تشكيليون عرب يحيّون نوتردام

21 سبتمبر 2019
الصورة
"نوتردام 2019" لـ بطرس المعري (من المعرض)
+ الخط -
من سطح "معهد العالم العربي" في باريس، كما من بعض نوافذ صالاته، يمكنك أن ترى كاتدرائية نوتردام العريقة، من الخلف، كما من جهتها الجنوبية حيث يمر نهرالسين. وإلى هذا المكان، ركض جميع من في المعهد تقريباً مساء الخامس عشر من نيسان/ إبريل، ليعاينوا المشهد المريع في ذهول: نوتردام تحترق.

عجزٌ كامل عن الإتيان بأية محاولة للمساعدة أصابهم، كما أصاب جميع من شهد الكارثة، فاكتفوا بالتقاط صور من هواتفهم المحمولة كشهادة للتاريخ تبقى. حتى ذلك اليوم، كانت الأمور تسير هناك على ما يرام، يتذكّر جاك لانغ، رئيس المعهد والوزير الفرنسي السابق؛ فالزوّار يؤمّون يومياً المعهد من كل حدب وصوب ليكتشفواما يقدّمه من معارض ونشاطات تحمل الفائدة كما تحمل الفرح والمتعة، إلا أن ما حدث سيغير في "المزاج" قليلاً، لكنه لن يكون أقل مستوى أو قيمة فنية.

مرّةً أُخرى، يبادر الزوجان الفرنسيان، صاحبا المجموعة الفنية الغنية، فرانس وكلود لومان، إلى رفد نشاطات المعهد بأفكارهما؛ حيث دعوا فنّانين ممن شعرا بأنهم معنيون بالأمر ويتقاسمون معهما مرارة الخسارة التي حلّت بهذا المعلم الإنساني، كما يعرفون الكاتدرائية جيداً، ليسجلوا شهادتهم على هذا الحدث."نوتردام" لـ ضياء العزاوي

"فنانون من العالم العربي يحيّون نوتردام من معهد العالم العربي في الصالة التي تطل على الكاتدرائية"، كما يكتب لنا لومان في رسالة إلكترونية. وقد كان هذا الأخير يتابع، كملايين المشاهدين، مشهد الحريق الذي أيقظ فيه ذكريات الحرب الأهلية اللبنانية المؤلمة والتي عاش بداياتها ونال قسطاً من جحيمها. يقول كلود لومان إن مشاهدته لانغ في التلفزيون كشاهد عيان للحريق من على سطح المعهد قد حرّضه على تحويل هذا الشعور الحزين إلى مشروع إيجابي مثمر.

"تكاد نوتردام أن تكون باريسنا، أن تكون تاريخنا"، بهذه الكلمات يقدّم لانغ لمشروع لومان، المعرض الذي سيُفتتح مساء اليوم في متحف المعهد، وهو في الحقيقة المعرض الأول من سلسلة معارض ستجري بشكل دوري، كل ثلاثة أشهر حتى شهر نيسان/ إبريل 2020. وقد اختير تاريخ انطلاقه ليتزامن مع افتتاح "أيام التراث الأوروبي" في دورتها السادسة والثلاثين.عمل لـ ناجية مهادجي

أربعة فنانين فقط، وهم من أوائل من استجاب لهذه الدعوة التي وُجّهت إلى الفنانين العرب الموجودين في بلادهم أو في الشتات، سيقدّمون أعمالهم في هذا المعرض. يأتي في مقدمتهم ضياء العزاوي (1939)؛ الفنان العراقي الذي لبّى الدعوة وهو غير غريب عن معالجة المواضيع التي تخص الإنسانية وكوارثها ومآسيها.

سيقدم العزاوي عملاً منفَّذاً بالأكريليك يُشاهَد من وجهين. وإن كان هنا لا يقدّم عملاً كبيراً في حجمه، لكن الشحنة التعبيرية لا تقل عن تلك التي قدّمها سابقاً في أعماله الاستثنائية الهائلة، والتي خلّدت أحداثاً مأساوية عربية مثل مجازر صبرا وشاتيلا، وأرض السواد، وجنين، كذلك تلك التي تخص أحداث أيلول/ سبتمبر في مدينة نيويورك الأميركية. على خلفية سوداء، يرسم العزاوي بالأبيض خطّاً يمثل الكاتدرائية وفي الوسط لهيب النار، ولا يخفى علينا بالتدقيق قليلاً في أعلى هذا اللهيب خيالُ السيدة العذراء.

أمّا الفنانة المغربية ناجية مهادجي (1950)، فتقدّم رؤية خاصة وفريدة في تحيّتها، فلوحتها هي بقياس تمثال "العذراء مع الطفل" الموجود في الكاتدرائية نفسها، والذي اتخذته ملهماً لها... خط أزرق عريض يتماوج ليرسم هيئة أمٍّ تحنو على طفلها، لون وشكل يذكّر بثوب السيدة في أغلب التصاوير الغربية، لا سيما تلك التي تصوّر موضوع انتقالها إلى السماء حسب الموروث المسيحي. أما خلفية العمل، فهي مضرّجة باللون الأحمر، الذي تقول إنه يمثّل الحريق من جهة، ومن جهة أُخرى ألوان الزجاج المشغول في أماكن غير قليلة في الكاتدرائية.

أما المغربي محمد لخليطي (1965)، فيقدّم عمله بمواد مختلطة على الورق الملصق على الخشب.

"غرق في غبار الضوء" لـ محمد لخليطيعلى خلفية صورة للنار والدخان، وهي على الأغلب مأخوذة من صور الحريق الحقيقية، يرسم أحد الشياطين المنحوتين على واجهة الكاتدرائية كرمز للشر مقابل شخصين في حركة "صوفية" يلبسان عباءتين تقليديتين مغربيتين، وفوقهما كلمة "ما شاء الله"، كتعبير عن التسليم للإرادة الإلهية في كل ما يحدث.

أما الفنان الرابع المشارك فهو السوري بطرس المعري (1968)، كاتب هذه السطور. وقد اختار للعمل الشكل الدائري، المركز فيه هو وردة الجنة أو الشباك الدائري في واجهة الكاتدرائية. في الأعلى نجد فيكتور هيغو في ثوب الحكواتي الدمشقي يحمل كتاباً ويروي فصلاً جديداً من روايته الخالدة "أحدب نوتردام". يد "الشرير" تضرم النار في الكاتدرائية على يسارنا وعلى اليمين ملاك شرقي الملامح يعزف لحناً حزيناً على الناي، والجمع في الأسفل يراقب الحدث وقد أخذه الأسف والألم.

يُذكر أنّ المعرض سيستمر حتى العشرين من كانون الأول/ ديسمبر من العام الحالي.

المساهمون