تعليم شمال سورية... عام دراسي جديد مهدّد

21 سبتمبر 2019
الصورة
عودة إلى المدرسة وسط الدمار (إبراهيم يسوف/ فرانس برس)
+ الخط -

ينطلق العام الدراسي الجديد بالشمال السوري، اليوم السبت، في 21 سبتمبر/ أيلول. وثمّة صفوف قد تُفتَح قريباً في خيام، إذ إنّ إنشاء مدارس جديدة لاستيعاب جميع التلاميذ، من أبناء المنطقة والنازحين، أمر متعذّر حالياً.

تمثّل العودة إلى المدرسة بالنسبة إلى معظم العائلات السوريّة في عدد كبير من مناطق شمال سورية الخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة في إدلب وريف حلب، تحدياً كبيراً من جرّاء تدهور الأوضاع الأمنية وكذلك الأوضاع المعيشية. أبو محمد الأطرش، من سكان إدلب، وهو والد لخمسة أطفال، يقول لـ"العربي الجديد"، إنّ "العام الدراسي الجديد همّ يُضاف إلى همومنا اليومية الأخرى التي نعيشها، فهو يحمّلنا أعباء مالية، في حين أنّنا بالكاد نستطيع تأمين طعامنا اليومي. وفي ظل الوضع الحالي، تميل الكفة لمصلحة رغيف خبز بدلاً من قلم على سبيل المثال". يضيف الأطرش: "صحيح أنّ التلميذ هنا ليس في حاجة إلى زيّ مدرسي، غير أنّه في حاجة إلى ملابس. بالتالي يتطلّب الأمر تخصيص مبلغ يراوح ما بين 10 آلاف ليرة سوريّة و15 ألفاً (نحو 20 - 30 دولاراً أميركياً)، على أقلّ تقدير، بحسب سنّ كلّ طفل من أجل الكسوة. أمّا القرطاسية، فالأمر مرهون بما قد توزّعه الجمعيات والمنظمات الإنسانية على التلاميذ، فهي تمثّل عبئاً ثقيلاً علينا، ونجد أنفسنا في معظم الأحيان عاجزين عن تأمينها لأبنائنا".

الأبناء كما آباؤهم يشكون من الأوضاع. فيخبر مأمون إبراهيم، وهو تلميذ في الصف السابع في ريف إدلب، "العربي الجديد"، بأنّه لم يحظَ بملابس جديدة قبل بداية العام الدراسي الجديد، "لأنّ والدي لم يتمكّن من شرائها، غير أنّه وعدني بأن يبتاع لي حذاءً قريباً". يضيف في سياق متصل: "أعلم أنّ وضع والدي المادي ليس جيداً، لكنّي أتمنى استكمال تعليمي حتى أصير مدرساً وأساعده في تأمين احتياجات العائلة". ويلفت الصبيّ إلى أنه يخشى تأخّر فتح المدارس أو إلغائها هذا العام من جرّاء القصف والأوضاع الأمنية. بدوره، يتذمّر أبو عبد الله الشيخ أحمد، وهو من سكان ريف إدلب، من تكاليف ملابس أبنائه، شارحاً لـ"العربي الجديد"، أنّها "تفوق قدرة عائلات كثيرة، وعائلتي واحدة منها". ويتحدّث عن "همّ آخر هو همّ ذهاب الأولاد إلى المدرسة بحدّ ذاته. فالمدارس تُستهدَف بشكل مباشر مثلها مثل المستشفيات، وقد استشهد على أثر ذلك عدد من الأطفال. وأدعو الله ألا يذيقني نار فقد أطفالي، فأنا سبق وفقدت عدداً من الأهل والأصدقاء". ويشير الشيخ أحمد إلى أنّهم اعتادوا "عدم ثبات دوام المدرسة من جرّاء عمليات القصف، وهو قد ينقطع في أكثر من مرة". بالإضافة إلى ذلك، لم يتمكّن بعد من "تأمين الكتب والقرطاسية إلى اليوم، وثمّة منظمات تؤكد لنا أنّ الدعم لم يصل بعد أو أنّه أقلّ ممّا كان في العام الماضي".



الهموم تطاول كذلك المدرّسين مع بداية العام الدراسي الجديد. يقول المدرّس مصطفى رجب، من ريف ادلب، لـ"العربي الجديد"، إنّ "أوّل تلك الهموم هو تأمين الرواتب، نظراً إلى عدم وجود جهة محددة تدعم العملية التعليمية، فيما الاعتماد هو على المنظمات عبر دعمها مديرية التربية والتعليم في إدلب". يضيف رجب أنّ "الراتب، إن وُجد، ينقطع طوال عطلة فصل الصيف الممتدة نحو أربعة أشهر"، شارحاً أنّ "راتب المدرّس بخس لا يتجاوز 120 دولاراً أميركياً في الشهر، على الرغم من الوضع الاقتصادي السيئ جداً. ويترافق ذلك مع وضع أمني لا يقلّ سوءاً، فالمدرّسون في المؤسسات التربوية أهداف مباشرة لقصف الطيران الحربي". ويؤكد رجب: "حالياً، لا يوجد أيّ اهتمام بالتعليم ولا بوضع المدرّس بشكل رئيسي، فلا منظمات داعمة بصورة كبيرة وفعلية للعملية التعليمية". ويلفت رجب إلى أنّ "المدرّس يضطر إلى العمل في وظيفة ثانية أو وظيفتَين إلى جانب التعليم، حتى يستطيع تأمين الحدّ الأدنى من احتياجات عائلته، الأمر الذي يزيد من الضغوط النفسية، خصوصاً أنّه دوماً مهدّد بتوقّف الدعم عنه، بالإضافة إلى عدم وجود ضمان اجتماعي يؤمّن راتباً تقاعدياً للمدرّسين. ونرى مدرّسين كثيرين تجاوزوا الستّين من عمرهم وما زالوا يعملون".




