تسويق انتصارات وهمية

27 يونيو 2020
الصورة
+ الخط -
يدرك الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، أنه في موقفٍ لا يُحسَد عليه، سواء في الوضع الداخلي المتردّي، أو في الوضع الخارجي الذي تخسر فيه مصر يومياً جزءاً من قوتها الإقليمية لحساب قوى صاعدة في المنطقة. إزاء هذا الواقع، لم يرَ السيسي بدّاً من محاولة إعادة إضفاء طابع القوة على دور "جمهورية مصر العربية"، وأن لها مصالح متعدّدة في الإقليم تريد أن تدافع عنها. على هذا الأساس، خرج على الملأ خلال الأسبوع الماضي ليطلق تهديدات غرباً باتجاه ليبيا والتدخل التركي فيها، واحتمال سقوط سرت، وجنوباً تجاه إثيوبيا وتوجهها إلى ضرب عرض الحائط بكل الاتفاقات السابقة مع مصر والسودان، والبدء بملء سد النهضة.
تلقف محللون كثيرون تهديدات السيسي، وكتبت سيناريوهات عديدة عن شكل التدخل المصري وحجمه، سواء في ليبيا أو إثيوبيا، وعن تأثير هذا التدخل في توازن القوى في الداخل الليبي. لكن كثيرين تناسوا أن القوات المصرية أساساً تتدخل في ليبيا، سواء عبر تسليح قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، أو عبر تنفيذ غارات على مواقع لحكومة الوفاق، من دون إعلان هوية الطائرات التي تتلطى خلف العلم الليبي. هذا التدخل، وهو قديم، لم يغيّر في المعادلة الليبية، ولم يقرّب حفتر من حسم معركة طرابلس، وهذا كان قبل التدخل التركي الفعلي في البلاد.
الأهم من ذلك كله أن السيسي نفسه يدرك محدودية الخيارات المصرية في ليبيا وإثيوبيا، خصوصاً في ظل تشابك المصالح الدولية، في ليبيا تحديداً، والحاجة إلى أضواء خضراء متعددة، إذا قرّرت الحكومة المصرية فعلياً التدخل هناك. لكن ذلك لم يمنع النظام المصري، ومن خلفه الجيوش الإلكترونية التابعة له، من تسويق انتصارات وهمية على "الدولة العثمانية". انتصارات أقل ما يقال فيها إنها كوميدية، وتشبه إلى حد كبير قصة خطف قائد في الأسطول السادس الأميركي، التي روّجها الإعلام المصري في عام 2014 بعد الانقلاب العسكري، فقبل أيام، ضجّت الصفحات المصرية الموالية للنظام، ومعها الصحف المحلية، برواية اختفاء غواصتين تركيتين في البحر المتوسط. وتبرّع خبراء عسكريون بالظهور للحديث عن كيفية حدوث ذلك، من دون أي إشارة إلى أي مصدر تحدث فعلياً عن هذا الاختفاء، فالغواصتان كانتا تُجريان مناورات مشتركة مع القوات الإيطالية في المتوسط، ولم تبلغ أي من الجهتين الرسميتين عن أي حادثةٍ خلال هذه المناورة. المشكلة أن هناك في مصر من صدّق الأمر، واعتبره أول تطبيق لتهديدات السيسي، وهو ما لم تخرج السلطات الرسمية لنفيه أو توضيحه، بل بدت سعيدة به، باعتباره أحد الانتصارات الوهمية التي ترفع عن السيسي حرج تطبيق تهديداته فعلياً.
الأمر نفسه بالنسبة إلى أزمة سد النهضة، فقد عمدت القاهرة إلى ترويج فكرة تحقيقها نصراً دبلوماسياً خلال القمم الأفريقية الرباعية بمنع إثيوبيا من ملء السد. وهو ما تلقفته الجيوش الإلكترونية والصحف المصرية وهللت له، باعتباره تراجعاً من إديس أبابا بعد تهديدات السيسي، غير أن الوقائع كذبت هذه الرواية، مع ظهور البيان الإثيوبي الذي يؤكد بدء ملء السد في الموعد المحدد بعد أسبوعين، وهي المهلة التي حدّدها الاتحاد الأفريقي للأطراف للتوصل إلى حل للأزمة. ما يعني أن الأزمة لا تزال تراوح في مكانها، وإنْ أُجِّل إشعال فتيلها مؤقتاً، وأن سقف التحدي الإثيوبي بات أكثر ارتفاعاً.
هذه التطورات، سواء في ليبيا أو في ملف سد النهضة، ستفرض على النظام المصري ترويج مزيد من الانتصارات الوهمية لحفظ صورة "جنرال الورق" الغارق في التنكيل بشعبه.