تشكيل الحكومات اللبنانية... سوق سياسي للتوزير

تشكيل الحكومات اللبنانية... سوق سياسي للتوزير

05 نوفمبر 2016
يتولى الحريري الحكومة للمرة الثانية (حسين بيضون)
+ الخط -

يواصل الرئيس المُكلّف تشكيل أولى حكومات العهد الرئاسي الجديد في لبنان، سعد الحريري، مساعيه لتأليف الحكومة رقم 74 منذ استقلال البلاد عام 1943. وهي ثاني حكومات الحريري خلال مسيرته السياسية التي بدأها بعد اغتيال والده، رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، عام 2005. ومن المرجح أن يُشكل الحريري الابن حكومة مؤلفة من 30 وزيراً، كما عبّر أحد مستشاريه، النائب عقاب صقر، في محاولة من الرئيس المُكلف لإشراك أكبر عدد من الشخصيات السياسية الحزبية في العهد الجديد.

وتظهر جردة لعملية تشكيل الوزارات منذ انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) وإقرار اتفاق الطائف، أن تركيبة الحكومات وعدد الوزارات فيها لا يخضعان إلا لإرادة القوى السياسية والتوزيع الطائفي لهذه المقاعد. وهو ما ترجمه رؤساء الحكومات السابقة الذين عدلوا عدد الحقائب الوزارية تبعاً للتحالفات السياسية القائمة، وكانت حكومات الحريري الأب الأكبر حجماً وتألفت بمعظمها من 30 وزيراً. وعادة ما لجأ رؤساء الحكومات إلى منح بعض الشخصيات السياسية لقب "وزير الدولة" (أي وزير عضو في الحكومة من دون حقيبة وزارية).

في هذا السياق، أشار الخبير الدستوري اللبناني، بهيج طبارة، إلى أن "الدستور منح رئيسا الجمهورية والحكومة صلاحيات وضع التشكيلات الوزارية التي تحتاج لتوقيعيهما على المراسيم". وأكد، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الدستور لا يُحدد حداً أدنى أو أعلى لعدد الوزراء في الحكومة، وعادة ما تحكم التوازنات السياسية وضرورة حصول الحكومة على ثقة أعضاء مجلس النواب على عدد الوزراء فيها".

وإن كان الدستور لا يتدخل في عدد الحقائب الوزارية، إلا أنه ينص على تحقيق مبدأ المناصفة في توزيع عدد الحقائب بين المسلمين (سنة وشيعة ودروز)، مع المسيحيين (الموارنة وباقي الطوائف). وفي هذا الصدد، أشار طبارة إلى أن "أغلب الحكومات التي تشكلت بعد اتفاق الطائف تألفت إما من 24 وزيراً أو من 30 وزيراً، لأنهما رقمان يتيحان تحقيق مناصفة مريحة لمُختلف الأفرقاء". وقد توزعت المقاعد في حكومات الـ24 وزيراً بواقع: "وزيرين درزيين وخمسة وزراء للسنة وخمسة للشيعة، ويحصل الموارنة على معظم مقاعد الوزراء المسيحيين، أما عند تشكيل حكومة من ثلاثين وزيراً فترتفع حصة المسلمين الدروز إلى ثلاثة مقاعد، مع بقاء المناصفة بين الطوائف والأديان"، بحسب الخبير الدستوري.



ويسجل تاريخ الحكومات اللبنانية منذ الاستقلال وحتى اليوم مفارقات لافتة، كتفاوت عدد الوزراء من 4 إلى 30 تبعاً للظروف السياسية السائدة. وتفاوت عمر هذه الحكومات أيضاً، إذ سجّل عهد الرئيس سليمان فرنجية (1970 ـ 1976) تشكيل أقصر الحكومات مدة في تاريخ لبنان، وهي الحكومة العسكرية برئاسة العميد نور الدين الرفاعي التي استمرت لـ65 ساعة فقط، بعد إسقاطها نتيجة احتجاجات شعبية واسعة. وتليها حكومة ناظم عكاري في عهد رئيس الجمهورية بشارة الخوري، التي استمرت خمسة أيام في سبتمبر/ أيلول 1952.

وتحمل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي شكّلها في 26 يوليو/ تموز 2005 لقب الحكومة الأطول عمراً في تاریخ لبنان، وقد استمرت 1040 یوماً، إلى 25 مايو/ أیار 2008. وكانت هذه الحكومة الأكثر إصداراً للمراسيم أيضاً. وعلى الرغم من اعتبار لبنان من الديمقراطيات القليلة في منطقة الشرق الأوسط، إلّا أن التماهي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية كان دائماً، ولم يتم سحب الثقة من أي حكومة أو حتى وزير في تاريخ الجمهورية.

لكن التظاهرات الشعبية المُختلفة الأهداف والخلفيات تمكّنت من إسقاط خمس حكومات، وهي: حكومة الرئيس رشيد كرامي عام 1969، وحكومة الرئيس تقي الدين الصلح عام 1974، وحكومة العميد الرفاعي عام 1975، وحكومتي الرئيس عمر كرامي عامي 1992 و2005. كما تولت ثلاث حكومات عسكرية الحكم في لبنان، ترأس اثنتين منها مسيحيان قائدان للجيش، على عكس ما ورد في الميثاق الوطني غير المكتوب (استقلال لبنان 1943)، الذي ينص على تولي الموارنة رئاسة الجمهورية والشيعة رئاسة مجلس النواب والسنة رئاسة مجلس الوزراء. وهذه الحكومات هي: حكومة اللواء فؤاد شهاب عام 1952، حكومة العميد الرفاعي، وحكومة رئيس الجمهورية الحالي ميشال عون، الذي كلفه رئيس الجمهورية المنتهية ولايته آنذاك أمين الجميل، بتشكيل حكومة عسكرية عندما كان قائداً للجيش عام 1988.

ويسجل تاريخ الحكومات اللبنانية تعرّض 3 رؤساء حكومة للاغتيال، وهم: رياض الصلح، المعروف بـ"رجل الاستقلال"، واغتيل في العاصمة الأردنية عمّان عام 1951 بعد خروجه من الحكم بوقت قصير، ورئيس الحكومة العامل، رشيد كرامي، الذي قضى بتفجير عبوة ناسفة زُرعت داخل طوافة عسكرية تابعة للجيش كان يستقلها عام 1987، شمالي لبنان، وأخيراً الرئيس الأسبق رفيق الحريري الذي اغتيل بتفجير موكبه عام 2005، وسط العاصمة اللبنانية بيروت.

المساهمون