تصعيد مضبوط في الخليج: واشنطن تدعو طهران للتفاوض

15 يونيو 2019
الصورة
دعم لإيران من حلفائها (فرانس برس)


مع انزلاق منطقة الخليج إلى مزيد من التوترات، ووسط المخاوف من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة عسكرية، بعد توجيه الولايات المتحدة الاتهام لإيران بالمسؤولية عن استهداف ناقلتي النفط في خليج عُمان، أمس الأول الخميس، وبالتوازي مع استمرار هجمات الحوثيين على مطار أبها السعودي، كانت المواقف تدل على عدم سعي واشنطن لحرب مع طهران، مع تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مستعد لمحادثات مع إيران عندما تكون هي مستعدة، وتقليله من احتمال إغلاق مضيق هرمز. بالتوازي، كانت معظم المواقف تدعو للحوار والتهدئة وضبط النفس، باستثناء الإمارات التي كانت تطالب المجتمع الدولي "بالتحرك لضمان الأمن والاستقرار الإقليمي".

وأكد ترامب في حديث لقناة "فوكس نيوز"، أمس، أن الهجوم على ناقلتي النفط في بحر عُمان "يحمل بصمات" إيران. وقال "طهران قامت بهذا الأمر"، مضيفاً "نرى السفينة، مع لغم لم ينفجر، وهذا يحمل بصمات إيران"، مستنداً إلى شريط فيديو نشره الجيش الأميركي. وقلل ترامب من مخاطر قيام إيران بتنفيذ تهديداتها السابقة بإغلاق مضيق هرمز الذي يعتبر ممراً حيوياً لإمدادات النفط العالمية. وقال "لن يقوموا بإغلاقه، لن يغلق، لن يغلق لفترة طويلة وهم يعلمون ذلك. ولقد أبلغوا بذلك بأشد العبارات". في المقابل، أعلن ترامب أنه مستعد لعقد محادثات مع طهران وقتما تكون مستعدة لذلك. وقال "نريد أن نعيدهم لطاولة التفاوض... أنا مستعد عندما يكونون مستعدين... لست في عجلة". ورداً على سؤال بشأن كيف يعتزم التعامل مع طهران ومنع تكرار مثل تلك الحوادث مستقبلاً، قال "سنرى ما سيحدث". وشدد على أن إيران لن تمتلك أسلحة نووية، معلناً أن بلاده تريد إعادتها إلى طاولة المفاوضات.

جاء كلام ترامب بعدما اتهم وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في تصريح للصحافيين في واشنطن، ليل الخميس الجمعة، طهران بالوقوف خلف الهجومين. وقال إنّ الأحداث الأخيرة "تمثّل تهديداً واضحاً للأمن والسلم الدوليين، وهجوماً فاضحاً على حرية الملاحة وتصعيداً للتوترات من جانب إيران غير مقبول".

كما نشرت القيادة الوسطى في الجيش الأميركي، ليل الخميس، تسجيلاً مصوّراً بالأبيض والأسود قالت إنّه يظهر دورية بحرية إيرانية تقوم بإزالة "لغم لم ينفجر" من على جسم إحدى الناقلتين، مشدّدة في بيان على أن الولايات المتحدة "لا تريد حرباً" مع إيران، لكنها "ستدافع عن مصالحها". وقال المتحدث باسم القيادة المركزية للجيش الأميركي بيل أوربان، إن الولايات المتحدة ستدافع عن مصالحها، محذراً من أن هجمات الخميس هي تهديد لحرية الملاحة الدولية وحرية التجارة، لكنه أضاف "ليست لدينا مصلحة في خوض صراع جديد في الشرق الأوسط". وتابع "مع ذلك سندافع عن مصالحنا". نشر هذه الصور يظهر الجهود الأميركية لإقناع المجتمع الدولي بمسؤولية إيران عن الهجمات على الناقلة اليابانية "كوكوكا كاريدجس" والناقلة النرويجية "فرنت ألتير".

