تسعة أشهر من الحراك الجزائري: الإنجازات والتعثرات

الجزائر
عثمان لحياني
22 نوفمبر 2019
+ الخط -
قص الحراك الشعبي في الجزائر، اليوم الجمعة، شريط شهره العاشر، بمظاهرات امتدت من العاصمة الجزائرية إلى مختلف الولايات والمدن، للتمسك بمطالبه المركزية التي رفعت منذ أول يوم، والمتعلقة أساسا ببدء مسار ديمقراطي يخرج الجزائر من وضع الدولة الهشة التي يحكمها نظام سياسي مرتبك وغامض، وإنهاء حالة التداخل الكبير بين المؤسسات السياسية والعسكرية، أفضت إلى مآلات ومأزق سياسي واقتصادي وأزمات اجتماعية متعددة.

وغطت المظاهرات الشعبية في الجمعة الـ40 من عمر الحراك على كل مظاهر الحملة الانتخابية لرئاسيات 12 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، والتي يظل إنجازها الأبرز الإطاحة بنظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وقلب الطاولة على المجموعات السياسية والمالية التي كانت مستفيدة من نظامه خلال 20 سنة.
وبمناسبة مرور تسعة أشهر، نشر الناشط في الحراك سفيان هداجي صورة له مع عبد الوكيل بلام، تعود إلى 22 فبراير/ شباط الماضي يوم انطلاق الاحتجاجات، وتظهرهما داخل محل صغير لبيع الشاي، فيما كانت الشرطة تنتظر خروجهما لاعتقالهما.
ويستعيد هداجي تلك اللحظة قائلا "الشرطة تنتظرنا للخروج للذهاب بنا، الحقيقة أننا لم نكن ندري الوجهة إلى أين، مرت الآن تسعة أشهر من هذه الثورة السلمية الحضارية المباركة ولا تزال متواصلة حتى سقوط آخر فرد من أفراد المنظومة العفنة التي دمرت البلاد والعباد"، مضيفا أن "تسعة أشهر ولا يزال أحرار وحرائر الجزائر مصرين على استرجاع الاستقلال المغتصب".
وتابع قائلا: "لا يزال شبان وشابات هذا الوطن العظيم مصرين على الذهاب إلى جزائر جديدة حرة ديمقراطية يعيش فيها كل أبناء الوطن بسلام".

وفي سلة المكاسب والمنجزات، استطاع الحراك بداية إحباط مشروع العهدة الخامسة لبوتفليقة، الذي برغم مرضه وغيابه عن الوعي بالواقع السياسي للبلاد، سعى المحيطون به إلى بقائه في الحكم لفترة رئاسية أخرى.


فخ الاستدراج

كما تمكن الحراك من إلغاء الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في 18 إبريل/ نيسان الماضي، والإطاحة في 11 مارس/آذار بحكومة أحمد أويحيى، ومنع تنظيم ندوة وفاق وطني دعت إليها السلطة برئاسة الدبلوماسي المخضرم الأخضر الإبراهيمي.
وإضافة إلى ذلك، حقق الحراك الشعبي منجزا سياسيا آخر بإحباطه تنظيم انتخابات رئاسية ثانية كانت مقررة في الرابع من يوليو/ تموز الماضي، ودفع السلطة إلى التراجع عن تنظيمها، وساهم في دفع العدالة إلى اقتياد أويحيى وسلفه في منصب رئيس الحكومة، عبد المالك سلال، إلى السجن رفقة 15 وزيرا سابقا، إضافة إلى مجموعة كبيرة من رجال الأعمال والكارتل المالي الذي كان مستفيدا من فترة حكم بوتفليقة بتهمة الفساد ونهب المال العام.
وخلال التسعة أشهر من التظاهر السلمي، استطاع الحراك أن يثبت للعالم تشبثه بروح سلمية، حيث لم يتم منذ فبراير/ شباط الماضي تخريب أو تحطيم أي ممتلكات عامة أو خاصة، ما جنب البلاد خسائر أو كلفة إضافية كان يمكن أن تتحملها فيما لو انحاز الحراك إلى العنف أو وقع في فخ الاستدراج.


ونجح الحراك في كسر حاجز الخوف وسحب فزاعة العشرية الدامية التي كانت تستغلها السلطة لتخويف الجزائريين ومنعهم من الانخراط في أي حركة احتجاج سياسي. وأمكن خلال التسعة أشهر من المظاهرات السلمية إعادة نقل الهواجس السياسية إلى الشارع وإقامة مصالحة بين الجزائريين والشارع، بعدما كان الجزائريون قد غادروا الشوارع منذ التسعينيات بفعل الأزمة الأمنية وتداعياتها الأليمة.


وبرغم هذه الأشهر الطويلة، إلا أن المطلب المركزي لمجموع مكونات الحراك لم يتم تحقيقها بسبب تصلب موقف السلطة والجيش بصفته المؤسسة الراعية للنظام في الوقت الحالي، حيث ترفض المؤسسة العسكرية أي خيار للحل السياسي الذي يقوم على بناء توافقات مشتركة بين مختلف القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، وصياغة مشتركة لأولويات المرحلة، قبل الذهاب إلى الاستحقاقات الانتخابية.

السلطة الفعلية
ويعتقد الكاتب والناشط السياسي محمد ارزقي فراد، أن "هناك قراءة خاطئة لطبيعة الأزمة ولمطالب الحراك الشعبي من قبل السلطة"، موضحًا في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "الأخيرة قررت فرض خيار الحل الدستوري والذي يعني تطبيق المادة 102 من الدستور والتي تقر الشغور وتدفع باتجاه إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد، بعد تحسين نسبي لشروط العملية الانتخابية، بينما الواقع يقول إن الأمر لم يكن يتعلق برئيس أو انتخابات، وإنما بنظام سياسي يريده الحراك أن يرحل ويريد هو تجديد نفسه عبر الانتخابات".
ويلقي المتابعون للتطورات السياسية في الجزائر المسؤولية على السلطة والجيش، والذي يشار إليه في الغالب على أساس أنه السلطة الفعلية الحاكمة حاليا في البلاد، بسب رفضه الإنصات لمطالب الحراك الرئيسية، والتفاعل مع مختلف المبادرات السياسية التي طرحتها قوى المعارضة، بما فيها الأرضية المشتركة المنبثقة عن مؤتمر السادس من يوليو/ تموز.
ويرى الأستاذ السابق في كلية الطب والناشط السياسي المستقل عقبة القاسمي، أن الأسباب الداعية إلى استمرار الحراك الشعبي بعد كل هذه الفترة الطويلة تعود إلى مركزة السلطة الفعلية للقرار بيدها ورفضها إقامة أي شراكة سياسية، سواء مع قوى المعارضة أو الشخصيات الوازنة والناشطين.



ونشر تقدير موقف له جاء فيه "عندما تركز كل السلطة في يديك تصير عبئا عليك لا سيما وتحديدا في مرحلة الأزمات، عندما تبقي مركز القوة عندك، فأنت المسؤول عن إيجاد الحل للأزمة وليس الشارع، وعندما ترفض إشراك العقلاء والفاعلين الذين يمكنهم عقلنة الشارع، وعندما تصرّ السلطة على تسيير الوضع بالانتهازيين المتلونين الفاسدين سياسيا الممقوتين شعبيا وتنوه بهم وتشيد بهم فلتتحمل مسؤوليتك".
وبرأي القاسمي، فإن "الشارع لم يكن سببا في الفساد ولم يخرب البلد ولم يسير الجزائر لا في الماضي ولا في الحاضر، بل السلطة الفعلية هي التي كانت جزءا وسببا في بقاء السلطة السياسية الفاسدة إلى أن انتفض هذا الشارع وأسقطها"، مضيفا أن مشكلة المؤسسة العسكرية أنها لم تلتقط رسالة الشارع الذي كان على استعداد في الأسابيع الأولى للحراك لتجاوز أخطاء قيادة الأركان، ورعايتها للنظام السياسي في البلاد، لكنها تعاملتِ مع الشارع بمنطق الوصاية نفسها والأبوية السياسية.

تحقيق المطالب السياسية
في المقابل، يعتقد مراقبون أن الحراك يتحمل جزءا من المسؤولية التي جعلته يستمر كل هذه الفترة دون تحقيق المطلب المركزي المتعلق بإسقاط النظام وبدء مسار انتخابي، بسبب رفضه تقديم ممثلين عنه وعدم قبوله بتحقيق تدريجي لمطالبه، بخاصة ما يتعلق بالانتخابات الرئاسية المقبلة، والتي يعتقد كثيرون أنه كان ممكنا للحراك تقديم مرشح عنه وتحميله مجموعة التزامات سياسية وتعهدات بتحقيق خطة لتفكيك النظام الحالي وتحقيق مسار ديمقراطي.
من جهته، قال الأستاذ الجامعي أحمد لعروسي، لـ"العربي الجديد"، إن "الحراك فوت فرصة مهمة عبر تقديم مرشح في انتخابات ديسمبر، بالرغم من أنها ليست مثالية بالكامل، لكن تجند الحراك فيها كان يمكن أن يعدم أي إمكانية للتلاعب ويضمن فوز مرشح الحراك، ومن خلاله تحقيق باقي المطالب السياسية".

وفي ظل بقاء أيام معدودة على الانتخابات الرئاسية، التي تضعها السلطة كأمر واقع، مقابل تشبث المتظاهرين برفضها، تزداد التساؤلات عن المآلات التي ستنتهي إليها الجزائر، قبل وبعد الانتخابات الرئاسية التي لا يبدو أن السلطة بصدد التراجع عنها.

ذات صلة

الصورة
البرلمان الجزائري (العربي الجديد)

مجتمع

صادق نواب البرلمان الجزائري، أمس الثلاثاء، على قانون الوقاية من جرائم اختطاف الأشخاص، الذي يتضمّن تجريم عمليات خطف الأطفال والقصر واختطاف البالغين، وتشديد العقوبات الردعية التي تصل إلى حدّ الإعدام والمؤبد في حق المتورطين في عمليات الاختطاف.
الصورة
البرلمان الجزائري-العربي الجديد

سياسة

وجدت الكتل النيابية الموالية والمعارضة في الجزائر، في مناقشة قانون الموازنة الجديد، فرصة لمهاجمة سياسات الحكومة، وانتقاد إخفاقها في طرح حلول للأزمة الراهنة في البلاد، والمطالبة بإجراء تعديل وزاري عاجل، والطعن في المسار السياسي الذي تنتهجه السلطة.
الصورة
حرائق الجزائر (العربي الجديد)

مجتمع

بدأت موجة الحرائق الجديدة، التي اندلعت الليلة الماضية في الجزائر، تأخذ أبعاداً سياسية، بفعل شكوك متصاعدة حول وجود طرف ما ودوافع خلف اندلاعها في 11 ولاية، وفي وقت واحد. 
الصورة
إقامة صلاة الجمعة بالجزائر بعد انقطاع لأشهر مع تطبيق إجراءات الوقاية من كورونا (العربي الجديد)

مجتمع

أقام الجزائريون صلاة الجمعة للمرة الأولى منذ غلق المساجد وتعليق الصلاة قبل تسعة أشهر، منتصف مارس/آذار الماضي، وسط تدابير وترتيبات صحية ووقائية، تخوفاً من انتشار فيروس كورونا في ظل موجة ثانية من الوباء تشهدها الجزائر