تعقيبا على عمر كوش.. الوطنية علاقة تفاعلية وأخذ وعطاء

11 نوفمبر 2019
الصورة
+ الخط -
تبنّى الكاتب السوري، عمر كوش، في مقالته المعنونة "الوطنية السورية ومأزق التعايش العربي الكردي" (العربي الجديد: 4/11/2019)، موقفا منحازا ضد الأحزاب الكردية السورية بشكل عام، وضد حزب الاتحاد الديمقراطي خصوصا، بتحميلها مسؤولية كبيرة عن إضاعة فرصة إعادة بناء هوية وطنية، وعن ما يمكن أن تواجهه الوطنية السورية من مخاطر بسبب الإدارة الذاتية التي أقامها هذا الحزب؛ باعتبارها حالةً تقسيميةً، ما أضعف موضوعيته، وأغلق باب الحوار البناء لتوفير مناخ إيجابي، على طريق إعادة ترميم العلاقات الوطنية، والتمهيد للتأسيس لوطنية سورية حقيقية وراسخة ومزدهرة. ذلك أن نهوض الوطنية وتماسكها مرهونٌ بدور مجمل الشعب السوري، وبطبيعة تعاطيه مع الحقوق والواجبات، وسيادة نظام دستوري وقانوني، يوفر العدل والمساواة بين جميع المواطنين من دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو المذهب أو الجنس. لقد تجاهل الكاتب أساس المشكلة: دور السلطة والقوى السياسية والاجتماعية السورية الأخرى في رفع جدارٍ عازلٍ بينها وبين الأحزاب الكردية بموقفها السلبي من الحقوق الكردية وانعدام محاولات جادّة لجسر الهوة، والوصول إلى قواسم مشتركة وحلول وسط تخفف المظالم، وتنفتح على تحقيق اندماج وطني متين ومستقر، ما دفع الأحزاب الكردية إلى تبنّي القطيعة والمفاصلة، فآخر الدواء الكي، كما تقول العرب.
تستدعي القراءة الموضوعية للمقالة ونقدها الكشف بدايةً عن مدى صحة المعطيات التي بنيت عليها، ودقة المعلومات الواردة في ثناياها. وهنا سنكتشف تباينات بين بعض المعطيات التي استند إليها التحليل والواقع وافتقار أخرى إلى الدقة. أول هذه المعطيات، وفق تسلسل ورودها في النص، ما ذهب إليه الكاتب: "وظهر المناضل الراحل مشعل تمّو، زعيم تيار المستقبل، والذي يتهم باغتياله حزب الاتحاد الديمقراطي، بوصفه زعيماً سورياً بامتياز". صحيح أن
 مشعل قد تحوّل إلى أيقونة لدى حواضن الثورة، لكن ليس لكونه زعيما سوريا، بل لأنه اغتيل ولكره الحواضن للجهة المتهمة باغتياله، حزب الاتحاد الديمقراطي. كل من عرف مشعل عن قرب يعرف أن توجهه كان كرديا أكثر منه سوريا، كان قد اشترط على قيادة إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي تلبية مطالب كردية في مقابل انضمام حزب تيار المستقبل الذي أسسه وقاده إلى "الإعلان". لم يقبل بصيغة إعلان دمشق لحل القضية الكردية على أساس المواطنة والحقوق المتساوية واللامركزية الإدارية، فبقي حزبه خارج "الإعلان". كما أنه سبق له وطرح فكرة تبادل أراضٍ بين العرب والكرد كي يتاح للكرد منطقة ذات أغلبية كردية مطلقة، كما في العراق وإيران وتركيا، كي تكون أرضا لكيان كردي ذاتي الحكم أو فيدرالي. لعبت وجهة نظره بضرورة المشاركة في الثورة السورية، على الضد من مواقف بقية قادة أحزاب المجلس الوطني الكردي، الذين ارتبكوا أمام الحراك الثوري، فعزلوا أنفسهم وجماهير أحزابهم عنه، بعضهم تلقى تعليماتٍ من خارج سورية، بعدم مناهضة النظام، على خلفية تقدير موقف سياسي مفاده بأن الثورة محدودة وعابرة، وبالابتعاد عن الثورة كي لا تتحمّل مسؤولية سياسية، وتتحمّل تبعات الصراع، لأن التهم ضد الكرد جاهزة: الانفصال وتقسيم سورية، لعبت (نظرته إلى المشاركة في الثورة) دورا في تقديمه زعيما سوريا، لكن انخراطه جاء على خلفية العمل على تحقيق الحقوق الكردية، عبر المشاركة في تحقيق أهداف الثورة. وقد جسّد نظرته بمشاركته في مؤتمر الإنقاذ الوطني السوري الذي عقد في اسطنبول يوم 16/7/2011، وعبّر عن المطالب الكردية بدعوته، في كلمته إلى المؤتمر من دمشق، عبر "سكايب" إلى حذف صفة العربية من اسم الدولة السورية والاعتراف بالكرد قومية ثانية في الدستور الجديد. صحيح أنه دفع حياته بسبب انخراطه في الثورة، لكن ذلك لا يغير أن توجهاته وأولوياته التي كانت كردية بالمطلق. الصحيح أن تنسيقية اتحاد شباب الكرد فقط انخرطت في الثورة من موقع الإيمان بها، والاقتناع بأهدافها العامة: الحرية والكرامة.
