تسريب عقارات الفلسطينيين جنوبي القدس: حملات متواصلة وطرق مبتكرة

تسريب عقارات الفلسطينيين جنوبي القدس: حملات متواصلة وطرق مبتكرة

24 يناير 2016
الصورة
قوات الاحتلال تساند عمليات الاستيلاء على العقارات(أحمد غرابلي/فرانس برس)
+ الخط -

يلف الغموض ملابسات سيطرة جمعية استيطانية يهودية على مبنى من طابقين في حارة بيضون، في حي وادي حلوة، من أراضي بلدة سلوان، جنوب المسجد الأقصى، تبلغ مساحته الإجمالية أكثر من 300 متر مربع، إضافة إلى قطعة أرض تزيد مساحتها عن 500 متر مربع. واقتحم نحو 35 مستوطناً، من جمعية "العاد" الاستيطانية، الأربعاء الماضي، بدعم ومساندة كاملة من قوات الاحتلال، حارة بيضون، ودخلوا البناية السكنية المكوّنة من طابقين، الأول قائم قبل احتلال القدس، والثاني بني وجهز قبل عدة أسابيع فور خروج المستأجر المحمي من الشقة السكنية (الطابق الأول).

ودخل المستوطنون المبنى من دون أية مقاومة أو اعتراض من أصحابه، الذين لم يتواجدوا في المكان، وكانت المفاتيح في حوزة أولئك المستوطنين، ثم هدموا الجدار الفاصل بين البناية وبؤرة أخرى تم الاستيلاء عليها عام 2014، لتسهيل الحركة بين البؤر الاستيطانية.

التسريب بين الإثبات والنفي

تؤكد جهات مقدسية أن المتصرف بملكية المبنى، ويدعى أحمد أبو طير، هو من سرّبه إلى المستوطنين، لكن محامي الأخير نفى ذلك، ووصف الأنباء المتناقلة بهذا الشأن بأنها غير صحيحة.

بعض ورثة المبنى المقيمين في الأردن أصدروا بياناً، برأوا فيه المتصرّف بالمبنى من عملية التسريب، وأكدوا بيع حصصهم في المبنى لشخص من فلسطين المحتلة عام 1948، بعد أن أقسم بأنه اشترى المبنى لقربه من المسجد الأقصى، وبأنه سيستخدمه لانتفاع أبنائه، قبل أن يتم الاستيلاء عليه من قِبل المستوطنين.

ووصف جواد صيام، من مركز معلومات وادي حلوة، المختص بشؤون القدس، البيان بأنه غير صحيح، وأن الذي نشره شخص حضر من الأردن وحل ضيفاً على صاحب المبنى عدة أيام قبل عملية التسريب، ثم ما لبث أن غادر.

وكيل صاحب البناية، المحامي حسين أيوب، دافع عن موكله، قائلاً إن كل ما ذُكر عن تسريب غير صحيح، وإنه تقدّم بشكوى إلى "محكمة الصلح" الإسرائيلية ضد مقتحمي البناية، كان من المقرر أن تعقد في اليوم التالي من عملية الاستيلاء، غير أن شيئاً من هذا لم يحدث. لكن جواد صيام لفت إلى أن حديث المحامي عن عقد جلسة كان غير صحيح، وقد تم التثبّت من المحكمة بهذا الشأن.

ولدى سؤال "العربي الجديد" محامي صاحب المبنى حول كيفية وصول مفاتيح المبنى للمستوطنين، وكيف أمكنهم الدخول إليه باستخدام تلك المفاتيح، قال إن "المفاتيح سُرّبت إليهم"، من دون أن يشير إلى الجهة التي سربت المفاتيح للمستوطنين، لافتاً إلى أن "المبنى كان في طور الترميم والصيانة، وربما تم الاستيلاء على مفاتيحه خلال ذلك، حيث اتصلت مع جمعية العاد الاستيطانية ونفت بدورها أن تكون مسؤولة عن العناصر التي اقتحمت المبنى".

اقرأ أيضاً: القيادة الفلسطينية والتنسيق الأمني: تدوير الخيارات

محاولات للتسريب بطرق ملتوية

وكان صاحب البناية قد رفع خلال السنوات الماضية دعوى ضد المستأجر لإخراجه من المنزل، ونهاية العام الماضي تمكّن من إخراجه بعد دفع مبلغ مالي له، لكن أبو طير شرع في أعمال بناء في المنزل وحوله، ولم تعمد طواقم البلدية إلى وقف أعمال البناء كما تفعل مع أبناء أحياء سلوان الأخرى، والذين إن بنوا بلا ترخيص يتم إخطارهم بهدم منازلهم أو مصادرة معدات البناء.

