تعليم المغرب... احتجاجات وإضرابات لا تستثني أحداً

24 مايو 2019
الصورة
من مواجهة الأساتذة المتعاقدين مع الشرطة (فرانس برس)

لم يسبق أن تراكمت الاحتجاجات والإضرابات والتظاهرات والاحتقانات في موسم دراسي واحد في المغرب، كما يحدث خلال العام الدراسي الجاري، إذ يشترك فيها أساتذة مدارس وطلاب جامعات وموظفون تربويون

حالة غير مسبوقة من الاحتقان تسود قطاع التعليم في المغرب منذ بداية العام الجاري حتى يومنا هذا، بدءاً من التوتر الشديد بين الأساتذة المتعاقدين ووزارة التربية الوطنية، مروراً باحتجاجات طلاب كلية الطب والصيدلة، وتظاهرات أساتذة ما اصطلح عليه باسم "الزنزانة 9"، وانتهاء بمطالب موظفي الوزارة من حاملي الشهادات العليا، فضلاً عن الجدال الساخن حول لغات التدريس. هكذا، طغت الإضرابات والاعتصامات على بقية القضايا في البلاد، ووصل الأمر إلى حدّ المواجهة ما بين السلطات الأمنية والأساتذة المحتجين، حتى أنّ تلك المناوشات طغت على المشهد الاجتماعي والسياسي أيضاً إذ امتدت مناقشة بعض القضايا إلى البرلمان.




متعاقدون
انطلقت احتجاجات الأساتذة المتعاقدين في المدارس، منذ بداية العام الجاري بتنظيم وقفات احتجاجية كانت في البداية "محتشمة" للمطالبة بثلاثة مطالب رئيسة؛ الأول إسقاط نظام التعاقد، والثاني الإدماج في الوظيفة العمومية، والثالث حماية المدرسة العمومية (الرسمية) والدفاع عنها. ما لبثت هذه الوقفات الاحتجاجية أن تحولت إلى إضرابات في شهر فبراير/ شباط الماضي، خصوصاً بعد إعلان الحكومة عدم التخلي عن نظام التعاقد، وهو ما دفع الأساتذة المتعاقدين الذين يبلغ عددهم الإجمالي أكثر من 70 ألفاً في جميع مناطق البلاد، إلى رفع درجة التحدي والدخول في إضرابات واعتصامات متعددة. عرف ملف أساتذة التعاقد منعطفاً مؤثراً في مارس/ آذار الماضي عندما تدخلت القوات الأمنية لفض اعتصام أمام مقر البرلمان في العاصمة، فنتج عن ذلك العديد من الإصابات في صفوف الطرفين، وفي المقابل دفع أساتذة التعاقد إلى الإصرار على استكمال الإضراب عن العمل.

دفاعاً عن المدرسة العمومية (جلال مرشدي/ الأناضول) 












وبعد طول أخذ ورد بين الحكومة ممثلة بوزارة التعليم وتنسيقية أساتذة التعاقد ومن يؤازرها من نقابات تعليمية، وبعد اجتماعات بين الأطراف المعنية، تخللتها اعتصامات وتدخلات أمنية، قرر أساتذة التعاقد العودة إلى المدارس في 29 إبريل/ نيسان الماضي، وإنهاء إضرابهم الطويل، بعد اتفاق مع الحكومة. يقول في هذا الصدد أحمد محفوظي، عضو تنسيقية أساتذة التعاقد، لـ"العربي الجديد" إنّ "الاحتقان الذي عرفه ملف الأساتذة المحتجين تتحمل مسؤوليته وزارة التربية الوطنية بشكل كبير، لأنّها تلاعبت بمصائر الأساتذة، وحاولت مناورتهم من خلال إعلان التخلي عن نظام التعاقد من دون تطبيق ذلك فعلاً، كما ماطلت في الاستجابة لمطالب مشروعة لا تكلف سوى إرادة حكومية صادقة". يتابع أنّ الاتفاق الجاري بين الأساتذة المتعاقدين والحكومة ساري المفعول لكنّه يظلّ هشاً معرضاً للاهتزازات، خصوصاً إذا لم تفِ الحكومة بوعودها، وأنّ جلسات الحوار المرتقبة ستكون حاسمة في طيّ الملف من عدمه، مبدياً أمله في أن يجري حلّ الملف نهائياً لما فيه من مصلحة للأساتذة والتلاميذ وأسرهم والمدرسة ككلّ.

متفرقات
في غمرة احتجاجات أساتذة التعاقد التي طالت عدة أسابيع، ظهرت أزمة جديدة في قطاع التعليم تتعلق باحتجاجات متواصلة لطلاب كليات الطب والصيدلة، إلى حد أنّها باتت تهدد بسنة بيضاء في كليات الطب في البلاد، بسبب إصرار الطلاب على ترك مقاعد التحصيل إلى أن تلبّى مطالبهم. وأضرب الطلاب عن متابعة الدروس بسبب رفضهم القاطع للقرارات التي تهدف إلى خصخصة قطاع التعليم العالي والتكوين (التدريب والتأهيل) الطبي العمومي، والعشوائية التي واكبت عرض مشروع كليات الطب الخاصة والشراكات المبرمة مع الجامعات العمومية التي تؤشر إلى استغلال القطاع العمومي من طرف أصحاب النفوذ، كما يطالبون بتسريع الخروج بنص قانوني واضح بخصوص نظام الدراسات الطبية الجديد.




