تعليق حوار الأسرى: المرحلة الثانية من السلام الأفغاني مهددة

08 ابريل 2020
الصورة
تراجعت آمال الأفغان بالسلام مجدداً (وكيل كوهسار/فرانس برس)
+ الخط -
من يُراقب الوضع عن كثب في أفغانستان هذه الأيام، يدرك جيداً حجم تعقيدات عملية السلام الدائرة في البلاد، والتي كانت مرحلتها الأولى قد بدأت بالحوار بين الولايات المتحدة وحركة "طالبان"، وانتهت بالتوقيع على اتفاق بين الطرفين في العاصمة القطرية الدوحة، قبل أن تنتقل إلى المرحلة الثانية، المتمثلة بالحوار بين الحكومة الأفغانية و"طالبان"، أو ما يعرف بالحوار الأفغاني – الأفغاني. هنا، بدأت عقبات عدة بالظهور، لا سيما في ما يتعلق بملف تبادل الأسرى بين الطرفين، والذي كان تضّمنه اتفاق السلام الموقع في الدوحة. وتعود أسباب هذه العقبات إلى حيثيات مختلفة، تتعلق بكابول والحركة وموقف واشنطن، ما يهدد عملية السلام برمتها.

وأعلنت حركة "طالبان"، أول من أمس الإثنين، تعليق الحوار حول هذا الملف مع الحكومة الأفغانية، مؤكدةً أن وفدها المؤلف من ثلاثة أعضاء، والذي كانت أرسلته بداية الأسبوع الماضي إلى كابول من أجل توثيق الأسرى المفرج عنهم، والتفاوض بالملف، لن يشارك في أي اجتماعات مقبلة مع الحكومة، ابتداءً من يوم الثلاثاء (أمس). وفيما اعتبرت الحركة أن هذه الاجتماعات "لا جدوى منها"، أكد مسؤول في الحكومة الأفغانية أن مطلب "طالبان" بالإفراج عن قادة مهمين فيها "غير مقبول بالمرة".

ولم يكن ما وصلت إليه الأمور مستغرباً، إذ إنه منذ الانتقال إلى المرحلة الثانية من عملية السلام، أعلنت "طالبان" عدم الاعتراف بالحكومة الأفغانية كجهة تفاوض وحيدة، بل هي تعتبرها مكوناً من جهة تفاوض تشمل جميع الأطياف السياسية الموجودة في البلاد. ولهذا السبب، اعترضت الحركة على الهيئة التي سمّتها الحكومة للحوار معها، واصفة إياها بغير الشاملة.

كما تسبب في تعقيد المرحلة الثانية، غياب الحكومة الأفغانية والأطراف السياسية الأفغانية عن الحوار بين "طالبان" وواشنطن، والذي نجم عنه الاتفاق على الإفراج عن خمسة آلاف أسير للحركة، مقابل إفراجها عن ألف أسير للحكومة، وجعل عملية الإفراج هذه شرطاً أساسياً لبدء المرحلة الثانية من الحوار. حينها، ظنّت "طالبان" أن مسألة الأسرى في يد واشنطن، وأن باستطاعتها أن تُخرج جميع سجنائها، بينهم قادتها المهمون. أما الجانب الأميركي، فيبدو أنه كان في عجلة من أمره، وكان يسعى للوصول إلى التوافق "التاريخي" مع الحركة، معتقداً أيضاً أن كابول لن تقف في وجهه، لرغبتها هي الأخرى في الحوار مع "طالبان".

لكن رفض الرئيس الأفغاني أشرف غني آلية بدء الحوار عبر إطلاق السجناء، غيّر المعادلة وفاقم القضية تعقيداً. ويتهم البعض غني بأنه يهدف من وراء تأجيل عملية إطلاق سراح الأسرى، إلى تثبيت بقائه في الحكم، وهو لا يرغب أصلاً في بدء الحوار المباشر مع "طالبان". وبرأي هؤلاء، فإن مسألة رفض الرئيس تتعلق بفرضية أنه لدى وصول الأطراف الأفغانية إلى الحلّ الشامل، لن يعود بإمكان حكومته الاستمرار، وهو أمرٌ وارد بلا شك. 
لكن أيا كانت الأسباب الكامنة وراء رفض غني انطلاق عملية الإفراج عن الأسرى، كما تريد "طالبان"، وكما وافقت عليها واشنطن، تبقى المشكلة في الأساس مرتبطة بغياب الأطراف الأفغانية عن مفاوضات المرحلة الأولى، وتحديداً عند التوافق بين "طالبان" وواشنطن على إطلاق الأسرى.

