تظاهرات العراق: خطة جديدة للنظام لإخماد الحراك

بغداد
زيد سالم
ذي قار
محمد علي
10 نوفمبر 2019
تواجه التظاهرات العراقية التي انطلقت في مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي، مرحلة هي الأخطر عليها، مع توجّه السلطة الحاكمة إلى خيار القوة لإخمادها، بعدما استنفدت كل الوعود الإصلاحية والتي لم تؤدِ إلى وقف الاحتجاجات بل اتسعت دائرتها وأعداد المشاركين فيها، ليتجه النظام الحاكم إلى إقرار خطة لإنهاء الحراك الشعبي، مع التمسك ببقاء رئيس الحكومة عادل عبد المهدي في منصبه، لتبرز سريعاً أمس بوادر الخطة في الشارع عبر تصعيد القمع ضد المتظاهرين.

وكشف مسؤول عراقي رفيع، طلب عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد"، عن تقديم مسؤولين في مكتب رئيس الوزراء وبدعم من قيادات سياسية عراقية محسوبة على تحالف "الفتح"، وهو الجناح السياسي الأكثر التصاقاً بإيران في العراق، خطة من مراحل متعددة لمواجهة التظاهرات. وأوضح أن الحلقة الضيقة في مكتب عبد المهدي، وبدعم من قيادات تحالف "الفتح"، وشخصيات في "الحشد الشعبي"، قدّمت خطة جديدة من مراحل عدة لعبد المهدي لمواجهة التظاهرات، تنتهي بإخمادها بشكل كامل. وتُطلَق صفة الحلقة الضيقة في مكتب عبد المهدي على مدير مكتبه أبو جهاد الهاشمي، ومسؤولين آخرين في مكتبه مثل مستشاره لشؤون "الحشد" أبو منتظر الحسيني، ووزير الأمن الوطني فالح الفياض وآخرين معروفين بعلاقتهم الوثيقة مع إيران.

وكشف المسؤول أن الخطة تتضمن استمرار قطع الإنترنت مع استمرار إغلاق الطرق بالكتل الإسمنتية وحصر التظاهرات والاعتصامات في مناطق محددة وعدم السماح بتوسعها، مع مواصلة الرقابة على وسائل الإعلام والنشر، وتنفيذ حملات اعتقالات واسعة تستهدف المؤثرين في التظاهرات، وفي نهاية الخطة أو الإجراءات فإن الاعتصامات والتظاهرات ستواجه بالقوة لتشتيتها وإضعافها تدريجياً، مضيفاً أن النجف وكربلاء قد يتم استثناؤهما من بعض الإجراءات لقدسية المدينتين وحساسية وضعهما. ولفت إلى أن الكثير مما ذكر في الخطة يُنفذ حالياً، محذراً في الوقت نفسه من أنها قد تتسبّب بسقوط ضحايا أكثر من الذين سقطوا في الفترة الماضية من عمر التظاهرات.
ووفقاً للمسؤول ذاته، فإن عبد المهدي سيمرر الخطة في حال استمرار التظاهرات عبر خلية الأزمة الحكومية، ليتقاسم المسؤولية مع وزراء الدفاع نجاح الشمري والداخلية ياسين الياسري والأمن الوطني فالح الفياض وجهاز المخابرات مصطفى الكاظمي والقيادات الأمنية الأخرى، وهم بطبيعة الحال يتبعون أحزاباً وكتلاً سياسية مختلفة.

وفي السياق نفسه، نقلت وكالة "فرانس برس" عن مصادر أن "الأحزاب السياسية اتفقت خلال اجتماع ضم غالبية قيادات الكتل الكبيرة على التمسك بعبد المهدي والتمسك بالسلطة مقابل إجراء إصلاحات في ملفات مكافحة الفساد وتعديلات دستورية". وأضافت أن الأطراف اتفقت أيضاً على "دعم الحكومة في إنهاء الاحتجاجات بالوسائل المتاحة كافة". ويبدو أن هناك توجهاً قديماً متجدداً إلى إعادة ترميم البيت الشيعي على أن يكون بمثابة تحالف وطني، وفق المصادر نفسها. ولفتت مصادر سياسية لـ"فرانس برس" أيضاً إلى أن الاتفاق بين الأطراف المعنية "بمن فيهم سائرون والحكمة" جاء بعد "لقاء (قائد فيلق القدس) قاسم سليماني بمقتدى الصدر ومحمد رضا السيستاني (نجل علي السيستاني) والذي تمخض عنه الاتفاق على أن يبقى عبد المهدي في منصبه". وأكدت المصادر أن الطرف الوحيد الذي رفض الاتفاق هو تحالف "النصر" بزعامة رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، الذي يرى أن الحل الوحيد للأزمة هو رحيل عبد المهدي.