من جهتهم، ينظم، بين الفينة والأخرى، نساء ورجال التعليم ممن هم في السلم التاسع (درجة إدارية)، والمعروفون إعلامياً بأساتذة "الزنزانة 9"، بسبب طول المدة التي أمضوها في هذا السلم الإداري، وقفات احتجاجية بالعاصمة الرباط، مطالبين بحذف السلم التاسع من الوظيفة العمومية وترقية من هم فيه إلى السلم العاشر من دون قيد أو شرط، كما يطالبون بتوحيد المسار المهني بالنسبة لجميع العاملين في قطاع التربية والتعليم. كذلك، ما زال موظفو وزارة التربية الوطنية يخوضون وقفات احتجاجية مطالبين بالترقية، وتغيير الإطار الوظيفي لموظفي وزارة التربية الوطنية حاملي الشهادات من دون قيد أو شرط، داعين وزارة التعليم إلى إيجاد حل للأفواج الحالية منذ سنة 2016، وتضمين حق الترقي على أساس الشهادات في النظام الأساسي المقبل.

أما جدال لغات التدريس فقد انطلق مجدداً هذا العام من دون أن ينتهي إلى اليوم بسبب الخلافات التي وصلت إلى المشهد السياسي، ما بين أحزاب تطالب بتعريب تدريس العلوم، وأخرى ترى الفرنسية أو الإنكليزية الأجدر بتدريس لغات العلوم، كونها - كما يقولون - لغة المستقبل. انقسم السجال الساخن حول موضوع تدريس العلوم بين فريقين، الأول يقوده وزير التربية الوطنية والتكوين المهني، سعيد أمزازي، ويرى أنّ تدريس المواد العلمية باللغات الأجنبية (الفرنسية والإنكليزية) له مسوغاته الموضوعية والتربوية، باعتبارها "لغات أساسية للبحث العلمي والتكنولوجي، وتتيح عدداً أوفر من المراجع"، والفريق الثاني المناصر للغة الضاد يرى أنّ "الحرص على تلقين المواد باللغة الوطنية لا يتعارض مع تدريس اللغات الأجنبية كلغات، وأنّ اللغة الفرنسية ليست في مقدمة هذه اللغات الأجنبية".

عوامل الاحتقان
يعزو الخبير التربوي محمد الصدوقي، في حديث إلى "العربي الجديد" حالة الاحتقان غير المسبوق في قطاع التعليم بالمغرب إلى ثلاثة عوامل رئيسة، الأول إقدام الحكومة على سنّ سياسات تقشفية مالية في القطاع العام والتقليص من المخصصات المالية في الوظيفة العمومية بما في ذلك قطاع التعليم، التزاماً منها بتعليمات صندوق النقد الدولي للتحكم في كتلة الأجور والإنفاق العمومي. يعلق: "تناضل تنسيقية الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد من أجل الإدماج في سلك الوظيفة العمومية عوض العمل بالعقد، وتطالب تنسيقية أساتذة الزنزانة 9 الذين بالترقية إلى السلم 10 بأثر رجعي، وتطالب تنسيقية حاملي الشهادات العليا في وزارة التربية بالترقية على أساس الشهادة والحق في تغيير الإطار الوظيفي، بينما تطالب تنسيقية الأساتذة المتدربين بإعادة الراسبين من بينهم؛ وترفض تنسيقية طلاب الطب والصيدلة خصخصة قطاع الصحة. ودعماً للمطالب، تطالب النقابات الأكثر تمثيلاً بحلّ الملفات المطلبية لمختلف الفئات التعليمية وتحقيق ما تبقى من اتفاق 26 إبريل/ نيسان 2011 (أكبر اتفاق سابق بين النقابات والحكومة بخصوص قطاع التعليم) والتراجع عن التوظيف بالتعاقد، واحترام الحريات النقابية وغيرها من المطالب المهنية والاجتماعية".

من احتجاجات الأساتذة المتعاقدين (فرانس برس) 












العامل الثاني، وفق الصدوقي، له علاقة بالارتفاع الصاروخي لكلفة العيش ومختلف الخدمات الاجتماعية وضرورات الحياة المعاصرة وتجميد الأجور لسنوات ما جعل الاحتقان الاجتماعي يصل إلى حد الانفجار: "هو ما شهدناه هذه السنة في مختلف قطاعات الوظيفة العمومية من صحة وتعليم".

يلفت إلى أنّ معظم الاحتقانات السابقة لها علاقة بما هو مالي اجتماعي ومهني، لكنّ احتقاناً سياسياً واحداً له علاقة بقطاع التعليم على مستوى البرلمان في مناقشة مسألة اللغات في التعليم، إذ إنّ الصراع بين المحافظين والفرانكفونيين وصل إلى حدّ الانحباس، كما أنّ لقضية مجانية التعليم بعداً سياسياً وصل إلى مستوى الجدال. يتابع أنّ "هذا الاحتقان السياسي يمكن تفسيره بالعامل الثالث، وهو العامل الإيديولوجي، إذ إنّ هذا الاحتقان الاجتماعي والسياسي في قطاع التعليم مرشح لمزيد من التصعيد إذا لم تعمل الحكومة أو الحكومات على التراجع عن سياساتها الليبرالية الجديدة المتوحشة المفروضة من طرف صندوق النقد الدولي والتي تسعى إلى ضرب وتخريب القطاعات والخدمات العمومية والقضاء على الوظيفة العمومية لصالح الخصخصة وتقليص النفقات العمومية".




يدعو إلى "تبني خيار الدولة المتضامنة الراعية للخدمات والقطاعات العمومية للدولة، وكذلك العمل بروح ديمقراطية مواطنة، على تجاوز الصراعات والاحتقانات الإيديولوجية في الإصلاح التعليمي الجديد من أجل المصلحة العليا للوطن والمواطنين عموماً".