تظاهرات العراق: 5 أشهر من تحطيم القيود والمعادلات

02 مارس 2020
الصورة
أنهت تظاهرات العراق شهرها الخامس (مرتضى السوداني/الأناضول)
+ الخط -
في بلدٍ مثل العراق، نادراً ما تجد حدثاً يحظى بإجماعٍ شعبي من مختلف أطياف ومكونات بلاد الرافدين، مثلما فعلت التظاهرات العراقية، المستمرة منذ الأول من أكتوبر/تشرين الأول الماضي. هذه التظاهرات نجحت في تخطي كل توقعات وتحليلات الباحثين والمراقبين، وحتى المسؤولين العراقيين، والتي خرجت في أول أيام انطلاقتها، في ما يتعلق بقدرتها على الاستمرار، أو إمكانية تحقيقها تغييرات في المعادلة السياسية العامة في البلاد، عدا عن الاجتهاد بوصفها تظاهرات مطلبية تتعلق بالخدمات، أو مرحلية، إذ وصفها بعضهم بأنها "فورة"، من دون أن يفوّت آخرون ربطها بقوى سياسية، ونزع شعبيتها وعفويتها عنها.

الثورة العراقية، كما يحلو لمتظاهري كربلاء والناصرية والبصرة تسميتها، أو انتفاضة تشرين، كما أطلق عليها محتجو المثنى وميسان والنجف، أو "ثورة الوعي"، كما يُسميها اليوم المعتصمون في ساحة التحرير بالعاصمة بغداد، يسرد ناشطون ومراقبون عراقيون سلسلةً طويلة من النتائج التي حصدتها، بالتزامن مع دخولها شهرها السادس. وتتوزع هذه النتائج في سياقات عدّة، سياسية واجتماعية، وحتى اقتصادية، على الرغم من الغصّة التي يحملها سكان ميادين التظاهر بسبب فقدانهم زملاء لهم خسروا حياتهم خلال الأشهر الماضية، لا سيما من خلال القمع والاغتيال، وهي حصيلةٌ تُواصل السلطات العراقية حجبها، باستثناء ما يجري تسريبه بين الفينة والأخرى.

وتشير آخر التسريبات في هذا الإطار إلى أن عدد ضحايا تظاهرات العراق قارب الـ650 ضحية، أصغرهم فتى في الثانية عشرة من عمره توفي بمدينة الناصرية، وأكبرهم شيخ سبعيني سقط في كربلاء. وللنساء نصيبٌ في ذلك، كما هي العادة في كل القضايا العراقية المصيرية، إذ تشير سجلات وزارة الصحة إلى أن من بين القتلى نحو 10 سيدات، بينهن مسعفات وطالبات جامعيات وناشطات. وآخر هؤلاء الضحايا متظاهرةٌ سقطت في البصرة، أطلق عليها اسم "راهبة البصرة"، بعدما اشتهرت بتقديمها الإسعافات الأولية للمتظاهرين وإعداد الطعام للمعتصمين، وتمّ تشييعها في موكب مهيب من خيمتها وسط ساحة البحرية في المدينة إلى مثواها الأخير في وادي السلام بمدينة النجف.



محمد شيّاع السوادني، والذي كان أحد أبرز المرشحين لتولي رئاسة الحكومة العراقية بعد عادل عبد المهدي وحكومته التي أسقطتها التظاهرات، يُقرّ بإيجابية الحراك، على الرغم من رفض ساحات التظاهر اسمه، ورفع الناشطين شعارات ضد تسلمه رئاسة الحكومة. وفي حديثٍ لـ"العربي الجديد"، يقول السوداني إن "تظاهرات أكتوبر هي حراك شعبي يمثل حالة متنامية من الوعي العراقي، ولا يمكن فصلها عن تظاهرات الأعوام 2011 و2015 و2017، وهي بالمجمل تمثل حراك الجيل الشاب، في فترة استشرت فيها أزمات العراق من بطالة وفقر وفساد إداري ومالي وسوء خدمات وغياب العدالة وضعف سلطة القانون". وبرأيه، فإن هذا الجيل "يتواصل مع العالم، ويراقب تطور الشعوب وتقدمها، فيما يرى أن بلاده لا تزال غارقة بمشاكلها، طارحاً سؤالاً دائماً حول السبب وراء ذلك".

