تعبٌ كلها الحياة على الحدود الأميركية المكسيكية!

17 سبتمبر 2020
+ الخط -

وتعبٌ هي الحياة في أي مكان في العالم، لكنها على الحدود بالذات تزداد تعقيداً والتباساً، خصوصاً عندما تكون تلك الحدود خطاً فاصلاً يعبره آلاف الفقراء كل يوم، نحو ما يتصورون أنه الفردوس الموعود الذي ستتحقق فيه أحلامهم في حياة كريمة، أو لنقل حياة أقل بؤساً من التي يعيشونها في وطنهم الأم، لكننا من خلال القصة التي يحكيها هذا الفيلم الجميل Frontera سنرى أن رغبة الإنسان في التدمير، يمكن أن تحيل الأحلام إلى كوابيس يعيشها المقيمون على جانبي الحدود، والعابرون لها، دون تفرقة.

يبدأ فيلم Frontera بأجواء من الترقب، نرى فيها مجموعة من المواطنين المكسيكيين، يسيرون تحت جنح الظلام، ويكاد بعضهم أن يتعرض للدهس من شاحنة تسير مسرعة دون أن تضيئ أنوارها مما يوحي أنها تقوم بممارسة التهريب، يوحي لنا الفيلم أن هؤلاء أيضاً، ربما كانوا يحاولون عبور الحدود إلى أمريكا، وبعد قليل يتضح أن هذه المجموعة السائرة في الظلام ليست سوى أسرة، ذاهبة إلى قرية قريبة من الحدود للإحتفال بعيد ميلاد أم عائل الأسرة، ونكتشف أن أحد المحتفلين ـ الذي يلعب دوره الممثل المتميز مايكل بينا ـ قد دفع تحويشة عمره وعمر أسرته أيضا، لكي يعبر الحدود الأمريكية المكسيكية مع رفيق له في اليوم التالي، بعد أن يودع زوجته الجميلة (إيفا لانجوريا)، التي اشتهرت بدورها المرح والمثير في مسلسل "ربات منزل يائسات"، لكنها في هذا الفيلم تقوم بتغيير جلدها تماما، وتطرح نفسها في دور مختلف ومرير.

على الجانب الآخر من الحدود وفي ولاية أريزونا الأمريكية، نرى سيدة خمسينية جميلة ـ تلعب دورها الممثلة إيمي ماديجان ـ لا زالت تحتفظ برشاقتها رغم كبر سنها، حيث نراها وهي تستعد لركوب حصانها، ونرى زوجها رجل الشرطة السابق الذي تقاعد وتفرغ لتربية الماشية في مزرعتهما ـ يلعب دوره باقتدار الممثل الكبير إد هاريس ـ وهو يأتي لتوديعها قبل أن تذهب إلى جولتها اليومية، وخلال حديثهما يتلفظ بتعليق عنصري يصف فيه المهاجرين المكسيكيين الذين يترددون كثيرا على الجوار بأنهم ملاعين، فتعنفه زوجته على ذلك بشكل لطيف، لنفهم أنها بشخصيتها المتسامحة، لا تشاطره أفكاره عن ضرورة معاملة القادمين عبر الحدود بغلظة أو حتى بحذر، ثم تنصرف بعد حديثهما إلى جولتها، وينصرف هو إلى عمله في المزرعة.

بالتزامن مع ذلك، نتعرف على ثلاثة مراهقين من أبناء المدينة الحدودية، الذين يمتلكون هوسا بالعنف والأسلحة النارية، يغذيه أن أحدهم ابن رئيس قسم بوليس المدينة الحدودية، ونرى الثلاثة وهم يذهبون إلى الحدود الأمريكية ـ المكسيكية، لممارسة هوايتهم في إطلاق النار، لكن هذه المرة ليس على العلب المعدنية الفارغة كما تعودوا، فقد قرروا بناءا على نصيحة أحدهم، أن يجربوا هذه المرة إطلاق النار على المهاجرين المتسللين عبر الحدود، ليحققوا هدفا مزدوجا هو تحسين مهاراتهم في إطلاق النار، وحماية بلادهم من المهاجرين المتسللين إليها لمزاحمتهم في خيراتها.

فيلم (فرونتيرا) هو الفيلم الروائي الطويل الأول لمخرجه وكاتبه مايكل بيري، بعد فيلمين قصيرين نالا نجاحا نقديا، وبعد عدة تجارب في التمثيل المسرحي والسينمائي

بعد عبورهما الحدود، يلتقي المهاجران غير الشرعيان بالسيدة الجميلة، التي نكتشف أنها تتكلم الأسبانية، تتطوع لتدلهما على المكان الذي يمكن أن يجدا فيه عملا، وتعاملهما بلطف شديد لدرجة أنها تعطيهما بطانية وبعض الماء، وخلال حديثها معهما، نرى المراهقين وهم يقومون بالتصويب على المهاجرين، فيخطئان وتصيبها الطلقة التي أطلقاها، فتسقط من حصانها على الأرض، ليكتشف المهاجران أنهما سيتهمان بقتلها، فيسارعان بالهرب، في نفس الوقت الذي يهرب فيه المراهقون من مسرح الجريمة، ويسارع الزوج إلى الإطمئنان على زوجته بعد أن سمع صوت إطلاق النار القادم من المكان الذي تعودت السير فيه بحصانها، فيصل إليها ليجدها قتيلة، ليبدأ رحلة اكتشاف وبحث عن قتلتها تستمر طيلة الفيلم، هي في حقيقة الأمر رحلة لتجسيد وتأمل الواقع الظالم المظلم الموجود على جانبي الحدود.