وبعد الكثير من الشدّ والجذب حيال القضية، وصلت في 31 من شهر مارس/آذار الماضي هيئة "طالبان" إلى كابول، لتبدأ للمرة الأولى حواراً مباشراً مع الحكومة الأفغانية، يتعلق تحديداً بقضية الأسرى، ما أنعش آمال الشعب الأفغاني مجدداً بالسلام، لا سيما أن الحكومة كانت سمّت قبل أيام مفاوضيها للحوار مع الحوار، وهي أسماء أعدتها ووافق عليها معظم السياسيين في البلاد. وحتى منافس الرئيس الأفغاني، عبد الله عبد الله، الذي يعتبر نفسه أيضاً رئيساً، أعلن اعتماده هيئة الحوار.

لكن مع مرور الوقت بدون تحقيق أي نتيجة، ازدادت المخاوف، خصوصاً أن التسريبات كانت تشير إلى عدم حدوث تطور كبير في القضية، ونشوب عقبات جديدة، ورفض الحكومة مطالب الحركة، مع إصرارها على تنفيذ آلية أعلن عنها غني، إلى أن أعلنت الحركة مساء الإثنين تعليق الحوار. كما سبق أن أكد رئيس إدارة المراقبة على الحكومات المحلية، متين بيك، وهو أحد المقربين للرئيس الأفغاني، خلال مؤتمر صحافي، أن إصرار "طالبان" على الإفراج عن 15 قيادياً مهماً أو من العناصر الضالعين في هجمات، غير مقبول، ولن يتم الإفراج عنهم. كذلك أكد المسؤول الأفغاني، أنه لن يتم الإفراج عن باقي عناصر الحركة إلا تدريجياً، وبعد خفض "طالبان" وتيرة العنف، مع تقديم ضمانات بعدم عودة هؤلاء إلى ميادين القتال. وتعني هذه التصريحات أن الحوار المباشر بين "طالبان" والحكومة الأفغانية بشأن الأسرى تعثر، وأن المرحلة الثانية من عملية السلام، وهي الحوار الأفغاني - الأفغاني مؤجلة بدورها، لرهنها بالإفراج المتبادل.

بالإضافة إلى ذلك، ثمّة عقبة أخرى في طريق المرحلة الثانية من اتفاق السلام، وتتعلق بالوضع الميداني المتراجع، ما يُنذر بدفع عملية السلام برمتها نحو شفير الهاوية، إذا استمر الوضع الراهن. هذا الواقع قد لا يصّب في مصلحة الحكومة الأفغانية الغارقة في أزماتها، ولا الولايات المتحدة الساعية لإخراج نفسها من المأزق الأفغاني، ولا حتى في صالح "طالبان" التي تواصل حرباً لا تعرف منتهاها. وعندما اتهمت "طالبان" قبل أيام القوات الأميركية والدولية والأفغانية بخرق التوافق، وطالب اثنان من المتحدثين باسمها، هما قاري يوسف أحمدي وذبيح الله مجاهد، باحترام هذا التوافق "كي تعود المياه إلى مجاريها"، كان متوقعاً أن يأتي الرد الأميركي على الأقل بصورة تحاول احتواء الوضع، لكنه جاء معاكساً، حيث أكدت القوات الدولية والأميركية أن "طالبان" هي من تسبب بخرق التوافق، لأنها لم تخفض وتيرة العنف، ما دفع القوات الدولية إلى مساندة نظيرتها الأفغانية، وهي ستظلّ تفعل ذلك في مقبل الأيام.

من جهتها، ذهبت الحكومة الأفغانية إلى أبعد من ذلك، مهددة بعدم بقاء الهجمات التي تنفذها "طالبان" من دون رد. وقال المتحدث باسم مكتب مستشار الأمن القومي الأفغاني، جاويد فيصل، إن هجمات "طالبان" الأخيرة في زابل وبدخشان "لن تبقى بلا رد، ونحن مع حلفائنا نقوم بكل خطوة ممكنة ضدها"، متهماً الحركة بالوقوف وراء أعمال العنف، وأن عليها أن تتخذ خطوات عملية باتجاه عملية السلام.

وفي ظلّ التصعيد والتهديد المتبادل، مع تعليق الحوار بشأن الأسرى أو فشله، وتوقع تأجيل الحوار بين "طالبان" والحكومة إلى أجل غير معلوم، تصبح عملية السلام برمتها في مهب الريح. إلا أن احتمال عودة الجميع إلى لغة الحوار يبقى خياراً قائماً، فالحرب الأفغانية لا تزال غير منتهية، ويدرك الجميع أن لا فائز عسكرياً فيها.  

 

 

​ 

 

 

المساهمون