ويعتبر السوداني أن "القوى السياسية العراقية، من جهتها، لم تستمع لصوت هذا الجيل، بل ذهبت إلى تشكيل حكومة عبد المهدي، التي هيمنت عليها كتل محددة عن طريق المحاصصة، مثبتةً بذلك سلطتها، التي نخرت فساداً ومحسوبية واستيلاءً على المال العام، وتمدداً على حساب مؤسسات الدولة، ما أفقد الأخيرة هيبتها، فكان أن اندلعت انتفاضة أكتوبر". ويلفت السياسي العراقي إلى أن "التظاهرات بدأت بمطالب خدمية بسيطة، لكنها انتهت بمطالب سياسية وإصلاحية جذرية، وهو ما أكسبها احترام أطياف المجتمع، وتفاعل المرأة وكبار السن ومختلف الطبقات من عشائر وغيرهم معها".

وحول أبرز نتائج الانتفاضة، يعتبر السوداني أنها "أفرزت غلبة الهوية العراقية الوطنية على باقي الهويات الفرعية القومية والمذهبية والمناطقية، ليصبح الشعور الوطني هو السائد في البلاد، مع رفع شعار نريد وطناً، تسود فيه السيادة والعدالة والمساواة والكرامة، وطن يحفظ حقوق الجميع". ومن منجزات الحراك أيضاً، برأيه، "تحقق إصلاحات سياسية ما كانت لتتحقق لولا التظاهرات، فصار الحديث علنياً عن تعديل الدستور وتشكيل لجنة حوله، كما أن الإصلاحات ذهبت إلى بحث قوانين مفصلية مهمة ما كان لها أن تشرع لولا الحراك، مثل قانون انتخابات مجلس النواب، وقانون مفوضية الانتخابات، بعدما كان يتم تعيين ممثلي الأحزاب في المفوضية من دون الثقة بنزاهة الانتخابات التي تجريها، وكذلك قانون الانتخابات الجديد الذي أجهض الآلية السابقة". أما ما يَلزم، فهو "حاجة الحراك إلى صياغة أهداف محددة، والتحول إلى فاعلٍ سياسي ليؤمن حضوره في الانتخابات المبكرة"، على حدّ قوله. ويرى السوداني، في هذا السياق، أنه "للوصول إلى ترجمة حقيقية لهذا الحراك، فمن المهم أن يكون فاعلاً في البرلمان وفي مؤسسات الدولة ليصبح شريكاً في عملية الإصلاح حتى الوصول إلى الهدف المنشود، وهو دولة ذات سيادة تمتلك القرار الوطني، وتبني مؤسسات تحمي كل المواطنين بعيداً عن سطوة أي فريق، وهو الهدف الذي ينادي به الجميع"، مؤكداً أخيراً أن "أهداف الاحتجاجات ستتحقق إذا ترجم الحراك لعمل سياسي في المستقبل".

من جهته، يرى الشيخ محمد عباس التميمي، وهو أحد زعماء القبائل البارزة في البصرة، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن التظاهرات أثبتت أن الشعب حيّ، إذ إنها لا تزال متواصلة على الرغم من حملات القمع والتنكيل، ومحاولات جرّها إلى العنف واللاسلمية، وهو ما لم ينجر إليه الشباب المتظاهر على الرغم من توفر السلاح بكثرة في الشارع العراقي". ويقول التميمي "كسبنا الكثير خلال التظاهرات، ولولا سقوط الشهداء والمصابين، لكان أمكن القول إنها عرس عراقي شعبي". كذلك يتحدث عن "كسب شبان وطنيين لا طائفيين، ونزيهين، يحلمون بوطن من دون عملاء لإيران أو للأميركيين، والأهم اكتشاف أن الطبقة السياسية ليست مصيراً حتمياً على العراقيين، إذ لا يمكن استبدال (الرئيس العراقي الراحل) صدام حسين بنسخ منه، وعلى هيئات مختلفة"، معتبراً بالأخص أن الجنوب العراقي "أثبت عروبته وعدم تبعيته، وأنه سيّد نفسه، ومنه القادسية، وفيه أهل ذي قار".

