تصدّع جبهة حفتر: انقلاب سلفي وشيك؟

30 أكتوبر 2018
الصورة
اتهم حفتر صالح بعرقلة المسار السياسي(اتيان لوران/فرانس برس)
يتعرّض معسكر اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر لتهديد كبير، قد يرتفع منسوبُه إلى حدّ التمرّد عليه، بعد اندلاع الخلاف مع قادة التيار المدخلي السلفي، الذين لم يتوانوا في السابق عن تقديم الولاء والدعم الديني والعسكري له خلال الحروب والمعارك التي أطلقها، وذلك تزامناً مع توتر كذلك في العلاقة بين حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ما أدى إلى انقسام "المداخلة" حول هوية "ولي الأمر الشرعي"، إن كان حفتر أو صالح، لرمي الطرف الآخر بتهمة "الخوارج" الواجب قتالهم.

وحفلت منصات التواصل الاجتماعي، منذ أكثر من ستة أشهر، بمواجهات كلامية بين شيوخ المداخلة تبعاً لانتمائهم لدعاة ورموز التيار المدخلي في السعودية، الموطن الرئيسي للتيار المدخلي، المختلفين حول تفاصيل فقهية تتعلق بالمسائل الدينية. وقسمت هذه الخلافات شيوخ المداخلة الليبيين، وهي تدور في معظمها حول تعريف "ولي الأمر"، فبعضهم يرى أنه يتمثل في شاغلي المناصب السياسية، وتحديداً مجلس النواب ورئيسه عقيلة صالح، وبعضهم الآخر يرى أنه "المتغلب بقوة السلاح"، ما يعني حفتر.

وبدأت وتيرة الخلافات في التصاعد مع اعتبار خليفة حفتر وعدداً من ضباطه المقربين، مجلس النواب ورئيسه، معرقلين لمسارات حلول الأزمة الليبية.

وفي تصريحات له مطلع شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي، اعتبر اللواء المتقاعد أن صالح "لم يفِ بوعوده التي قطعها في اجتماع باريس الأخير بخصوص توفير القاعدة الدستورية لإجراء الانتخابات، رغم أنه تعهد بأنه قادر على إنجاز هذا الاستحقاق قبل نهاية يوليو الماضي، وهو ما لم يحدث". واتهم حفتر أيضاً أعضاء مجلس النواب بـ"عرقلة الانتخابات، لأنها تتعارض مع طموحاتهم السياسية ومصالحهم الشخصية"، ليصل الخلاف الى حدّ رعايته تظاهرات حاشدة منتصف الشهر في بنغازي، تطالب بمغادرة صالح ومجلس النواب المشهد السياسي الليبي، ورُفعت خلالها صور صالح وعدد من النواب، مع علامات شجب حمراء، ومكانس في إشارة إلى ضرورة طردهم.

في المقابل، خرجت دار الإفتاء التابعة لمجلس النواب ببيانٍ تحرم فيه الخروج على صالح باعتباره "ولي الأمر"، معتبرة أن الدعوة للتظاهر "دعوة للفتنة" و"أمرٌ منكر خلفته الحضارة الغربية لأبناء المسلمين، ولا يجوز الخروج على عقيلة صالح لأنه ولي الأمر وحاكم البلاد الشرعي".

من جهته، وصف صالح معارضيه، خلال حديث له أمام زعامات قبلية زارته في منزله في منطقة القبة شرق البلاد، يوم الجمعة الماضي، بأنهم "لا شيء"، بل ذهب الى القول إن مجلس النواب هو من وفّر لحفتر فرصة العودة إلى العمل العسكري باعتباره "متقاعداً"، وبصفته السياسية، أي صالح، هُمْ من طلب من القاهرة والإمارات تقديم الدعم العسكري له. وبصيغة المُمَنّن، روى صالح كيف "عدل مجلس النواب واستحدث قوانين من أجل خليفة حفتر". وقال: "لقد ألغينا قانون العزل السياسي الذي ينطبق عليه، وعدلنا قانون الجيش لاستحداث منصب القائد العام، وأجرينا تعديلاً آخر لإعادته إلى العمل، بعدما كان متقاعداً من الجيش".