في السياق، اعتبر وزير الخارجية البريطاني جيريمي هنت، أنه ليس هناك ما يدعو لعدم الاقتناع بالتقييم الأميركي بأن إيران وراء الهجوم. وقال هنت لهيئة الإذاعة البريطانية (بي. بي. سي): "سنجري تقييمنا الخاص المستقل. لدينا إجراءاتنا لعمل ذلك (لكن) ليس هناك ما يدعونا لعدم تصديق التقييم الأميركي... حدسنا يدعونا لتصديقه، لأنهم أقرب حلفائنا". بينما كان وزير الخارجية الألماني هايكو ماس يعتبر أن مقطع الفيديو الذي نشرته الولايات المتحدة لا يكفي لإثبات أن إيران تقف وراء الهجوم. وقال ماس للصحافيين خلال زيارة لأوسلو "مقطع الفيديو لا يكفي. نستطيع أن نفهم ما يعرض بالطبع، لكن بالنسبة لي هذا لا يكفي لوضع تقييم نهائي".


في غضون ذلك، اتّهم الرئيس الإيراني حسن روحاني الولايات المتحدة بأنها "تهديد خطير للاستقرار" الإقليمي والدولي. وقال أثناء اجتماع لمنظمة شنغهاي للتعاون في بشكيك في قرغيزستان: "في العامين الأخيرين، تثبت إدارة الولايات المتحدة مقاربة عدائية وتشكل تهديداً خطيراً للاستقرار في المنطقة والعالم، عبر انتهاك كل القواعد الدولية". كما نقلت وسائل إعلام روسية عن روحاني قوله خلال الاجتماع إن الوضع في الشرق الأوسط يتطلب إقامة علاقات أوثق بين إيران وروسيا.

كما رد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على بومبيو في تغريدة على "تويتر"، معتبراً أن "انتهاز الولايات المتحدة فوراً الفرصة لتطلق مزاعم ضد إيران (من دون) دليل مادي أو ظرفي، يكشف بوضوح أنهم (واشنطن وحلفاءها العرب) انتقلوا إلى الخطة باء: التخريب الدبلوماسي وتمويه الإرهاب الاقتصادي ضد إيران". من جهته، شدّد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عباس موسوي، في بيان رسمي، "رداً على اتهامات الأميركيين التي لا أساس لها"، على أن إيران قامت "بمساعدة" السفينتين المنكوبتين و"بإنقاذ" طاقميهما. وقال إن "اتهام إيران بالحادثين المشبوهين والمؤسفين هو على ما يبدو أبسط ما يمكن أن يفعله (وزير الخارجية الأميركي مايك) بومبيو والسلطات الأميركية". وأكد أن بلاده "المسؤولة عن ضمان أمن مضيق هرمز"، قدّمت "المساعدة" للسفينتين و"أنقذت" طاقميهما.

وفيما لا يزال الغموض يلف كيفية حصول الهجوم على الناقلتين، بين الحديث عن هجوم بطوربيد أو ألغام بحرية، برز أمس قول رئيس شركة الشحن المشغلة لناقلة النفط اليابانية التي تعرضت للهجوم، إن "جسمين طائرين" ألحقا أضراراً بالناقلة. وأضاف رئيس شركة "كوكوكا سانجيو" يوتاكا كاتادا، في مؤتمر صحافي بطوكيو أمس: "الطاقم أبلغنا بأن جسماً طائراً اقترب من السفينة وأنهم وجدوا ثقبا... ثم شاهد بعض أفراد الطاقم الضربة الثانية". واستبعد كاتادا أن تكون السفينة التي تحمل 25 ألف طن من الميثانول قد أصيبت بقذيفة طوربيد. وقال إن أفراد الطاقم شاهدوا سفينة حربية إيرانية في المكان، ليل الخميس بتوقيت اليابان.
من جهتها، قالت مجموعة "فرونتلاين" النروجية، التي تعرضت إحدى سفنها للهجوم، إنّ البحارة الـ23 الذين كانوا على متن الناقلة في طريقهم (أمس) إلى ميناء بندر عباس الإيراني قبل نقلهم إلى بلدانهم. وبثت قناة "برس تي في" الإيرانية باللغة الإنكليزية مشاهد تظهر طاقم السفينة النروجية، مؤكدة أنهم "بكامل صحتهم". وقال واحد من كبار الضباط على السفينة وقدم نفسه كروسي إن "كل شيء على ما يرام".