ثاني هذه المعطيات ربط الكاتب عمر كوش خرائط كردستان الكبرى بحزب الاتحاد الديمقراطي؛ علما أن خرائط كردستان الكبرى سابقة على وجوده، من جهة، وليست جزءا من برنامجه السياسي في ضوء تبنّيه نظرية زعيم حزب العمال الكردستاني التركي، عبدالله 
أوجلان، في "الأمة الديمقراطية"، العابرة للقوميات، من جهة ثانية.
وثالث هذه المعطيات اعتبار كوش الإدارة الذاتية محاولة لتقسيم سورية ودويلة أقامها حزب الاتحاد الديمقراطي، في حين يمكن أن يقال عن مشروع الإدارة الذاتية كل شيء، إلا أنه مشروع دويلة، فالحزب بتبنّيه رؤية أوجلان الجديدة، القائمة على نظرية "الأمة الديمقراطية"، يسعى إلى بناء نظام سياسي، يسميه ديمقراطية الشعوب، أساسه مجالس محلية إدارية على مستوى القرية والبلدة والأحياء في المدن الكبيرة. فكرة فيها تجاوز للقوميات، ما جعلها نقطة خلافية بين هذا الحزب وأحزاب المجلس الوطني الكردي، المتمسكة بالحل القومي للقضية الكردية، باعتبارها قضية شعب وأرض، فالإدارة الذاتية ليست مشروع دولة أو حالة انفصالية، كما يرى الكاتب. وحديثه عن "خرائط متخيّلة لدولة شعب غربي كردستان" ليست واردة في أدبيات الحزب، ولكنها مطروحة، وبقوة في أوساط أحزاب المجلس الوطني الكردي، فالإدارة الذاتية، وفق أصحابها، نموذجٌ لنظام سورية البديلة، وهي جزء من سورية التي يجب أن تدار باقي مناطقها بالطريقة نفسها. وللإدارة الذاتية عيوب كثيرة يمكن انتقادها منها، ولكن ليس من بينها إقامة دويلة كردية وتقسيم سورية.
ورابع هذه المعطيات مبالغة الكاتب في شمولية الثورة: "وقد شارك في بداياتها شباب وشابات من مختلف الأطياف والانتماءات، حيث عمّت التظاهرات الاحتجاجية مختلف المدن والبلدات السورية، بدءاً من درعا جنوباً وصولاً إلى القامشلي شمالاً، ومن اللاذقية شرقا ً(هي غرباً) وصولاً إلى البوكمال شرقاً". حيث كان ثمّة تحفظ وحذر في أوساط سورية عديدة، علوية ومسيحية ودرزية وشيعية، ومن شارك منهم، وهم قلة، إنما لاعتباراتٍ تتعلق بانتماءٍ حزبي ما، من دون أن ننسى وقوف نسبةٍ كبيرة منهم في صف النظام وقتالهم إلى جانب قواته ضمن تشكيلات مليشياوية، تحفظ وحذر متجذّرين، سببهما إرث كثيف من مرحلة التمييز وبذر الشقاق بين أبناء الوطن الواحد؛ على خلفية التباين الديني والمذهبي والخطر المحدق بالأقليات ودور 
النظام في حمايتهم؛ الذي مارسه النظام لتحقيق هدفه في الهيمنة والسيطرة، عبر إضعاف المجتمع بتفتيته.
