تعلّموا دينكم بالترهيب!

26 فبراير 2015
الصورة
الدين هو القناعة والحبُ في آن (Getty)

قبل اتفاقيات أوسلو كان المنهاج الفلسطيني الرئيس في قطاع غزة هو المنهج المصري، ومِن ضمن المواد التي كانت تدرس مادة التربية الدينية، لكن تخطي هذه المادة كان يتطلب النجاح فيها فقط، حيث إنها لا تدخل ضمن المعدل. يعلم من درس في هذه الفترة جيداً أن مادة التربية الدينية كانت تشكل عائقاً أمام الطلاب في ذاك الوقت، حيث إن عدم النجاح فيها كان يجعل الطالب يعيد السنة كلها، رغم أن المتطلب هو النجاح فيها فقط.

بعد تسلم السلطة الفلسطينية مهام التعليم في فلسطين عام 1994، تشكلت وزارة التربية والتعليم العالي، وأقرت الوزارة إنشاء مناهج فلسطينية خاصة وموحدة في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني عام 1998، وتم البدء باستخدام هذه المناهج بدءاً من السنة الدراسية 2000/2001، ومن ضمنها مادة التربية الدينية. ومن اللافت هنا أن وزارة التربية والتعليم العالي أقرت مادة التربية الدينية كمادة تدخل في المعدل مثلها مثل كل المواد، وعدا عن ذلك لُمست حينها صعوبة في مادة التربية الدينية، التي كانت تشكل أرقاً للطلاب مِن خلال إرهاقهم بالحفظ الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، إضافةً إلى شؤون فقهية، والبطولات والمعارك الإسلامية، ويعيبها أنها لم تتحدث عن الحضارة الإسلامية بشكل لافت. كان يتم التعامل مع المادة كمادة لفرض الدين، وليسَ لترغيب الطلاب في الدين. والإشكالية لا تكمن في المادة فقط، بل بإجبار الطلبة على تعلم الدين في المدرسة، وطريقة تعامل مدرسين ضعيفي الخبرة مع الطلاب.

أذكر عندما كنت طالباً في المدرسة، كان مدرس مادة التربية الدينية طويل الذقن يحلق شاربه، يلبس "جلابيةَ" بيضاء متسخة قصيرة، كان فظاً ويضرب باستمرار، وكان لا يقبل أي نقاش في الدين، ولا أسئلة الطالب العفوية عن الكون وغيرها، كان يضرب أي طالب يسأل في هذا الاتجاه، مضيفاً بأن سؤالك حرام، كان يتفوه بكلمة حرام طول الحصة التدريسية. أذكر أنه أحضر جريدةً إلى المدرسة مرةً ليثبت لنا أن كفر مسلسل كرتوني، وهو مسلسل يدعو إلى الإلحاد وغير ذلك، وتابع بتحريم كل المسلسلات الكرتونية، ولا أعلم لماذا كان يفعل ذلك. كل هذه الأمور تركت أثراً نفسياً عند طلاب المدرسة، لأن تحريم كل شيء جعل الطلاب هم أنفسهم يحرمون ويكفرون الطلاب، ما خلق مشاكل بين الطلاب أنفسهم، ولا يمكن أن يتجاهل أي أستاذ تربية دينية الإساءة إلى الأديان الأخرى. صدقاً تشرّبنا في ذاك الوقت كره أصحاب الأديان الأخرى. التعليم الديني في المدارس لم يقتصر فقط على ذلك، بل أذكر أنه في إحدى الحصص الدينية أحضر الأستاذ شريطاً ادّعى أنه تسجيل صوتي لشخص يُعذب داخل القبر، يومها أغلق الستائر ليظلم الصف ويبدو قبراً، وشغل الصوت بشكلٍ مرتفع جداً، وحينها بدأ الطلاب بالصراخ والبكاء، وتابع بعدها ذلك بقصص عن الأفعى التي تعذب داخل القبر. يمكنك أن تتخيل أن هذا يحدث في فصل دراسي! ومدى أثره على طلاب في المرحلة الابتدائية أو الإعدادية.

أما على صعيد طلاب الجامعة، فالأمر أكثر سوءًا، لأن أغلب جامعات القطاع تجبر الطلبة على حفظ حوالى ثلثي القرآن عبر متطلبات الجامعة، عدا عن المتطلبات التي يتم في نصوصها تكفير أدباء وشعراء، وتحريم الفن، وكذلك نبذ كل الأفكار الأخرى وتحريمها كالعلمانية والشيوعية وغيرها.

تجدر الإشارة إلى أن حديثنا هنا ليس عن مشكلة في الدين، بل إننا نتحدث عن المشاكل التي يعاني منها الطالب الفلسطيني مِن سوء طرق تدريس التعليم الديني في فلسطين، ويجب ألا يتم فرض الدين مِن خلال المنهاج التربوي، بل مِن خلال جعل الطلاب يفخرون بحضارتهم الإسلامية الغنية، والتي نمت بالعلم واهتمامها بالعلماء، فقد برع المسلمون في الطب والرياضيات والعلوم وغيرها. إن الدين الإسلامي هو دين الأخلاق بحديث سيدنا محمد "إنما أتيت لأتمم مكارم الأخلاق"، فالدين لا يدعو إلى نشر الفتن، وتكفير وتحريم كل شيء، الدين أتى ليتمم أخلاقنا، الدين هو صلة بين الإنسان وربه، هو القناعة والحبُ في آن، هو عمل الخير، الدين يهذب النفوس لا يشوهها، الدين ليسَ الخوف، بل هو القناعة بأننا نرضي الله كلما فعلنا خيراً.


(فلسطين)