حين تم طرح الفيلم في دور العرض عام 2014، واكب عرضه المعركة السياسية التي نشبت بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما وبين الكونجرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون المحافظون والمتحفظون على السياسة التي أعلنها أوباما لتقنين وجود ملايين المهاجرين في الولايات المتحدة والذين أنجبوا أطفالا خلال وجودهم فيها، ومع ذلك لم يحقق الفيلم النجاح المنتظر عند نزوله إلى دور العرض، ربما لأن الجمهور الذي يمكن أن يتحمس لانحياز هذا الفيلم للمهاجرين وإدانته تعرضهم للظلم والعنصرية، منشغل أصلا بتأمين لقمة العيش، أكثر من انشغاله بدعم سينما تنحاز إليه، وربما لأن الفيلم عُرِض وسط موجة من الأفلام كبيرة الميزانية التي تجذب جمهور السينما إليها أكثر، لكنه برغم ذلك حقق نجاحا ملحوظا عندما تم عرضه في شبكة (نت فليكس) التي تقوم بعرض الأفلام على الإنترنت، والتي أصبحت من أهم منافذ الفرجة على الأعمال السينمائية والتلفزيونية الجديدة.

فيلم (فرونتيرا) هو الفيلم الروائي الطويل الأول لمخرجه وكاتبه مايكل بيري، بعد فيلمين قصيرين نالا نجاحا نقديا، وبعد عدة تجارب في التمثيل المسرحي والسينمائي، وبرغم تواضع خبرته السينمائية، إلا أنه نجح في تقديم صورة سينمائية ملفتة للحدود على الجانبين الأمريكي والمكسيكي، وبرغم تعثره أحيانا مع شريكه في كتابة السيناريو لويس مولينيه الثالث، وتقصيرهما في تقديم خلفيات أكثر تعمقا في شخصيات الفيلم الشريرة إن صح التعبير، لمساعدتنا أكثر على تفسير أفعالهم، بدلا من الاعتماد على فكرة عبثية الحياة التي تدفع الجميع إلى ما يقومون به من تصرفات، إلا أنه يحسب لهما أن الفيلم لم يقع في فخ تصوير المهاجرين بوصفهم ملائكة يتعرضون دائما للظلم من قبل المواطنين، فقد صوّر كيف يقوم بعض الذين سبق لهم عبور الحدود، بالتحول إلى وحوش يفترسون أبناء وطنهم القادمين لتحقيق أحلامهم، وهو ما حدث للزوجة ـ إيفا لانجوريا ـ حين سمعت بالقبض على زوجها، فقررت أن تعبر الحدود لنجدته، فتعرضت برغم حملها للإختطاف والإغتصاب مما تسبب في إجهاضها، في سلسلة مشاهد مقبضة أدتها إيفا لانجوريا ببراعة شديدة.

حماس مايكل بيري لتحقيق الفيلم بدأ مبكرا، منذ نشأته في أريزونا، هو وشريكه في الكتابة، والذي خاض تجربة عبور الحدود بنفسه، وكان صاحب فكرة كتابة فيلم عن حياة الكثير من الشخصيات التي رآها الإثنان خلال وجودهما في أريزونا، سواءا كانت شخصيات المهاجرين أو شخصيات المقيمين في المنطقة الذين تتنوع مواقفهم تجاه عبور الحدود بين العدائية تجاه المهاجرين والقبول بوجودهم، وبعد انتهاء الإثنين من كتابة السيناريو عرضه مايكل بيري، على إيد هاريس وزوجته إيمي موديجان، متمنيا عليهما أن يلعبا دور الزوجين، فأحب الإثنان السيناريو، كما أحبا فكرة العمل معا، وربما كانت فكرة أنهما زوجين متحابين في الحقيقة، عاملا إضافيا في إخراج مشهد عثور الزوج على زوجته مقتولة، بكل ذلك الصدق الآسر، وإن كان إيد هاريس في حوار له يقلل من أثر ذلك على أدائه، مؤكدا أنه كان سيجتهد في تحقيق نفس النتيجة، مع ممثلة لم يرها من قبل.

أعجبتني كثيرا النهاية التي قدمها المخرج للفيلم، فقد جاءت متسقة مع الفكرة الجوهرية التي يعبر عنها الفيلم، وهي أنه تحت دعوى حماية حدود الوطن، وبإسم الحفاظ على القانون، تتم ارتكاب أشياء لا علاقة بها بالقانون ولا بالوطنية، وأعجبني قدرة مايكل بيري على تحويل مسار شخصية بطل الفيلم، من شخص يتحفظ على وجود المهاجرين، إلى شخص يعتبرهم أعداءه والمسئولين عن قتل زوجته، ثم إلى شخص ينحاز ضد أبناء وطنه لإنصاف المهاجرين إذا لزم الأمر، دون أن تكون هناك خطب أو مواعظ، ومع أن الفيلم كان يحتاج إلى بعض من التعمق في تقديم كافة شخصياته، إلا أن النتيجة التي قدمها تظل متميزة بالنسبة لشخص يمارس الكتابة والإخراج لأول مرة، وقد أسعدني أن أقرأ أنه حصل على فرصة إخراج فيلم موسيقي، بسبب نجاحه في هذا الفيلم، وقد شاركت في بطولة مشروعه الجديد بطلة فيلمه إيمي موديجان أيضا، ولعله يستطيع في هذا الفيلم أن يضع الكثير من خبراته كممثل في العديد من مسرحيات برودواي الموسيقية الناجحة، ويثبت قدرته على تقديم أفلام مبهجة، مثلما برع إلى حد كبير في تقديم هذه القصة الحزينة التي تروي جانبا من تعب الحياة الذي لا يتجلى في أبشع صوره مثلما يتجلى على الحدود.