الليرة السورية تخسر 1000% من قيمتها في 7 سنوات

01 يوليو 2018
الصورة
الليرة سجلت أكبر انخفاضاتها في 2016 (فرانس برس)
+ الخط -
تراجع سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، خلال الأيام السابقة، من 440 إلى 443، بعد تحسن ملحوظ خلال العام الجاري إثر العمليات العسكرية بريف دمشق، وقت دخلت الليرة السورية عام 2018 بسعر يقارب 520 ليرة للدولار الواحد، بعد تذبذب وتهاو في السعر، كاد يوصلها مرحلة الانهيار خلال عام 2016، وقت زاد سعر صرف الدولار في مايو/ أيار عن 645 ليرة سورية في السوق السوداء في حين كان السعر الرسمي 512 ليرة سورية للدولار.

وبدأ سعر صرف الليرة السورية مسلسل التراجع منذ اندلاع الثورة منتصف آذار/ مارس 2011، فمن سعر صرف مقداره 45 ليرة لكل دولار، أخذت الليرة مع نهاية كل عام تستنزف قيمتها لتسجل أعلى انخفاضاتها في عام 2016، عام الذروة، قبل أن يبدأ مشوار التعافي، ليتراوح سعر الصرف بين 410 و550 ليرة للدولار العام الفائت، وبين 420 و445 ليرة للدولار هذا العام.

وتفاوتت أسعار صرف الليرة خلال سني الثورة، فمن نحو 45 ليرة في مارس/آذار 2011 إلى نحو 59 ليرة للدولار مطلع عام 2012 ونحو 97 ليرة للدولار نهاية عام 2012.

وبدأت التراجعات الكبيرة منذ عام 2013 إذ وصل سعر صرف الدولار في مارس/آذار إلى نحو 120 ليرة، وتجاوز سعر الدولار 300 ليرة بنهاية العام.

وتعافت الليرة قليلاً عام 2014، فتراوح سعر الصرف بين 170 ليرة منتصف العام و220 ليرة نهاية 2014، ليعاود تراجع سعر الليرة في عام 2015 ليصل إلى 380 ليرة للدولار الواحد، وتبلغ أسوأ سعر لها على الإطلاق، عام 2016 وقت هوت إلى ما دون 640 ليرة للدولار الواحد، وليعاود سعر الليرة بالتحسن منذ عام 2017، بالقياس مع سعر عام 2016، ليتفاوت السعر عند عتبة 500 ليرة، قبل أن يتحسن أيضاً مطلع العام وحتى اليوم، ويسجل بين 445 و420 ليرة للدولار الواحد.

ويصنف اقتصاديون أسباب تراجع سعر صرف الليرة باقتصادية وسياسية ونفسية، إذ أثرت العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الدول العربية والاتحاد الأوروبي، على قطاعات النفط والتجارة، على حجم القطع الأجنبي في سورية، ما دفع نظام بشار الأسد، لمد اليد على الاحتياطي الأجنبي، ليتبدد من نحو 20 مليار دولار عام 2011 إلى أقل من 700 مليون دولار بحسب تقرير صندوق النقد الدولي العام الفائت.



في المقابل، أثّر تراجع السياحة والصادرات والإنتاج المحلي، على حجم القطع الأجنبي، في السوق والمصارف، وزاد استيراد حتى المستلزمات اليومية من الخارج "روسيا وإيران وبعض الدول العربي" من الضغط على الليرة السورية، لتأتي سياسات حكومة بشار الأسد، وتضيف عاملاً ضاغطاً آخر، عبر التمويل بالعجز وطباعة أوراق نقدية، حتى من فئة ألفي ليرة لأول مرة في يوليو/تموز 2017، وتضخها بالسوق من دون تغطية إنتاجية أو خدمية أو معادل دولاري وذهبي.

إضافة إلى إجراءات وقرارات ارتجالية ومتخبطة، وجدناها خلال السنوات السابقة، كالتدخل المباشر ببيع الدولار في السوق، والسماح بإبدال الدولار من المصارف ثم إلغاء القرار والتردد بتمويل عمليات التجارة والسماح للمصارف ببيع وشراء القطع خارج النشرة الرسمية.

كما كان للعامل النفسي وهروب المكتنزين والمدخرين، من الليرة السورية، ولجوؤهم للعملات الأجنبية والذهب، عاملاً مهماً، تمت إضافته إلى الأسباب الاقتصادية والسياسية، التي، كما أسلفنا، كادت أن توصل الليرة إلى الانهيار.


تاريخ الليرة


مرت الليرة السورية بأسعار صرف مختلفة، نظراً للجهة التي تبعت لها أو للأحداث السياسية والاقتصادية التي مرت بها البلاد، منذ الدولة العثمانية.

إذ لم تكن العملة المتداولة زمن الحكم العثماني في سورية، مرتبطة بالدولة السورية، وإنما بالحكم العثماني، فقبل عام 1888 كانت الدولة العثمانية خاضعة لقاعدة المعدنين "ذهب وفضة" وكانت العملة المتداولة بسورية هي الليرة العثمانية الذهبية والفضية، وصدرت خلال تلك الفترة، أوراق نقدية عثمانية، مغطاة 200% بسندات خزينة نمساوية وألمانية، ولكن لم يتم تداولها في سورية.