وشكّل الاستيلاء على بناية أبو طير سلسلة لثلاث بؤر استيطانية في المنطقة، وارتفع عدد البؤر الاستيطانية في حارة بيضون إلى تسع بؤر استيطانية، منها منازل وبنايات سكنية وأراضٍ واسعة، وتُعتبر أول البؤر الاستيطانية التي تم تسريبها في تسعينيات القرن الماضي.

أحد مواطني سلوان كان قد عرض على صاحب المبنى قبل أسبوع من تسريبه، شراءه، وطلب الأخير مبلغ مليون و300 ألف دولار مقابل بيعه، فوافق المواطن المذكور لكن صاحب المبنى عاد وتراجع عن ذلك، ليفاجئ الجميع لاحقاً بدخول المستوطنين إليه والسيطرة عليه، فيما يصر الحقوقي صيام على أن ما جرى كان تسريباً، وأن من قام بالتسريب يعلم تماماً الجهة التي سرَّب إليها. وشملت عملية البيع للبناية قطعة أرض تزيد مساحتها عن 500 متر مربع، تصرّف البائع في 200 متر منها دون وجه حق، وهي تعود لمواطنين فلسطينيين في الحي، هم الآن بصدد مقاضاته في محاولة منهم لاسترجاعها.

ويرى صيام أن الاستيلاء بطريقة التسريب قد لا يكون الأخير، إذ إن محاولات المستوطنين وجمعياتهم الناشطة في هذا المجال متواصلة، والتي تعتمد أساساً على شبكة من السماسرة محلياً، وتلقى دعماً كبيراً من المؤسسة الرسمية الإسرائيلية، سواء الحكومة بوزاراتها المختلفة، أو بلدية الاحتلال، التي ثبت تورطها وتواطؤها مع هذه الجمعيات الاستيطانية.

طرق جديدة للسيطرة على العقارات

بدأت الجمعيات الاستيطانية بمساعدة السماسرة المحليين باستخدام طريقتين جديدتين للسيطرة على عقارات المقدسيين، حيث باتت هذه الجمعيات تلجأ إلى مواطنين فلسطينيين من الداخل الفلسطيني لشراء تلك العقارات بحجة حمايتها من التسريب، ثم لا يلبث هؤلاء أن يسربوها إلى المستوطنين. أما الطريقة الثانية فهي الإيعاز لأحد السكان المحليين، وقد يكون المتصرّف بالعقار، بتشييد مبنى جديد، أو إضافة بناء على مبنى قائم، وتسليمه لاحقاً للمستوطنين بعملية استيلاء ظاهرية مكشوفة.

وارتفع عدد البؤر الاستيطانية في سلوان إلى أكثر من 60 بؤرة، يقطنها أكثر من 500 مستوطن، ولا يشمل هذا عدد المستوطنين في مستوطنة "معاليه هزيتيم" المقامة على أراضي الفلسطينيين، في حي رأس العمود المطل على سلوان من ناحية الشرق، ويشكّل امتداداً جغرافياً لها.

تحذيرات ومخاوف

ينظر مسؤولون فلسطينيون في القدس إلى عمليات التسريب هذه بخطورة بالغة، إذ يحذر القيادي في حركة "فتح"، حاتم عبد القادر، في حديث مع "العربي الجديد"، من خطورة تصاعد عمليات تسريب العقارات في بلدة سلوان خلال الشهور القليلة الماضية، والتي تُعادل أضعاف ما جرى خلال عشر سنوات.

ويلفت عبد القادر إلى أن تصاعد عمليات التسريب يعود إلى عدم وجود رادع يردع بعض ضعاف النفوس من بيع العقارات وتسريبها إلى المستوطنين، مما يؤدي إلى تزايدها، في حين يهدف المستوطنون إلى خلق أمر واقع جديد جنوب الأقصى. وينتقد القيادي الفتحاوي تراخي السلطة الفلسطينية وعدم محاربتها ظاهرة تسريب العقارات في القدس، لافتاً إلى وجود حالة عدم اكتراث إلى حد ما من قِبل السلطة، بشأن ملاحقة ومتابعة المسرّبين لهذه المنازل بشكل مكشوف.

أما رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس، الشيخ عكرمة صبري، فجدد فتوى سابقة له بتحريم بيع عقارات وأراضي المسلمين لليهود، ويقول لـ"العربي الجديد" إن "هذه فتوى أبدية ومن يخرج عنها فهو خارج ملة المسلمين لا يُصلى عليه، ولا يُدفن في مقابر المسلمين".

اقرأ أيضاً: العجز الفلسطيني أمام السماسرة يوسّع دائرة "تسريب العقارات"

المساهمون