وفي بغداد، يرى الناشط علي غالب، أن التظاهرات العراقية أفرزت مشهداً جديداً داخل المجتمع والعملية السياسية، مبيناً في حديث لـ"العربي الجديد"، أنها "أعادت ثقة الشعب العراقي بنفسه وقدرته على التغيير، بعدما ظلّ الشارع مُسّيراً منذ الغزو الأميركي، لكنه اليوم فاعل أو طرف جديد في المعادلة السياسية، والدليل ارتباك القوى السياسية اليوم وهلعها من الانتخابات المقبلة". أما مستقبلاً، فيعتبر غالب أن "نجاح الشعب في إدارة التظاهرات الحالية، يعني بالضرورة نجاحه في إدارة أخرى أكبر". ومقارناً إنجازات الحراك بنشاطات سياسية حصلت في السابق، يرى الناشط العراقي أن "التظاهرات تمكنت من تحقيق ما عجزت عنه هيئة المصالحة الوطنية ومؤتمرات وورش وندوات ما يعرف بالمصالحة، والتي استهلكت مئات الملايين من الدولارات منذ عام 2006".

وحول عمر التظاهرات، يؤكد عباس جمعة الوائلي، الناشط في الناصرية عاصمة محافظة ذي قار جنوبي البلاد، وهي الأنشط في خريطة التظاهرات العراقية، أن هناك رغبة لدى جزء كبير من المتظاهرين باستمرار التظاهر، حتى لو جرى تنفيذ كل مطالبهم، ذلك لأن الحراك "جرف الكثير من رواسب الاحتلال الأميركي".

ويختم الوائلي، الذي يحرص على عرض صور موجودة في هاتفه كان التقطها في أول أيام التظاهر حين أصيب برصاصة في الكتف، بقوله في حديثه لـ"العربي الجديد"، إن "العراق قبل التظاهرات ليس كما بعده"، لافتاً إلى أنه لم يتوقع يوماً اهتمام الشارع العربي بأحداث بلده، خصوصاً ما يجري في المحافظات الجنوبية، لكن "تفاعل المواطنين العرب وتعاطفهم مع ضحايانا وتشجعيهم لنا عبر مواقع التواصل، أثبت قربنا من بعضنا بعضا، بعكس الصورة التي تكونت لدى أغلبنا عبر الإعلام الحزبي الطائفي في العراق".



ويسرد ناشطون ومراقبون عراقيون لائحةً طويلة من العوائد الإيجابية للتظاهرات منذ انطلاقها، لعل أبرزها ارتفاع أسهم الهوية الوطنية وتراجع ما يطلق عليه العراقيون وصف "دكاكين الطوائف"، والخطاب القائم على التخندق المذهبي والمناطقي، والذي عادة ما يكون مشحوناً بعبارات الكراهية والعنصرية والتمييز. ومن المعروف، على سبيل المثال، أن المرابطين في ساحة التحرير في بغداد، صار عدد أيام مبيتهم في الساحة التي يتهددها القمع الحكومي أو هجمات الجماعات المسلحة الرافضة للتظاهرات، معياراً لدرجة الولاء للوطن، ولا شيء عداه. ومن أهم الإنجازات أيضاً، بحسب ناشطين ومراقبين، إسقاط ما يمكن اعتباره رمزية زعامات سياسية، وحتى دينية، مع رفع شعار "لا مقدس إلا الوطن". وتراجعت هالة الكثير من الزعامات السياسية، واضمحلت مكانة قيادات أخرى، فضلاً عن زعامات دينية ومليشياوية عدة. وترجمت هذه الظاهرة بإحراق 178 مقراً ومكتباً وممثلية لأحزاب وحركات سياسية وفصائل مسلحة في وسط وجنوب العراق، بحسب بيانات وزارتي الداخلية وقيادة العمليات العراقية المشتركة.