وفي موضوع المقالة الرئيس: قراءة الكاتب العوامل التي أجهضت فرصة إعادة إنتاج هوية وطنية. هنا نلمس، من دون كبير بحث وتمحيص، ميله إلى تحميل الأحزاب الكردية عامة، وحزب الاتحاد الديمقراطي خصوصا، القسم الأعظم من المسؤولية. كتب "كان موقف الأحزاب والقوى السياسية الكردية سلبياً وملتبساً من الثورة السورية، باستثناء تيار المستقبل، الأمر الذي أحدث انقساماً واضحاً في الموقف من الثورة. ولعبت تلك الأحزاب دوراً كبيراً في تعميق سردية المظلومية، وفي إظهار التمايز الكردي عن العربي، حتى في التظاهرات، من خلال رفع العلم الكردي وأعلامها، وتوظيف الرموز الكردية، لتعزيز الشعور القومي، وإبعاده عن الشعور الوطني السوري"... و"لم تع الأحزاب الكردية حقيقة أن حراك الثورة الاحتجاجي السلمي الذي يندرج في حقل السياسة كان رداً على سنوات طويلة من التغييب والإقصاء والتهميش لجميع السوريين، وموجهاً ضد الشعارات الإيديولوجية المزيفة للسلطة التي كانت تقفز على الوطنية السورية إلى قومية متخيلة، حيث كانت تنادي بوحدة الأمة العربية، فيما تمارس أجهزتها وأذرعها الأخطبوطية تقسيماً مذهبياً ومناطقياً وإثنياً، وتعمل على إلحاق سورية، وطناً وشعباً، بمشروع نظام الملالي الإيراني، وما يخططون له في المنطقة".... "وارتضت، أغلب الأحزاب الكردية، الانسياق وراء ما طمح إليه النظام السوري في إبعاد الشارع الكردي عن الثورة، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل استخدم بعضها لقمع الناشطين الأكراد وملاحقتهم وتهجيرهم".
أما موقفه من دور أحزاب المعارضة العربية ومؤسسات الثورة والمعارضة في إجهاض فرصة إعادة إنتاج هوية وطنية، فاقتصر على لومها على تعاميها عن المسألة الوطنية، وعجزها عن نسج خيوط وطنية سورية وإنتاج حالة تجانس واستقلالية. ولم يلحظ الكاتب غياب تعاطي جاد ومرن من أحزاب المعارضة العربية مع القضية الكردية وعدم انخراطها في حوار بناء مع الأحزاب الكردية وثباتها على الموقف التقليدي منها، باعتبارها قضية مفتعلة لجماعة وافدة ليس لها سوى حقوق ثقافية، أو لم يهتم بهذا الأمر.
صحيح أن دور الأحزاب الكردية كان سلبيا من الثورة، وأنها تصرّفت وفق أجندة خاصة، 
وسعت خلف أهداف خاصة، وحاولت توظيف الصراع بابتزاز النظام والمعارضة لتحقيق أهدافها الخاصة. ولكن يجب قراءة هذه السلبية في سياق المشهد السياسي العام، وربط الموقف بتحولات العلاقة بين المعارضة والأحزاب الكردية، وفشلهما في جسر الهوة، وصياغة توافق وطني يخفّف حدّة الاحتقان القائم، ويفتح على مخرج مرحلي على أقل تقدير. لقد بقي الطرفان أسرى سردياتٍ عن الأسبقية التاريخية، وما ترتبه من أحقية في الأرض والسيادة. نبش كلا الطرفين التاريخ، وجمعا أدلة وبراهين لتأكيد الأسبقية التاريخية والأحقية، بالتالي، بالأرض. كلا الموقفين وليد تصوّر للتاريخ قائم على نظرة غير تاريخية، لأنها تعتبر كل أرض وطأها هو في فترة زمنية معينة غدت أرضه، بغض النظر عن ظروف الوطء ومدته وارتباطاته، بتجاهل تام لما حصل في التاريخ من تحولاتٍ، حيث تغيّر أشكال الاجتماع البشري وقواعد اشتغاله من القرى الزراعية إلى دولة المدينة إلى الإمبراطورية متعدّدة الشعوب، ومتحرّكة الحدود في ضوء القاعدة الحاكمة: حق الفتح الذي كان سائدا آنذاك، بحيث تكون حدود الإمبراطورية وشعوبها مرتبطة بقدرتها على فتح الإمبراطوريات الأخرى، وبقاء أرضها ساحة مفتوحة لرعاياها، يقيمون حيث يشاؤون، من جهة، وما فرضته حركة الفتح من انتقال مجموعاتٍ بشريةٍ برفقة الجيوش، أو لحماية المناطق المفتوحة حديثا، وحصول قادة الفتح على إقطاعات واسعة، تقديرا لدورهم في الانتصارات ما يقود إلى تغيرات في البنية السكانية، من جهة ثانية.
