تصعيد إدلب برعاية روسيا وإيران: تعديل استراتيجية التحكم بالأرض

22 نوفمبر 2019
الصورة
مخيم قاح بعد قصف قوات النظام له(محمد عبدالله/الأناضول)
+ الخط -

ازدادت حدة التصعيد الروسي في محافظة إدلب في الشمال الغربي السوري خلال الأيام القليلة الماضية، باستهداف القرى والبلدات والأحياء السكنية فيها، لا سيما جنوب المحافظة بشقيه الغربي والشرقي، التي أودت بحياة العديد من الضحايا المدنيين. ولم تكد دماء الأطفال الذين قضوا في مجزرة قرية البارة بجبل الزاوية تجف، حتى كان يوم الأربعاء الماضي دموياً أكثر على أطفال معرة النعمان جنوبي إدلب ومخيم قاح للنازحين المتاخم للحدود السورية – التركية. وإذا كان التصعيد الجوي المكثف الذي بدأ في أواخر شهر إبريل/نيسان الماضي، يقف خلفه أساساً سلاح الجو الروسي، إضافة إلى دور كبير لطيران النظام، إلا أن الجديد هو سقوط صاروخ باليستي على مخيم قاح شمالي إدلب، ذكرت وسائل إعلام سورية معارضة أن مصدره هو قاعدة إيرانية في جبل عزان جنوبي حلب.

ولعل تكثيف الغارات الجوية خلال الأيام الأخيرة على ريف إدلب من قبل الروس، مرتبط بملفات عالقة بين روسيا وتركيا شرقي الفرات، وهما أساساً من الضامنين لاتفاقات إدلب المتعددة والمعقدة إلى جانب إيران. وهي ملفات تتعلق بضمان الروس للأكراد بإتمام الانسحاب من المنطقة المتفق عليها شرق الفرات خلال قمة سوتشي الشهر الماضي بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، التي أوقفت العملية العسكرية التركية مؤقتاً، وخففت من حدة معاركها في وقت لاحق.

وقد أشار وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو قبل أيام إلى أن الولايات المتحدة وروسيا لم تقوما بما يلزم بموجب الاتفاقات حول شمالي سورية، مؤكداً أنه في حال عدم الحصول على نتيجة بخصوص انسحاب "قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، فإن تركيا ستقوم بما يلزم مجدداً كما فعلت عندما أطلقت عمليتها العسكرية، وذلك تلميحاً بأن تركياً قد تستأنف العملية العسكرية، أو تبدأ عملاً عسكرياً جديداً لتحقيق أهدافها شمالي سورية.

وحيال ذلك، يرى المحلل السياسي التركي سمير صالحة في تصريح لـ"العربي الجديد" أن "هناك مشكلة أساسية في تنفيذ الاتفاقيات التركية – الروسية بعد العملية العسكرية التركية، فروسيا تحاول المناورة حتى في إطار هذه الاتفاقية ذاتها مع أكثر من لاعب محلي وإقليمي، وأنقرة لديها قلق أساسي أن يكون هناك تفاهمات أميركية – روسية تمّت بعيداً عن العيون فيما يخص تقاسم النفوذ وإعادة رسم الخرائط شمال سورية، تحديداً بما يتعلق بقسد أو حزب الاتحاد الديمقراطي، لذلك نراها على الدوام تلوح بمواصلة العملية العسكرية وهذا بالتأكيد لا يرضي الروس".

ويضيف صالحة أن "التصعيد الروسي الإيراني على إدلب هو محاولة لإعادة الضغط على تركيا باتجاه الإسراع في تنفيذ تفاهمات سوتشي وأستانة في ما يخص مجموعات (هيئة تحرير الشام - جبهة النصرة سابقاً) تحديداً، وهذه المجموعات كان واضحاً في الآونة الأخيرة أنها لن تغيّر من مواقفها وسياساتها في إدلب. وهذا يعني أنها جاهزة للدخول في المواجهة مع الروس والإيرانيين ومع النظام أيضاً، ولذلك هناك ضغط على أنقرة من قبل الروس والإيرانيين لحسم هذا الملف".

أما في ما يخص التصعيد الإيراني الجديد من خلال استهداف مخيم للنازحين قرب الحدود التركية، وقراءة أسبابه في ضوء المشهد المعقد شمالي سورية، فيرى المحلل التركي أن "إيران لا تريد أن تغادر شمالي غرب سورية، ويبدو أنها متمسكة في إنجاز مشروعها بالوصول إلى مياه البحر الأبيض المتوسط في إطار المشروع الاستراتيجي الإقليمي لإيران التي تريد أن تقول أيضاً، إنه ورغم كل الضغوطات التي تتعرض لها من قبل الولايات المتحدة، إلا أنها لا تزال موجودة على الأرض ميدانياً وسياسياً وعسكرياً، وهي تراهن على اصطفاف روسيا بجانبها في الملف السوري. ولعل إيران تتحسب الآن تحديداً من حصول تفاهمات تركية – أميركية على حسابها في سورية، لذلك نراها تحاول أن تسجل مواقف سياسية وميدانية وعسكرية جديدة، في الرد على أي تفاهمات قد تكون تمت فيما يخص شمال سورية".



