تسريبات الناشطين في الخارج: صداع للسلطات الجزائرية

07 اغسطس 2020
الصورة
نشاط كبير للجزائريين خارج البلاد (فرنسوا باوليتو/الأناضول)
+ الخط -

تكشف التطورات الأخيرة في الجزائر، مع استرداد أحد العسكريين الفارين إلى الخارج، عن تكثيف السلطات الجزائرية مساعيها لاستعادة ناشطين وعسكريين لجؤوا إلى الخارج، بعدما بات نشاطهم المستمر على مواقع التوصل الاجتماعي وتواصلهم مع الرأي العام في الجزائر، يشكّل صداعاً مزمناً للسلطة، خصوصاً بسبب نشرهم تسريبات أمنية وعسكرية وسياسية وملفات تخص كبار المسؤولين في البلاد، وكشفهم وثائق حساسة، لكن يبقى الأهم بالنسبة للسلطة حالياً هو سد مصدر التسريبات وتفكيك شبكات من المتعاونين مع هؤلاء داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.

وشجع نجاح السلطات أخيراً في استرداد الضابط قرميط بونويرة الذي كان يعمل مديراً لمكتب قائد الأركان السابق للجيش أحمد قايد صالح، من تركيا، وكان فاراً إلى هناك منذ شهر يناير/كانون الثاني الماضي، الأجهزة الأمنية والقضائية المكلفة بالملف لإعادة توجيه الاهتمام نحو الناشطين والعسكريين في الخارج، لا سيما بعد عودة المدير السابق لقسم الأمن الخارجي محمد بوزيت إلى منصبه منذ أربعة أشهر، على الرغم من أن استعادة هؤلاء الناشطين والعسكريين تتطلب فك تعقيدات قانونية وقضائية في بلدان إقاماتهم، في مقابل المراهنة من السلطات الجزائرية على مستوى آخر من الترتيبات تلعب فيها العلاقات السياسية والمصالح دوراً في فك باقي التعقيدات.

وتعمل السلطات على تضييق الخناق على التسريبات بعد توقيف مدير الأمن الداخلي واسني بوعزة قبل شهرين (أدين بثماني سنوات سجنا بتهمة إهانة مسؤول في الجيش) وعدد من مساعديه، واستعادة بونويرة ونقله إلى الجزائر، مقابل فرار قيادات أخرى إلى الخارج كقائد الدرك السابق عبد الغالي بلقصير، يعتقد أن عليهم مسؤولية عن التسريبات الأمنية والعسكرية والسياسية التي كانت تصل إلى ناشطين ومعارضين في الخارج، في إطار حرب مصالح وصراع مجموعات أمنية ضد بعضها البعض منذ فترة حكم الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. ويُعتقد أن الضابط الفار قرميط بونويرة كان يقوم بتسريب ما لديه من معلومات ووثائق حول شخصيات سياسية وأمنية وعسكرية، إلى بعض الناشطين المعارضين الجزائريين المقيمين في الخارج، الذين كانوا يعيدون نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.

لم تفلح السلطات الجزائرية في إقناع باريس حتى الآن بتسليم بلقصير

وإذا كانت السلطات الجزائرية قد نجحت بإقناع تركيا بضرورة تسليم بونويرة قبل خروجه من تركيا، منعاً لتوجهه إلى فرنسا، إذ كانت الاستخبارات الفرنسية وفق المعلومات تسعى للوصول إليه في تركيا وتسهيل سفره إلى فرنسا للاستفادة من الملفات المتوفرة لديه مقابل منحه لجوءاً في البلاد، على غرار القائد السابق للدرك عبد الغالي بلقصير، فإنها لم تفلح في المقابل في إقناع باريس حتى الآن بتسليم بلقصير، المتهم في سلسلة قضايا فساد وثراء غير مشروع، ويعتقد أيضاً أنه كان وراء تسريب معلومات بهدف ضرب خصوم أمنيين. كما أخفقت في جلب وتسلم المدون والناشط على مواقع التواصل الاجتماعي، أمير بوخرص المعروف باسم "أمير دي زاد" من فرنسا، إذ رفض القضاء الفرنسي في 7 يوليو/تموز الماضي طلبا من الجزائر لتسليمه، بعدما تمت إدانته قضائياً في الجزائر بتهم تتعلق بالابتزاز ونشر معلومات خاصة.