في غضون ذلك، أعلن التحالف السعودي الإماراتي في اليمن أن القوات السعودية تمكنت، أمس، "من اعتراض وإسقاط خمس طائرات من دون طيار (مسيّرة) أطلقتها المليشيات الحوثية باتجاه مطار أبها الدولي ومحافظة خميس مشيط". وأضاف البيان أن المطار يعمل بصورة طبيعية، وليس هناك أي تأخير في الرحلات الجوية وحركة المسافرين. وكان تلفزيون المسيرة التابع للحوثيين قد ذكر في وقت سابق، أنهم شنوا هجوماً بالطائرات المسيرة على مطار أبها. وكان صاروخ أطلقه الحوثيون أصاب، الأربعاء، المطار المدني في أبها.

وأمام تصاعد التوتر، أجمعت معظم المواقف الدولية على ضرورة التزام التهدئة، باستثناء الإمارات، التي اعتبر وزيرها للشؤون الخارجية أنور قرقاش أن "الاعتداء على ناقلات النفط في خليج عمان واستهداف مطار أبها في السعودية تطور مقلق وتصعيد خطير"، قائلاً عبر "تويتر"، إن هذا "يستدعي تحرك المجتمع الدولي لضمان صون الأمن والاستقرار الإقليمي".
في المقابل، دعت روسيا إلى "ضبط النفس" و"عدم استخلاص نتائج متسرعة" بعد الهجمات على ناقلتي النفط. وقالت الخارجية الروسية في بيان: "ندين بشدة هذه الهجمات، بغض النظر عن المسؤول عنها. لكن من الضروري الامتناع عن استخلاص نتائج متسرعة".

كما دعت الصين، الجمعة، إلى "الحوار" غداة الهجوم. وقال المتحدث باسم الخارجية الصينية غينغ شوانغ في تصريح صحافي: "نأمل أن تتمكن كل الأطراف المعنية من تسوية خلافاتها بشكل ملائم وحلها عبر الحوار والمشاورات". وأضاف "هذا يتناسب مع مصالح دول المنطقة، لكن أيضاً مصالح المجموعة الدولية". وذكر أن الصين ستواصل حماية أمن الطاقة الخاص بها والحقوق القانونية لشركاتها. ونقلت الوزارة في وقت سابق عن الرئيس شي جين بينغ قوله لنظيره الإيراني حسن روحاني على هامش قمة منظمة شنغهاي، إن الصين ستسعى لتعزيز تطوير علاقاتها مع إيران بغض النظر عن التغيرات التي تطرأ على الوضع الدولي.
من جهته، دعا وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو إلى إجراء تحقيق جاد حول التوترات والأحداث الأخيرة التي وقعت في خليج عُمان، محذراً في تصريحات صحافية، أمس، من أخذ التطورات مساراً آخر في المنطقة.

كما أعلنت وزارة الخارجية العمانية أن مسقط تتابع "باهتمام بالغ" التصعيد العسكري والأحداث الميدانية المرتبطة بالحرب في اليمن ومنها الهجوم الذي تعرض له مطار أبها في السعودية. ونقلت الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون العمانية عن مصدر في الوزارة قوله إن عمان "تحث (الأطراف المعنية) على تجنب التصعيد... والتركيز خلال المرحلة المقبلة على المسار السياسي" لإنهاء الحرب في اليمن.