وتزايدت حدة التوتر بعد خروج أشرف الميار، أحد أبرز قادة قوات المداخلة المتطرفين في ولائهم لحفتر، في فيديو تداولته وسائل التواصل الاجتماعي في نطاق واسع، ليعلن أن "عقيلة صالح هو ولي الأمر الشرعي". وقال الميار: "أحب أن أوضح أن الحاكم الشرعي في هذه البلاد هو مجلس النواب المتمثل في المستشار عقيلة صالح، وكل من أراد أن يخرج عن مجلس النواب، فإنه يعتبر من الخوارج ويجب قتاله"، في إشارة إلى خروج حفتر عن مجلس النواب. كما أشار الميار الى تخليه عن حفتر، قائلاً إن "الحاكم المتغلب فله شروط وضوابط، ولا تكون إلا عند الضرورة كأكل لحم الميتة".

وشكّل التيار المدخلي قسماً كبيراً من قوات حفتر التي كانت قاتلت في مدينة بنغازي منذ مطلع العام 2015، بعدما آثر اللواء المتقاعد تقريب عدد من العسكريين ذوي الخلفيات السلفية منه، وإيلائهم مناصب قيادية في عددٍ من كتائبه، مثل محمود الورفلي، قائد الإعدامات، وأشرف الميار، أحد أبرز قادة قوات "الصاعقة"، وميلود الزوي، المتحدث باسم "الصاعقة". وإثر فتاوى الداعية السعودي البارز ربيع المدخلي بضرورة تأييد حفتر والقتال في صفوفه، تدافع عدد كبير من السلفيين لينظموا "كتيبة 210"، التي عُرفت محلياً باسم "كتيبة التوحيد".

وعُرف عن قادة التيار المدخلي تنفيذهم لعددٍ من عمليات الانتقام من خصوم حفتر، وأشهرهم محمود الورفلي، قائد الإعدامات، وقجة الفاجري، المسؤول عن مذبحة الأبيار التي راح ضحيتها 36 مدنياً في أكتوبر 2017.

وبحسب مصادر برلمانية، فإن عقيلة صالح بدأ باستغلال الولاء السلفي له، من أجل خلق قلاقل لحفتر، ومحاولة إزعاجه، وإرغامه على العودة إلى "بيت الطاعة".

وقال برلماني ليبي لـ"العربي الجديد" إن صالح "دعم تأسيس فصائل عسكرية ستعمل تحت مسمى سرايا الدعوة والإرشاد لمكافحة الفساد، تجمع المختلفين مع حفتر من أتباع التيار المدخلي"، مؤكداً انحسار تأييد حفتر من قبل المداخلة، في شخصيات مقربة منه في المرج وبنغازي فقط، ومؤكداً مطالب عددٍ من قيادات السلفيين لحفتر لتحديد موقفه من "ولي الأمر الشرعي"، ممثلاً في عقيلة صالح.


ولكن يبدو أن عدداً من قادة التيار المدخلي لا يزالون يقفون الى جانب حفتر، بحجة أنه ولي أمر "المتغلب بالقوة"، فردودهم المؤيدة له جاءت دون الإشارة إلى مجلس النواب. وأكد القيادي السلفي في قوات "الصاعقة"، عبد الفتاح بن غلبون، في تسجيل مصور متداول، "تأييد حفتر"، معتبراً أن تهم أشرف الميار "لا تمثل التيار السلفي، وتتوفر على مغالطات شرعية".



من جهتها، أكدت أيضاً "هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية" المقربة من حفتر ولاءها لقواته، واستعرض رئيسها حمد بودويرة على صفحته الرسمية على "فيسبوك"، كلمات وتسجيلات سابقة لمعارضي حفتر حالياً، وهم يعلنون تأييدهم له ولحربه على خصومه في بنغازي باعتبارهم "خوارج يتوجب قتالهم"، من بينها كلمة القيادي السلفي سالم الوصاري، والتي اعتبر فيها طاعة حفتر "الركن السادس في الإسلام"، باعتباره "ولي الأمر الشرعي".

ويؤكد البرلماني أن حفتر مهدد بالفعل بانقلاب المداخلة ومسلحيهم عليه، فلم يتبق له سوى عدد منهم أُجبروا على مواصلة ولاءهم له بسبب تورطهم في دماء ومجازر ارتكبوها، لكن الأخيرين، بحسب المصدر، بقاؤهم إلى جانبه أخطر بشكل أكبر من معارضتهم له، فهم يملكون مصير حفتر ويمكنهم إعدامه سياسياً إذا اعترفوا بأن تلك المجازر ارتكبت بأوامر مباشرة منه.