وفي عام 1928 والذي يعتبر تأريخاً، نتيجة الثورة العربية الكبرى، حيث لم تعد العملة الورقية العثمانية، ذات قيمة أو قابلة للتداول، ليحل الجنيه المصري المطبوع في بريطانيا، محل العملة العثمانية بسورية، ومنه جاءت كلمة "مصاري" بسورية بدل كلمة نقود، ويستمر التعامل بالجنيه، حتى مطلع عشرينيات القرن الفائت، وقت الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان.

وقتذاك، وفي عام 1920، ولدت الليرة السورية- اللبنانية، من خلال المصرف السوري "المصرف الفرنسي بدمشق" وكانت الليرة تساوي 20 فرنكا فرنسيا. واستمر "المصرف الفرنسي بسورية" بإصدار النقد حتى عام 1924 وقت سمح "المصرف الفرنسي" للمصرف السوري، بعد اتفاقية نقدية بين فرنسا من جهة، وسورية ولبنان من جهة أخرى، بإصدار ليرة سورية ولمدة 15 عاماً، وقبل تجديد الاتفاقية ومرور 15 عاماً، تم فصل الليرتين السورية واللبنانية في عام 1939.

ومرت الليرة السورية بطور جديد، خلال الحرب العالمية الثانية، وقت تحالف الجنيه الإسترليني مع الفرنك الفرنسي، ليتم ربط الليرة السورية بالإسترليني، وكان سعر صرف الجنيه يساوي 883.125 قرشاً سورياً وكان كل 22.65 ليرة تساوي فرنكاً فرنسياً واحداً.

بعد ذلك، انتقلت إلى طور الربط بالدولار، بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً عام 1947، وقت تركت سورية منطقة الفرنك، وكان سعر الدولار مقابل الليرة "دولار يساوي 2.19 ليرة"، لكن الإصدار النقدي، السوري واللبناني، بقي إدراياً مرتبط بفرنسا، وكان الإصدار يتم بإشراف فرنسي وبتوقيع الرئيس بوسون، وذلك حتى عام 1949.

أول إصدار

مرت الليرة بعمليات تأسيس، إذ تم إصدار أول ليرة مستقلة عام 1953 وتم إدراج اسم الجمهورية السورية، وتوقيع وزير المالية في البدايات، خلال إصداري 1953و1957، ليتم بعد ذلك، اعتماد توقيع وزير الاقتصاد وإصدار الفئات النقدية السورية الصغيرة "فئات القروش المعدنية، إلى جانب عملات ورقية من فئات الليرة وحتى الخمسمائة".

وكانت السلطات النقدية في سورية، قد اتبعت سياسة نظام الصرف الثابت، خلال انضمامها لاتفاقية "بريتون وودز" عام 1947 وكان سعر صرف الليرة وقتذاك، 405.12 ملغ ذهب، وتساوي 45.6 سنتاً أميركياً، وهذا يعني أن كل دولار واحد كان يساوي 219.148 قرشاً سورياً.


وبعد انهيار اتفاقية "بريتون وودز" في أوائل السبعينيات وتعويم العملات مقابل الدولار، تم ربط الليرة السورية بالدولار فقط، وتحدد سعر الصرف بـ3.95 ليرات، وبقي كذلك حتى عام 1981، عندما قامت السلطات النقدية باتباع سياسة تعدد أسعار الصرف للحفاظ على استقرار الأسعار الداخلية، واعتماد سعرٍ خاص بصرف الدولار لأغراض التصدير، بغية تشجيعه وتمويل المستوردات للقطاع العام وتخفيض تكاليف الصناعة الوطنية

وسنّ البنك المركزي السوري منذ عام 2001 عدة تشريعات وقوانين، كالقانون رقم (28) لعام 2001، الذي فتح المجال أمام تأسيس المصارف الخاصة، والقانون رقم (22) لعام 2005 الذي أسس هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية، والقانون رقم (24) لعام 2006، الذي سمح بتأسيس مؤسسات الصيرفة، إضافة إلى اتخاذ مجموعة من الإجراءات من بينها إعطاء حرية أكبر في تداول وبيع النقد الأجنبي لمن يحتاجه، وأصبح بإمكان المستورد شراء العملة الصعبة من جميع المصارف المرخص لها التعامل بالقطع الأجنبي.


وقد بلغ متوسط سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار خلال الفترة بين 1995-2001 نحو 50.78 ليرة سورية، ليتذبذب سعر الصرف قليلاً، بين 50 و45 ليرة للدولار حتى عام 2011.

ويعود حفاظ الليرة على ثباتها النسبي، خلال فترة ما قبل الثورة، إلى تطور الأداء الاقتصادي والاستقرار السياسي وسنّ قانون الاستثمار رقم (10) لعام 1991 الذي أسهم في زيادة عدد المشاريع الاستثمارية، وزيادة القطع الناجم عن زيادة الموارد السياحية وتحسّن في وضع الحساب الجاري.

المساهمون