والأربعاء الماضي لمح بيان لوزارة الدفاع الجزائرية إلى العميل السابق في المخابرات والصحافي المقيم في فرنسا هشام عبود، على أساس أنه مطلوب قضائياً في الجزائر وسبقت إدانته، في معرض الرد على تسريبات ومعلومات نشرها عبود حول فرار قائد المنطقة العسكرية الثانية اللواء مفتاح صواب، بينما ذكر بيان وزارة الدفاع أن صواب كان بصدد العلاج في الخارج منذ فبراير/شباط الماضي حتى عودته في الرابع من أغسطس/آب الحالي. ومنذ فترة تحاول السلطات الجزائرية أيضاً جلب ناشطين آخرين، هما الناشط والصحافي السابق السعيد بن سديرة، والعامل السابق في السفارة الجزائرية في ليبيا محمد العربي زيطوط، والمقيمان في لندن. لكن وضع هذين الناشطين أكثر تعقيدا لحصول بن سديرة على حق اللجوء والحماية في بريطانيا، وزيطوط على الجنسية البريطانية.

ويربط محللون بين هذه التطورات، والتغييرات التي حدثت في جهاز الأمن الخارجي، على أساس أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يراهن على المدير الجديد لقسم الأمن الخارجي للمخابرات محمد بوزيت الذي عاد إلى منصبه السابق في شهر إبريل/نيسان الماضي، بعد 13 شهرا من إقالته من منصبه. ورأى المحلل المتابع للشؤون السياسية والأمنية في الجزائر حسن خلاص، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "هذا يعني أن هناك حراكاً داخلياً داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية ستتولد عنه تغييرات، وإذا قرأنا بعض التقارير التي تؤكد العودة الكبيرة لنشاط جهاز الأمن الخارجي التابع للمخابرات، فيمكن أن تُفهم على أنها رسالة للخارج أكثر مما هي للداخل"، لافتاً إلى أن "السلطة أعطت الأولوية للمطلوبين في قضايا ذات صلة بالتسريبات الأمنية والعسكرية أكثر من المطلوبين في قضايا فساد التي لا تشكل أولوية في الوقت الحالي".

السلطة أعطت الأولوية للمطلوبين في قضايا ذات صلة بالتسريبات الأمنية والعسكرية أكثر من المطلوبين في قضايا فساد

كذلك تبدي السلطة والأجهزة الأمنية اهتماماً لمعرفة مصادر التسريبات وتفكيك الشبكات التي تقوم بتسريب المعلومات والوثائق للناشطين، وإتاحتها للرأي العام، حتى وإن كان الجزء الأكبر منها معلومات شخصية وأقرب إلى الطابع الفضائحي منه إلى طابع يكتسي أهمية أمنية أو حساسية عسكرية. وإذا كان مفهوماً وصول التسريبات الأمنية والسياسية أوجها نهاية حكم بوتفليقة، بسبب ترهل مؤسسات الدولة وحجم الصراع الحاد بين مجموعات الحكم والمصالح والكارتل المالي، فإن استمرار التسريبات في الفترة الحالية يعطي مؤشراً على استمرار الصراع بين المجموعات الأمنية والعسكرية، سواء الحالية في الحكم، أو الحالية مع بقايا المجموعة السابقة، لا سيما تلك الموالية للقائد السابق لجهاز المخابرات محمد مدين القابع في السجن العسكري.

وفي السياق، رأى الباحث المتابع لملف الأمن والجيش في الجزائر بلال كوردي، في تصريح لـ"العربي الجديد" أن "استمرار التسريبات مؤشر على وجود صراع، لكن هذه التسريبات بحكم طبيعتها الأمنية والاستخباراتية، يمكن أيضاً أن تكون لتوجيه رسالة من مجموعة معينة (يقصد جناح مدين) مفادها أن جهاز المخابرات عصي على التدجين، وأنه بعد أكثر من عقدين على إشراف على الجهاز يستحيل تحييد الرجل (مدين) ببساطة". لكن كوردي شدد على أن "السلطة تعتبر أن استمرار التسريبات يعطي مؤشراً على استمرار نمط الارتباك الداخلي، ولذلك اعتقد أن هناك قراراً حاسماً لدى السلطة السياسية والأمنية لإنهاء هذا الملف، بسبب الضرر الأمني الحاصل نتيجة التسريبات الكبيرة والحساسة أحيانا"، مشيرا إلى أنه "بخلاف تسلم نويرة، تعلم السلطة أن الاستجابة لطلبات تسليم البقية مستبعد جدا نظرا للمعايير الحقوقية لهذه الدول الأوروبية". لكن رجح أنه بقدر ما سيشتد الخناق على التسريبات وشبكاتها في الداخل، والضغط على الناشطين في الخارج، فإن التسريبات قد تبلغ ذروتها في المرحلة المقبلة.

المساهمون