وتعليقاً على هجوم النظام جنوبي شرق إدلب، لا سيما أن القوات المهاجمة باتت على مقربة من إحدى نقاط المراقبة التركية في قرية الصرمان قرب معرة النعمان يقول صالحة: "لا أظن أن النظام في دمشق يملك القوة الكافية والثقل للتحرك سياسياً وعسكرياً لتوسيع رقعة انتشاره في إدلب ومحيطها، لأنه كما نعلم هناك تفاهمات روسية ـ تركية - إيرانية سواء تحت سقف سوتشي أو أستانة، وما يقوم به النظام هو التحرك بقرار روسي – إيراني ليس أكثر، لمحاصرة أنقرة في إدلب ومحاولة الضغط أكثر عليها في شمال سورية ككل. وهو تحرك مرتبط بما يجري في شرق سورية". ويعرب صالحة عن اعتقاده بأن هناك محاولة روسية - إيرانية "للربط بين المسألتين وتسجيل خرق لإتمام عملية مقايضة أو صفقة جديدة تهدف لتسريع التعامل مع ملف إدلب، وروسيا تريد الآن أن تضغط باتجاه تسجيل بعض المواقف والانتصارات لصالحها على ضوء العملية التركية، وتريد تسجيل هذه المواقف في إدلب تحديداً في هذه الآونة، لكن هناك مشكلة أساسية مع روسيا في الوقت ذاته، لأنها تحاول أن تلعب ورقة قسد بشكل أو بآخر، من خلال الإصرار على التوفيق بين قسد والنظام، وهذه محاولة أو مناورة للضغط على قرارات وتصرفات أنقرة شمال سورية، كي لا تبتعد كثيراً عن الرؤية الروسية".

ويتفق مصعب الألوسي، الباحث في الشأن الإيراني وأستاذ الدراسات الأمنية النقدية في "معهد الدوحة للدراسات العليا"، مع صالحة لناحية دخول إيران على خط التصعيد، فيشير في حديثه لـ"العربي الجديد" إلى أنه "بعد التأكد من عدم وجود أي مخاطر وجودية لنظام الأسد، تتمثل الاستراتيجية الإيرانية في إعادة بسط السيطرة المطلقة على جميع الأراضي السورية بغض النظر عن الخسائر البشرية للمدنيين السوريين، لذلك نظرت طهران بريبة للتوغل التركي في شمال سورية وأبدت امتعاضها حيال ذلك".

ويلفت الباحث أيضاً إلى أنه في الوقت ذاته "إيران رأت جانباً إيجابياً من هذا التوغل والذي أدى إلى تقليم أظافر القوات الكردية، في ظل تنسيق تركي - روسي آخر يعزز الاتفاقات السابقة بين البلدين، ويأتي القصف الإيراني للمخيم كإشارة إلى تأكيد وجودها ونفوذها في سورية، وكخرق للاتفاقات المسبقة مع روسيا وتركيا، لكن أيضاً في إطار استراتيجية متدرجة نحو السيطرة على مناطق المعارضة السورية".

ويتزامن ذلك مع محاولة قوات النظام إحراز تقدم بري جنوبي شرق إدلب وسط تصد من قوات المعارضة السورية. ويقول ناجي المصطفى، المتحدث باسم "الجبهة الوطنية للتحرير" التي باتت تابعة لـ"الجيش الوطني"، لـ"العربي الجديد"، إن "قوات النظام حاولت التقدم (أمس الخميس) باتجاه محور أرض الزرزور، بعد تمهيد مدفعي ليل الأربعاء بقصف كثيف، تبعته محاولات تسلل لتلك القوات وللمليشيات المساندة لها، وتم التصدي لهذه المحاولات مع تكبيد القوات المهاجمة خسائر في العتاد والأرواح، ما اضطرها للانسحاب والعودة إلى مواقعها التي انطلقت منها".

وكانت قوات المعارضة استعادت السيطرة يوم الأربعاء الماضي على قرية المشيرفة، بعد الاستيلاء عليها من قبل قوات النظام لساعات. وحول الهدف من هذا التقدم يوضح المصطفى أن "الهدف الرئيسي لقوات الأسد بدعم من قوات الاحتلال الروسي والإيراني هو التقدم من أكثر من محور ولا سيما محور الكبينة بريف اللاذقية، وأيضاً المحور الشرقي الجنوبي لإدلب قرب معرة النعمان، بغيه قضم واحتلال مناطق جديدة وتوسيع رقعة سيطرتها، إلا أن قواتنا مستعدة للمواجهة، وقد أبلت بلاءً حسناً في الأيام الماضية على كلا المحورين".

ومنذ نهاية إبريل الماضي يصعّد الروس والنظام من الهجمات البرية والجوية على إدلب ومحيطها، ما أدى لوقوع مئات الضحايا المدنيين، إضافة إلى السيطرة على مساحات واسعة من جنوب المحافظة وريف حماة الشمالي، تحديداً قلعة المضيق وكفرنبودة وكفرزيتا وخان شيخون وما يحيط بها، والتي تدخل ضمن "منطقة خفض التصعيد الرابعة" المتفق عليها في جولات أستانة، والتي أكدتها اتفاقية سوتشي بين الرئيسين الروسي والتركي في سبتمبر من العام الماضي. وتوقفت الهجمات البرية مع سيطرة قوات النظام بدعم روسي على مدينة خان شيخون جنوب إدلب، لكن الهجمات الجوية لا تزال مستمرة، وفي الأيام الأخيرة يحاول النظام تجديد العمليات البرية جنوبي شرق إدلب، ويرجع محللون هذا التحرك لمحاولة روسيا الضغط على تركيا لتحصيل مكاسب شرق الفرات، فيما تعارض قوى غربية ودولية أي تحرك للنظام أو الروس باتجاه إدلب، تخوفاً من تدفق موجات جديدة من اللاجئين والنازحين، ما يشكل أزمة إنسانية.



المساهمون