في المقابل، عاد عبد المهدي لمحاولة دفع الناس للخروج من الشوارع بإطلاق تعهدات بتنفيذ إصلاحات وإجراء تعديل وزاري. وفي بيان صادر عنه، تعهد عبد المهدي "بإجراء تغييرات وزارية شاملة استجابة لمطالب المتظاهرين"، معتبراً أن "مرحلة ما بعد 2003 قد شهدت احتكاراً وتحاصصاً للسلطة عبر النظم الانتخابية المصممة تصميماً خاصاً تمنع التداول الحقيقي للسلطة الذي يجدد من شباب عمر الدولة، مما جعل البلاد أسيرة مسارات مغلقة تمنعها من التقدم وتشيع الفساد والمحسوبية والفوضى"، مضيفاً أن هناك "خطوات عديدة لإصلاح النظام الانتخابي والمفوضية، سيتم طرحها خلال الأيام القليلة المقبلة، وأن أهم عامل قد ساعد وسيساعد هو قبول القوى السياسية تصحيح هذه المسارات نتيجة الضغط الجماهيري والمرجعي لتحقيق ذلك".

وحول قطع الإنترنت، لفت إلى أن "قطع شبكة الإنترنت في العراق مؤقت وجاء لمنع استخدامها في الترويج للعنف والكراهية والتآمر على الوطن"، متعهداً بحزم إصلاحات أخرى جديدة منها "اعتماد جدول لتخفيض رواتب كبار المسؤولين إلى النصف، وكذلك تعديلات في سلم الرواتب لإنصاف الشرائح الدنيا وتحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية وتطبيق نظام التعويضات الاجتماعية الذي من شأنه ألا يترك عراقياً تحت مستوى خط الفقر، وتطبيق الضمان الاجتماعي وحقوق العمل والتقاعد ليتساوى العاملون في القطاع الخاص مع القطاع العام، وكذلك سنستمر بتنفيذ حزمة الإصلاحات ومنع أي سلاح خارج الدولة ويتم اعتبار أي كيان مسلح يعمل خارج سيطرة الدولة غير قانوني وتتم محاربته، وكذلك ما صدر بخصوص محاربة الفساد وملاحقة تضخم ثروات المسؤولين وإحالة كل من يجب إحالته إلى المحكمة المركزية العليا لمحاربة الفساد، وحل قضايا البطالة وتوزيع الأراضي وتحسين الخدمات وتوفير المزيد من العدالة والتوجه نحو المشاريع في القطاعات الحقيقية ومحاربة الفوضى وغيرها".


وأوضح بيان عبد المهدي، الذي قال في بدايته إنه جوابي على خطبة المرجعية الدينية في النجف (علي السيستاني) الجمعة، "استمعت جماهير شعبنا إلى خطاب المرجعية الدينية العليا في النجف وقد جاء الخطاب تأكيدا على حق المتظاهرين بالتعبير عن رأيهم بكل حرية واطمئنان، وفي عزل العناصر المخربة والجهات الداخلية والخارجية التي تريد حرف مسيرة التظاهرات، ونتفق تماماً أن هناك خللاً كبيراً يستدعي إصلاحاً كبيراً"، مضيفاً أن "الحكومة تعتبر التظاهرات من أهم الأحداث التي مرت بالبلاد بعد 2003، وستعمل ما في وسعها لنجاح مطالب المتظاهرين"، كما أنها "ساعدت وستساعد في الضغط على القوى السياسية والحكومة والسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لتصحيح المسارات وقبول التغييرات".
وتعهد بأن الحكومة "ستواصل مع السلطات القضائية التحقيق في قضايا الشهداء والجرحى من المتظاهرين والقوات، ولن تبقي معتقلاً من المتظاهرين وستقدم للمحاكمة من تثبت عليه جرائم جنائية ومن أي طرف كان، وستلاحق كل من يعتدي أو يختطف أو يعتقل خارج إطار القانون والسلطات القضائية، وستمنح الحكومة الشهداء حقهم الكامل، وكذلك سترعى الجرحى بكل ما لديها من إمكانيات وطاقات".