من جهته، يقول الموجّه التربوي عبد الرحمن سعيد، من ريف إدلب، لـ"العربي الجديد"، إنّ "التعليم في إدلب خصوصاً، وفي بعض مناطق ريف حلب، يخضع لضغوط كبيرة من جرّاء تزايد الاحتياجات وقلّة الإمكانات. كذلك تغصّ مدارس كثيرة اليوم بالنازحين الذين تهجّروا من ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي في خلال الأشهر الأربعة الأخيرة، وهؤلاء في حاجة إلى أماكن إقامة بديلة حتى يخلوا المدارس، لا سيّما أنّنا على أبواب فصل الشتاء". ويشير في سياق متصل، إلى أنّ "عدد الأطفال ارتفع في المنطقة، إذ إنّ التلاميذ النازحين يُضافون اليوم إلى التلاميذ من أبناء المنطقة، ومن المرجّح أن يتسبب ذلك في ازدحام في الشعب الصفيّة". يضيف سعيد: "أبلغنا المجمّع التربوي بالوضع في المدارس وما هي توقّعاتنا للعام الدراسي الجديد وما هو الواقع اليوم، فنحن في ظلّ الإمكانات المتوفرة لم نستطع بعد استيعاب أعداد التلاميذ الوافدة إلى المنطقة"، مشدداً على أنّهم "في حاجة إلى تهيئة كوادر تعليمية تستطيع تغطية الحاجة، خصوصاً في بعض المناطق حيث تضاعف عدد التلاميذ". ويؤكد سعيد أنّه "حتى يوم أمس، كانت ثمّة مخاوف من أن يتسبّب استمرار عملية النزوح وعدم وجود منظمات إنسانية تعمل على تأمين بدائل سكن للنازحين، في تأجيل موعد انطلاق العام الدراسي الجديد. ومديرية التربية والتعليم في إدلب كانت قد حدّدته اليوم، السبت 21 سبتمبر/ أيلول الجاري، بعدما كان مقرراً يوم السبت في السابع من سبتمبر". ويلفت إلى أنّ "العملية التعليمية في حاجة إلى دعم مالي دائم يتناسب مع الاحتياجات المطلوبة وكذلك الكادر التعليمي اللازم، فالمنظمات لا تقوم غالباً بعملية دعم متكاملة. وفي مثال على ذلك، تؤهّل منظمة مبنى مدرسة، وهذا عمل جميل. لكن كيف نشغّل تلك المدرسة في حال لم يتوفّر دعم حقيقي؟ ما يحصل اليوم أنّ الدعم غالباً هو من قبل أشخاص، بالتالي يكون العمل بالحدود الدنيا".



من جهته، يصرّح مصدر في مديرية تربية إدلب، لـ"العربي الجديد"، بأنّه "في ظلّ ضعف الإمكانات وتراجع الدعم المقدّم للعملية التعلمية، نواجه تحديات كبيرة، خصوصاً بعد العمليات العسكرية التي ينفّذها النظام السوري والقوات الروسية منذ أربعة أشهر على ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي، والتي تتسبّب في تدمير عشرات المدارس وتهجير عشرات آلاف التلاميذ وعائلاتهم. بالتالي ثمّة حاجة إلى توفير بنى تحتية ومدارس قادرة على استيعاب التلاميذ النازحين". يضيف المصدر نفسه أنّه "على الرغم من انطلاق العام الدراسي الجديد، اليوم، فإنّنا نعمل حالياً على استيعاب التلاميذ والمدرّسين المهجّرين. ويكون ذلك من خلال توزيعهم بحسب وجودهم الجغرافي في المناطق، فيُصار إلى إلحاقهم بمدارس تلك المناطق". ويؤكد أنّ "المديرية تبذل كل ما لديها من جهود للتواصل مع الجهات المانحة على أمل فتح مدارس جديدة، خصوصاً في مخيّمات النزوح، بالإضافة إلى تأمين الكوادر التعليمية وتوفير تعويضات تؤمّن لهم الحدّ الأدنى من الكفاف".




ويذكر المصدر نفسه أنّه "لم يتمّ حصر عدد التلاميذ المهجّرين حالياً، إذ إنّ النازحين عموماً يتوزّعون في مناطق واسعة. وفي إدلب وحدها، سُجّل وجود أكثر من 415 ألف تلميذ نازح في العام الماضي". ويوضح المصدر نفسه أنّ "لدى مديرية التربية تحدياً آخر وهو تأمين احتياجات العملية التعليمية ولوازمها، وهذه مشكلة متجدّدة بسبب تراجع الدعم للمديرية، إنْ لجهة تأمين الكتاب المدرسي أو لجهة التكاليف التشغيلية". ويلفت كذلك إلى "تحدّ كبير آخر يهدّد مستقبل التلاميذ وهو احتمال انقطاع العملية التعليمية لفترات طويلة، مثلما حدث في العام الدراسي الماضي. فقد توقّفت العملية في مدارس ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي، بشكل شبه كلي، من جرّاء القصف والعمليات العسكرية، الأمر الذي تسبّب في تأخّر استكمال المنهاج وأدّى بالتالي إلى تقصير لدى التلاميذ جعلهم يخسرون عامهم الدراسي".