ولعل من أهم ما أفرزه الحراك الشعبي في العراق، استعادة الصورة الحقيقية للمجتمع الجنوبي في هذا البلد، والتي كانت ساهمت بتشكيلها وسائل إعلام أجنبية وعربية، ومنها إيرانية، في ما يتعلق بالولاء لطهران أو القبول بالنفوذ والهيمنة الإيرانية في الجنوب العراقي. أولى الصور التي أحرقت للمرشد الإيراني علي خامنئي كانت في كربلاء والنجف، المدينتين العراقيتين المقدستين، واللتين فيهما أيضاً هاجم المتظاهرون القنصليتين الإيرانيتين، فأحرقت تلك التي في النجف وأغلقت الأخرى في كربلاء، بعد تسلق المتظاهرين أسوارها وإحراق علم إيران ورفع العلم العراقي بدلاً منه. كما انتشرت في الجنوب العراقي لافتات رافضة للتدخل الإيراني على وجه الخصوص، وتهاجم زعيم "فيلق القدس" في الحرس الثوري قاسم سليماني، الذي قتل بداية العام الحالي بغارة أميركية في بغداد، وكذلك خامنئي.

ومن نتائج التظاهرات العراقية، مع دخولها شهرها السادس، عدا عن إسقاط حكومة عبد المهدي أو رضوخ البرلمان لسنّ قوانين جديدة للانتخابات ومفوضية الانتخابات وتعديل الدستور، هي كسر معادلة عراقية ترسخت منذ عام 2011، وهي أنه لا تظاهرة تخرج من دون دعم سياسي من أحد أطراف اللعبة. وكان المقصود بذلك "التيار الصدري"، ومن بعده الحزب الشيوعي العراقي، صاحب الكوادر المهيأة فكرياً وتنظيمياً في بغداد والجنوب. لكن التظاهرات الحالية انطلقت بعفوية، أبطالها مجموعة شبان أطلقوا دعوات على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، ليجدوا أن من كان ينتظرهم في المنطقة المحصورة بين ساحتي الطيران والتحرير وسط بغداد أكثر بأضعاف مما توقعوا، مستجيبين لدعوة التظاهر في الأول من أكتوبر الماضي. وأدى قمع السلطات لهؤلاء الناشطين لاحقاً إلى اتساع رقعة المشاركين في التظاهرات، لتنتقل في ساعات قليلة ومنذ اليوم الأول، عبر الأثير إلى كربلاء والنجف وذي قار والبصرة وباقي مدن الجنوب. هذه المعطيات تجعل الشارع العراقي اليوم في موقف المسيطر أو اللاعب الفاعل، إذ إنه حتى وإن طويت صفحة الحراك، بات سهلاً خروج العراقيين ذاتهم في أي وقت، حيث يعود لهم وحدهم تحديد المكان والزمان، فيما تقف الأحزاب والقوى السياسية في موقع الدفاع أو تبرير الأخطاء، كما هي الحال منذ انطلاق التظاهرات.

ولا يفوت المتابع للشأن العراقي في هذه الأيام، أن يرصد عودة لافتة للبضائع العراقية إلى السوق المحلية، بعد حملات دعم المنتج الوطني الذي رفعت من أجله شعارات عدة خلال التظاهرات. وفي هذا الإطار، تذكر غرفة تجارة بغداد، أن المنتج العراقي بات مفضلاً على الإيراني أو التركي. ويؤكد عضو الغرفة محمد حسين فاضل في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الطلب يتصاعد على الإنتاج العراقي من قبل المواطنين، معيداً سببه إلى "الشعور الوطني المتنامي، والذي يتماشى مع واقع التظاهرات".

المساهمون