تركيا وعين العرب وطيف "الميثاق الملي"

16 أكتوبر 2014
الصورة
من مواجهات الأكراد والأمن التركي (آدم ألتان/فرانس برس)

كان زعيم العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، في إطار حديثه عن "وحدة مصير شعوب ميزوبوتاميا"، كرداً وعرباً وأشوريين وأتراكا، قد أشار في الرسالة التي وجهها إلى أنصاره بمناسبة عيد النوروز عام 2013، إلى "الميثاق الملي"، وهو الاتفاق الذي تم توقيعه في 28 فبراير/شباط من عام 1920، إثر هزيمة السلطة العثمانية في الحرب العالمية الأولى وسقوط معظم أراضيها في يد "الحلفاء". ووقع الاتفاق حينها مجلس المبعوثين العثماني والذي كان يشبه البرلمان حالياً. وكان بين المبعوثين أو النواب العثمانيين حينها قيادات تركية وكردية وبعض القيادات العرب. اتفق حينها النواب على أن الأمة العثمانية جزء لا يتجزأ، وتم وضع خارطة للأراضي التي سيتم العمل على استعادتها. واحتوت تلك الخارطة، إضافة إلى حدود الجمهورية التركية الحالية، كلا من منطقة غرب تركيا الممتدة على أراض بلغارية ويونانية ما زال يقطنها في القسم البلغاري، أتراك، وفي الناحية الشرقية إقليم كردستان العراق الحالي، والموصل، وأجزاء واسعة من المناطق ذات الغالبية العربية السنية، وفي سورية تشتمل على محافظة حلب وأجزاء واسعة من شمال سورية التي يقطنها خليط عربي كردي أقام في جزء منها حزب الاتحاد الديمقراطي إدارته الذاتية، حيث تشكل مدينة عين العرب (كوباني) واحداً من كانتوناتها.

بطبيعة الحال، فإن خارطة "الميثاق الملي" سقطت أجزاء منها بسبب بريطانيا وفرنسا وروسيا، وأجزاء أخرى بسبب انقلاب أتاتورك على القيادات الكردية وإعلانه الجمهورية القومية التركية، لتدخل العلاقة الكردية ــ التركية في عداء لأول مرة في تاريخها وحتى وقتنا الحاضر.
وكان أوجلان قد أشار إلى هذه الخارطة بينما كان يتحدث عما حل بهذه الشعوب أخيراً من حروب أهلية، مؤكداً أن وحدة هذه الشعوب هي الحل، فيما بدا تنظيرا مستقبليا لحلف كردي ــ تركي ستقيمه عملية السلام. لكن في نظرة متأنية، يمكن أن يعرف المتابع للسياسة الخارجية التركية بأن تركيا استعادت نفوذا واسعا في هذه المناطق الموجودة في خارطة "الميثاق الملي"، ليس عبر السيطرة المباشرة، لكن عبر حلفائها، إذ يبدو ذلك واضحاً في كل من حلب وإقليم كردستان العراق وحتى في أجزاء من الأراضي الواقعة اليوم تحت سيطرة تنظيم داعش في العراق وسورية. ويعتبر تحرير الرهائن الأتراك أخيراً، نموذجاً على النفوذ التي باتت أنقرة تتمتع به، محيطة حدودها بمنطقة عازلة لا يقلقها إلا "داعش" الذي تعمل الآن مع الحلفاء على ضربه.

وفي سبيل تعزيز هذا النفوذ، لا بد للأتراك أن يتحالفوا مع العرب الأكراد القاطنين هناك، فأصبحت تركيا تقدم نفسها كحام للأكراد، ولم يبقَ سوى أكراد سورية الممثلين بحزب "الاتحاد الديمقراطي" خارج هذا الحلف، فبقيت المناطق الواقعة تحت سيطرته خارج دائرة النفوذ التركي بسبب التحالف بين الأخير والنظام السوري. ولم يخف نائب رئيس الوزراء التركي بولنت أرينج في إحدى خطبه هذا الواقع، قائلاً "إن كان هناك حامٍ للأكراد في سورية، فهو تركيا". وأشار إلى حزب "الاتحاد الديمقراطي" الذي "ارتكب خطأً من خلال وقوفه إلى جانب نظام الأسد بعيداً عن صف المعارضة السورية"، مذكراً بأن "هؤلاء وقفوا مع من كان لا يعترف بهم (أي النظام السوري)، ولا ينظر إليهم كبشر، منتهزين فرصة إعطائهم النظام بعض الامتيازات".

وفي محاولة الحكومة التركية الاستفادة من الموقف المحرج لقوات الاتحاد الديمقراطي في مدينة عين العرب التي تحاصرها وتشن عليها قوات داعش حملة عسكرية شديدة، ضغطت أنقرة على زعيم الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم لفك الارتباط بينه وبين النظام السوري، والانضواء تحت مظلة الجيش السوري الحر والائتلاف الوطني، الذي تتمتع فيه بنفوذ كبير، وذلك مقابل تأمين ممرات آمنة ضمن الأراضي التركية لقوات "العمال الكردستاني" و"الحماية الشعبية" الآتية من مدن القامشلي وعفرين لتعزيز صمود عين العرب (كوباني).

ليس للمدينة المذكورة أي أهمية عسكرية أو استراتيجية، كما أن المخاوف من وقوع مجازر ضئيلة، إذ إن المدينة باتت فارغة تماماً من المدنيين، وكما سقطت مدينة رأس العين في محافظة الحسكة في وقت سابق في يد "جبهة النصرة" وتمت استعادتها، فإن استعادة عين العرب ليست بالأمر الصعب في حال انهار "داعش" تحت ضربات التحالف الدولي، لأن جميع سكانها أكراد ومناصرون شرسون لـ"العمال الكردستاني" منذ تسعينيات القرن الماضي.
رغم ذلك، لم يستسغ "العمال الكردستاني" ضغوط الحكومة التركية على جناحه السوري في ظل تقدم قوات "داعش"، إذ شعر بنوع من الخيانة وهو يجري مفاوضات مع الحكومة التركية لحل القضية الكردية بشكل ندي كما يظن، الأمر الذي لم تقبله أنقرة، فحث أوجلان أنصاره على النزول إلى الشوارع وهدد بإنهاء عملية السلام في حال سقطت عين العرب بيد داعش، محولاً المدينة إلى رمز للنضال والقومية الكرديين.

من جانبها، قد تستجيب تركيا للضغوط الممارسة عليها للتدخل وإنقاذ المدينة، لكن ذلك أيضا لن يجري من دون ثمن، وبدا ذلك واضحا في تصريحات مسلم بعد انتهاء لقاءاته مع المسؤولين الأتراك، إذ أشار إلى عدم اعتراضه على المنطقة العازلة التي أعلنت عنها أنقرة مراراً، بعدما أكد أن حزبه سيعتبرها "احتلالاً في حال تم إنشاؤها".

كل شيء سيعتمد على التجاوب التركي في فتح الممر الآمن، فإن تم ذلك ستكتمل خارطة "الميثاق الملي"، وسينتعش التحالف الكردي ــ التركي، وإن لم يتم، أو بحسب التعبير الكردي "خيانة أنقرة مجدداً"، ستطيح بهذا التحالف مرة أخرى كما أطاحت به قبل ما يقارب المائة عام إثر انقلاب أتاتورك عليه، وضربه للقيادات الكردية وإعلانه الجمهورية عام 1932.

تعليق: