تسريح جنود الاحتياط: "دراسة" جدية أم مناورة للنظام السوري؟

تسريح جنود الاحتياط: "دراسة" جدية أم مناورة للنظام السوري؟

27 أكتوبر 2018
الصورة
جنود نظاميون في القنيطرة (يوسف كرواشان/ فرانس برس)
+ الخط -

يُثير تعاطي النظام مع ملف عزوف مئات آلاف الشباب السوري عن الخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية في القوات النظامية في سورية، وتسريب معلومات في وسائل إعلامية قريبة منه لكن غير رسمية بشأن إلغاء قوائم الخدمة الاحتياطية، كثيراً من اللغط والتساؤلات حول أهدافه.

بدأ اللغط مع إعلان لجنة من ضباط الفرقة الرابعة، المكلفة ببحث مشكلة الاستنكاف عن الخدمة في السويداء في أحد لقاءاتها العامة، أن "القيادة قررت إلغاء قوائم الخدمة الاحتياطية". ومن ثم ربطت هذا القرار بعدد الملتحقين الفارين والمطلوبين للخدمة العسكرية، وبعد أيام عدة أعلن في لقاء مماثل عقد في بلدة القريا بريف السويداء، أن "برقية من دمشق وصلت إلى الأمن الجنائي لإلغاء مذكرات الاعتقال عن المتخلفين عن الخدمة الاحتياطية". الأمر الذي دفع السوريين لمحاولة التأكد رسمياً من الخبر، قبل إعلامهم بأن "الأمر شفهي فقط"، حتى وسائل الإعلام الرسمية لم تأت على ذكر الأمر. مع العلم أن النظام عمل خلال السنوات الماضية على تقديم السويداء بوصفها المحافظة الوحيدة التي استنكف شبابها عن الخدمة، قبل أن يظهر أن عدد المستنكفين بها عن الخدمة الاحتياطية بلغ نحو 10 آلاف شاب، من أصل 800 ألف مستنكف في مختلف المحافظات السورية.

وكان لوزير دفاع النظام علي عبدالله أيوب رأي في الموضوع، إذ نقلت وسائل إعلام مقرّبة من النظام عنه قوله: "إننا ندرس إمكانية تسريح كافة دورات الاحتياط وعدم الاحتفاظ بأحد"، معللاً سبب "الدراسة بوجود توجيه من الرئيس بشار الأسد بهذا الخصوص". ولفت إلى "التعليمات التنفيذية، التي لم تصدر بعد، لمرسوم العفو 18 الذي سيسقط طلب الاحتياط، إلا أن وسائل الإعلام الرسمي لم تأت على ذكر هذه التصريحات أبداً".

وأثار هذا اللغط تساؤلات حول الهدف الرئيسي للنظام وما إذا كان يسعى من وراء شائعات تسريح الاحتياط إلى ضم مجندين جدد إلى الخدمة الإلزامية أم أن الروس وراء هذه التحركات، التي قد تندرج ضمن سياستها الرامية إلى إحياء الجيش ووأد المليشيات، خصوصاً أن غالبيتها تُعتبر أدوات إيرانية.

من جهتها، ذكرت مصادر متابعة في دمشق، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه "يبدو أن النظام يعمل على إعادة فرض هيبته على المناطق التي يسيطر عليها، خصوصاً تلك الخاضعة لسيطرة المليشيات، والتي وصلت في مرحلة ما إلى أن تصبح دولة داخل الدولة، فقد شهدت الأشهر الأخيرة، عقب سيطرة النظام على كامل مناطق دمشق وريفها، وجنوب سورية وريف حمص، العديد من حالات اعتقال قيادات في تلك المليشيات، تحديداً ما يسمّى الدفاع الوطني، بالإضافة إلى تفكيك مليشيات أخرى".

وأضافت أن "الاستغناء عن المليشيات يحتاج إلى تعويض أعدادها، بزيادة عدد القوات النظامية، وهذا ما يصرّ عليه الروس، الذين يدفعون باتجاه حلّ جميع المليشيات وضمّ مقاتليها إلى القوات النظامية. ما يمكن اعتباره تقليصاً للنفوذ العسكري الإيراني، بفعل عمل طهران منذ تدخلها في سورية على تشكيل مليشيات من عسكريين ومدنيين، وذلك قد يكون من وحي تجربتها مع الحرس الثوري وحزب الله اللبناني وغيرها من التجارب في دول عدة".



من جانبه، قال مصدر معارض في دمشق، في حديث مع "العربي الجديد"، "النظام يواجه ضغوطاً اجتماعية كبيرة، خصوصاً في بيئته الحاضنة، بسبب مرور سنوات عديدة قضاها الشباب في الخدمة الاحتياطية، من دون أن تكون هناك أي بوادر تسريح في المرحلة المقبلة، كون النظام يتحدث عن نيته استعادة السيطرة على إدلب وريف حلب وشرق الفرات، ما يعني احتمال وقوع معارك كبيرة ولفترة ليست بقصيرة".

وتابع "الشباب في المناطق التي يسيطر عليها لديهم العديد من الأسباب التي تدفعهم إلى الاستنكاف عن الخدمة، منها سوء واقع الخدمة، تحديداً التعامل والابتزاز اللذين يتعرّض لهما العسكري، وقلة الرواتب الشهرية التي لا تكفي لتأمين احتياجات المقاتل الشخصية، وعدم وجود رعاية جيدة للجرحى وتعويضات بخسة، عقب إدراك المقاتل في القوات النظامية الرواتب الكبيرة في المليشيات، وحتى في مسألة الخدمة والراحة، فمثلاً إن المقاتل المليشياوي يعمل 20 يوماً ويستريح 10 أيام، أما في القوات النظامية فقد تمر أشهر طويلة قبل أن يتمكن المقاتل من أخذ إجازة، أضف إلى ذلك أن الشباب أصبح يرى أن المعارك في سورية أصبحت رهن التوافقات الدولية وعبارة عن استلام وتسليم".

وأضاف المصدر أن "كثيراً من الشباب في مناطق النظام اليوم، بدأوا بطرح فكرة أن يخدم كل منهم في مناطق إقامته، معيدين ذلك لأسباب اقتصادية، وأخرى تتعلق بعدم استقرار مناطقهم، في حين يطرح آخرون تحويل القوات النظامية إلى جيش محترف يعتمد على المتطوعين، وإبقاء الخدمة الإلزامية كدورة تدريبية لا تزيد عن بضعة أشهر، وآخرون يطالبون باعتماد البدل النقدي الداخلي، فمن لا يريد أن يؤدي الخدمة العسكرية يستطيع دفع بدل مادي يعادل رواتب عسكري بذات الرتبة ولمدة تساوي مدة الخدمة. في حين طرح بعض الشباب فكرة اعتماد الخدمة الاجتماعية المدنية، ففي الحالات التي يستنكف بها الشاب عن الخدمة العسكرية الإلزامية يقوم بعمل تطوعي مدني لمدة تساوي مدة خدمته العسكرية، في حين ما يزال النظام يصر على سوق جميع الشباب إلى الخدمة العسكرية بحجة أن سورية بحالة حرب مع إسرائيل، التي تحتل جزءاً من أراضيها منذ عشرات السنوات".

من جهته، أفاد مصدر عسكري من القوات النظامية، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "الدولة اليوم تكاد تنهي الحرب على سورية، وبالتالي لم نعد بحاجة إلى كثير من المقاتلين، ولذلك هناك توجهات بتسريح دورات الاحتياط التي يكاد بعض أفرادها يكملون عامهم التاسع في الخدمة. كما أن هناك رغبة في أن يعود الشباب إلى حياتهم المدنية، وحتى من لم يلبوا طلب الخدمة الاحتياطية أو فروا من الخدمة وتواروا عن الأنظار، أصبحوا حملاً ثقيلاً على عائلاتهم، فهم لا يستطيعون العمل أو السفر، وهذا يسبب كثيراً من المشكلات الاجتماعية". ولفت إلى أن "مسألة إلغاء طلبات الاحتياط مرتبطة بشكل أساسي بعدد من يلتحق من الشباب الفار والممتنع عن الخدمة العسكرية الإلزامية، فإن لم يسد النقص لن تسقط طلبات الاحتياط أو من المحتمل إلغاء الطلبات القديمة، وتعميم قوائم جديدة تراعي العمر والاختصاص".



المساهمون