "أنصار الشريعة" المحظور، على عرض فيلم أميركي، اعتبروه مسيئاً للرسول، وقيامهم بأحداث عنف وشغب، حال بلوغهم مقر السفارة، أدت حينها لتخريب جزء منها، وحرق بعض من ممتلكاتها، وحرق المدرسة الأميركية المحاذية لها، من دون "أن تمنع قوات الأمن ذلك أو تحول دون وصول المحتجين إلى مقصدهم، وقد حملت المعارضة آنذاك المسؤولية السياسية في ما وقع لعلي العريض أمين عام حركة النهضة ووزير الداخلية".

ووفق التسوية المذكورة بين الطرفين، فإن الولايات المتحدة الأميركية تطالب تونس بمبلغ 12.882 مليون دولار أميركي تعويضاً عن أضرار السفارة، وقرابة 5.495 ملايين دولار تعويضا عما لحق بالمدرسة التابعة لها من تخريب.

وسبق أن قالت السفارة الأميركية في مذكرة شفوية وجهتها للخارجية التونسية في 19 مايو/أيار 2013، إن المبالغ المطلوبة، هي الكلفة التي قدرتها لحجم الخسائر.

ولم تستجب حركة النهضة التي كانت آنذاك تترأس الحكومة لطلب السفارة، وبعد ذلك، تعهد خلفها رئيس الحكومة السابق المهدي جمعة، في زيارته لواشنطن عام 2014، بـ "التعويض والانطلاق في تقدير الأضرار، ولم تتم المصادقة عليها وتوقيعها إلا في عهد وزير الخارجية السابق الطيب البكوش، رغم إلحاح الجانب الأميركي على طرح المسألة في جميع اللقاءات التي جمعته بالحكومة التونسية، والتلميح إلى أن الهجوم الذي استهدف بعثتها الدبلوماسية، ورفض التعويض، سيؤديان لانتكاسة في التعاون الاقتصادي بين البلدين.

اقرأ أيضاً: تغييرات حكومية جديدة في تونس

ونظرا للوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به البلاد، فإن السفارة الأميركية، قدمت مقترحاً يقضي بالتخلي عن الغرامة المالية في التعويض، والبالغ إجمالاً ما يناهز 18 مليون دولار، لقاء تفويت تونس لقطعة الأرض المقامة عليها المدرسة الأميركية، والمقدرة بنحو 22848 متراً مربعاً.

وقدرت وزارة أملاك الدولة (وزارة الشؤون العقارية)، قيمة الأرض التي تطالب بها أميركا، بـ12.337.929 بالدينار التونسي أي ما يعادل نصف قيمة التعويض المالي (قرابة 9 ملايين دولار).

ويترافق مشروع قانون التعويض، مع مشروع ثان متعلق بامتيازات ضريبية للمدرسة، علاوة عن تحديد واجبات وحقوق الدولة التونسية تجاهها وتجاه العاملين فيها، والمنتسبين إليها من جنسيات أجنبية ومحلية.

إلى ذلك، أحدث المشروعان هزة في البرلمان، فوفق الإجراءات، يتم تحديد تاريخ عرض المشاريع المحالة إليه على أنظار النواب في اللجان في إطار هيكل يسمى مكتب المجلس (يضم رئيس البرلمان ومعاونيه)، والذي يحدد اللجنة المختصة بمناقشته، وخلافاً لذلك، فإن المشروع أثار ردود فعل متباينة على مستوى المكتب، وهو ما أدى لتأجيل النظر فيه، ولم تتم إحالته على اللجنة المختصة.

واعتبر القيادي في نداء تونس، خالد شوكات، المعين حديثاً وزيراً مكلفاً بالعلاقة مع البرلمان، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن "المشروع لا يمثل انتهاكاً لسيادة الدولة، وإنما يأتي في سياق تعويض للسفارة عما طاولها من تخريب تقع المسؤولية في وقوعه على الدولة التونسية".

وأضاف شوكات، أن عدم قدرة البلاد على سداد المبلغ وفي إطار البحث عن تسوية عبر التراضي، اقترح حل التعويض بقطعة الأرض التي يطالب بها الجانب الأميركي لبناء المدرسة.

في المقابل، رفضت المعارضة التونسية المشروع، واعتبرت أنه مساس بسيادة الدولة، ومنح أرض تونسية لأجنبي.

اقرأ أيضاً: محسن مرزوق يحدد تاريخ الانفصال رسمياً عن نداء تونس

وفي السياق ذاته، أوضح القيادي في الجبهة الشعبية ومعاون رئيس البرلمان نزار عمامي، في تصريح لـ "العربي الجديد"، أن "المشروعان جاءا في إطار اتفاق بين الحكومة التونسية ونظيرتها الأميركية، تعويضاً عن أحداث نجمت عن تساهل حكومة النهضة الأولى (حكومة حمادي الجبالي) مع الحركات والمجموعات المتطرفة والإرهابية وهي التي تتحمل المسؤولية في ذلك".

ووفق مصادر لـ"العربي الجديد" في البرلمان، فإن نواب مجموعتي حركة النهضة ونداء تونس، في سعي حثيث لسحب هذين المشروعين وإعادة تمريرهما في صيغة اتفاقية ثنائية، تبرمها الحكومة وتشرع في تطبيقها، ويكتفي البرلمان بالمصادقة عليها، وذلك لتجنب ما وصفته المصادر ذاتها، بـ"إحراج حركة النهضة، شريكة النداء في الحكم أمام الرأي العام، وإثارة مسألة مسؤوليتها السياسية في حادثة الهجوم على السفارة الأميركية، وتكبد الدولة مبالغ مالية كتعويض عن ذلك في ظرف اقتصادي حرج".

ورداً على ذلك، تعمل المعارضة على حشد الرأي العام من أجل الإبقاء على المشروعين بصيغتهما الحالية، وعرضهما أمام نواب البرلمان في جلسات عامة تنقل على المباشر، وفق ما أكده القيادي في الجبهة الشعبية نزار عمامي في حديثه إلى "العربي الجديد".

اقرأ أيضاً: تونس تواجه عجز الموازنة برسوم المخالفات والضرائب 

المساهمون