وتعليقاً على هذه التطورات، أكد عضو التحالف المدني، محمد عباس الموسوي، أن "الكتل بدأت ترضخ لضغوط إيرانية بشأن حكومة عبد المهدي والتظاهرات ككل"، معتبراً في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "هذا الرضوخ أو التجاوب يزيد من عزلتها داخل العراق، لتتحول إلى أحزاب مفروضة وغير متعايشة مع العراقيين". فيما قال المتحدث باسم تحالف "الفتح"، أحمد الأسدي، الذي شغل لسنوات منصب المتحدث باسم "الحشد الشعبي"، إن تحالف "الفتح" يدعم الحكومة "والبدء بإجراء التعديلات الدستورية في كل القضايا وتنفيذ الإصلاحات"، مضيفاً في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية أن تحالفه "يساند الأجهزة الأمنية والمتظاهرين السلميين".

وبدا أن الخطة الجديدة ستُترجم سريعاً في الشارع، إذ صعّدت القوات العراقية بعد ظهر أمس من قمعها المتظاهرين، وتمكّنت من إحكام سيطرتها بشكل كامل على جسري السنك والأحرار وسط العاصمة بغداد، بعد إطلاق كثيف لقنابل الغاز والذخيرة، التي أسفرت عن سقوط عشرات المصابين بفعل الاختناق أو الإصابات المباشرة بالرصاص، إضافة إلى تفريق المتظاهرين في ساحة الخلاني، وتنفيذ حملة اعتقالات في الشارع المؤدي إليها المعروف باسم شارع الشيخ الكيلاني. فيما تواصلت التظاهرات في ساحة التحرير والمناطق القريبة منها، وهو الأمر نفسه في البصرة وذي قار وواسط وكربلاء ومدن أخرى تشهد الميادين والساحات العامة تظاهرات وتجمّعات لمئات المواطنين. وأفاد مراسل "العربي الجديد" أن آلاف العراقيين توافدوا على ساحة التحرير في بغداد مساء بعد أنباء عن نوايا السلطة لاقتحامها.

ونقلت وكالة "أسوشييتد برس" عن مسؤولي أمن وصحة عراقيين قولهم إن أربعة محتجين قُتلوا وأصيب 108 آخرون في العاصمة بغداد بعد ظهر أمس. فيما أكد ناشطون وشهود عيان لـ"العربي الجديد" إحراق قوات الأمن لعدد كبير من عربات "التكتك" الخاصة بالمتظاهرين، عدا عن قيامها بقطع الطرق المؤدية إلى بداية جسري السنك والأحرار بعد سيطرتها على المكانين بشكل كامل.

ذات صلة

الصورة

سياسة

دعا الكرملين تركيا، اليوم الثلاثاء، إلى العمل من أجل وقف إطلاق النار في ناغورنو كاراباخ، حيث أسفرت المعارك بين انفصاليين أرمن وأذربيجان إلى سقوط أكثر من مئة قتيل منذ الأحد، في وقت أكدت تركيا وقوفها إلى جانب أذربيجان سواء في الميدان أو المفاوضات.
الصورة

سياسة

مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لثورة تشرين العراقية، التي انطلقت في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2019، وعمّت أغلب المحافظات، أطلق ناشطون هاشتاغ "بعدنا (مازلنا) نريد وطن" متعهدين باستمرار الثورة، وعدم التراجع عنها حتى تحقيق أهدافها.
الصورة

سياسة

قالت أرمينيا وأذربيجان إنهما نشرتا مدفعية ثقيلة اليوم الثلاثاء، في أحدث جولات القتال بينهما، بسبب منطقة ناغورنو كاراباخ، في وقت طالبت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الطرفين بالوقف الفوري لإطلاق النار، والعودة إلى طاولة المفاوضات.
الصورة
سياسة/القوات العراقية/(أوزين جولا/الأناضول)

سياسة

أعلنت السلطات الأمنية العراقية، اليوم الخميس، انطلاق عملية تفتيش واسعة لملاحقة بقايا مسلحي تنظيم "داعش" الإرهابي، في الحدود المشتركة بين محافظتي ديالى وصلاح الدين، شمال شرقي البلاد، واللتين تشهدان تراجعاً بالملف الأمني خلال الفترة الأخيرة.