هذه النظرة منتشرة بين أبناء الأمم التي تراجع دورها ومكانتها في عصر القوميات والدول الوطنية: العرب والترك والفرس والكرد والآشوريون السريان والكلدان والأرمن، كلهم يريدون وقف التاريخ عند لحظة سيطرتهم وهيمنتهم وانتصارهم؛ وينادون باستعادة المجد المفقود والأرض السليبة، وإنكار التحولات العميقة التي حدثت خلال آلاف السنين، دعوة يمكن أن تحوّل الاجتماع البشري إلى ساحة حربٍ أبدية.
كتب عمر كوش في مقالته عن هدر الفرصة التي أتاحتها الثورة لإعادة تشكيل الهوية الوطنية، بتغاضٍ تام عن أن الوطنية وأساسها الاجتماعي، الهوية السورية، لم يكونا جزءا من أهداف الثورة، لأسبابٍ تاريخية وسياسية، أولها أن بناء هوية سورية لم يكن مطروحا؛ ولا الوعي بضرورتها موجودا؛ نتيجة الركام السياسي الذي أنتجه النظام والضخ الإعلامي حول مفهوم الوطنية والهوية، ما جعلهما صنوا لاستقرار النظام وسيطرته، نتيجة إحاطتهما بهواجس التمزّق والانقسامات والهيمنة الدينية والمذهبية، وتثبيتهما بأسوار الخوف والرهبة، وتحوّلهما إلى سرير بروكسيت، قاطع الطريق في المثيولوجيا الإغريقية، لجز كل ناقد أو معارض أو متمرد. ثانيها التعارضات والتباينات القائمة حول طبيعة الوطنية السورية، والأسس التي يجب أن ترتكز عليها بين من ينطلق من أساس أحادي البعد للهوية السورية، وهو العروبة، دولة عربية ولا دور لوجود قوميات أخرى في الشعب العربي السوري، إنها عربية بفعل الأغلبية العربية وانتهى، (من الطرائف التي كانت تنتجها هذه الرؤية تصنيف المعتقلين الكرد لدى محاكم النظام؛ وخصوصا محكمة أمن الدولة سيئة الذكر، "كردي عربي سوري") وبين من ينطلق من أساس تعدّدي للهوية السورية، مع ملاحظة وجود نمطين من التعدد على الساحة: تعدّد قومي وآخر ديني ومذهبي، يطالب أصحابه بالإقرار بهذا التعدّد وأخذ التمايز القومي والديني والمذهبي بالاعتبار في صياغة الدستور وتطبيقاته القانونية؛ الأول بإقامة دولة اتحادية والثاني بإقامة تحالف أقليات. فقول الكاتب "مشاركة شباب وشابات من مختلف الأطياف والانتماءات 
في الثورة فرصة لبناء هوية سورية"، لا يكفي لبناء هوية سورية، ما لم تكن هي هدفا للثورة، والبدء بالعمل على تحقيقه، بدءاً من العتبة الأولى: الاتفاق على أساس الهوية السورية والعقد الاجتماعي الذي سيجسدها أهو أحادي أم تعدّدي؛ تعدّدي قومي أم تعدّدي ديني ومذهبي؛ أم كلاهما، فالمشاركة في الثورة وحدها لا تقيم هوية وطنية. صحيح أن مناخ الثورة يوفر فرصة للتعاون والتنسيق ونمو المشتركات الوطنية، لكن بناء هوية وطنية رهن عوامل كثيرة خاصة، وزمن سياسي كاف، فبذرة الوطنية السورية التي عرفتها سورية إبّان مرحلة الاستقلال، نمت عبر سنين طويلة في مناخ مقارعة الاستعمار الفرنسي، بجهودٍ وطنيةٍ شاملة، ما يستدعي كسر الحواجز وإزاحة المعيقات مروراً بصياغة سردية موضوعية عن التاريخ والاحقيات، بعيدا عن المغالاة، والتخلي عن ربط الحقوق بالماضي السحيق وسردية هنا كنا، هنا أرضنا التاريخية، هنا حقنا، وتبنّي نظرة واقعية إلى الحاضر والمستقبل، أساسها الاعتراف بالتعدّد القومي والقبول بالتشارك ضمن عقد اجتماعي جديد متفق عليه، آني أو دائم.
قيام هوية وطنية بحاجة إلى توافق وطني على عقد اجتماعي، ما يستدعي حواراً وطنيا شاملا، يناقش كل التصورات، من أجل الوصول إلى قواسم مشتركة، أو حلول وسط، أو اتفاقات مرحلية تخفف التوتر والاحتقان، تحفظ الدماء والإمكانات الوطنية العامة والخاصة.