تركيا الجديدة .. بيع لإسرائيل وتبرّع لفلسطين

17 ابريل 2020
الصورة
اندلعت أزمة بين إسرائيل وتركيا، الأسبوع الماضي، إثر ربط أنقرة بيع مستلزمات طبية لتل أبيب من أجل مواجهة جائحة كورونا بموافقة الأخيرة على عدم عرقلة مساعدات وتبرعات تركية مماثلة للشعب الفلسطيني. واستفز هذا الحكومة الإسرائيلية التي فكرت في إلغاء الصفقة، قبل أن تذعن للشرط التركي الإنساني العادل والمنطقي، والذي لا يمكن رفضه أصلاً.
بدأت القصة بطلب شركات ومؤسسات إسرائيلية خاصة شراء مستلزمات طبية لمواجهة جائحة كورونا من شركات تركية خاصة أيضاً، ولكن الحكومة التركية، ونظراً للظرف الطارئ الذي تمرّ به البلاد والعالم، قرّرت عدم السماح بتصدير أي معدّات ومستلزمات طبية إلا بموافقة رسمية منها، وعلى الرغم من الأزمة السياسية العميقة والعلاقات الباردة بين البلدين، إلا أن أنقرة، ولدوافع إنسانية، لم تمانع بيع إسرائيل المستلزمات الضرورية، لكنها ربطت الأمر بموافقة الأخيرة على عدم عرقلة وصول مساعدات وتبرعات مماثلة، وبالكمية نفسها، للسلطة الفلسطينية، كون إسرائيل القوة القائمة بالاحتلال في الضفة وغزة، وهي الحقيقة الواضحة أصلاً.
لم تكن تركيا من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل، ولم تكن بالتأكيد أول دولة إسلامية تعترف بالدولة العبرية، بل الثانية بعد إيران، كما صوّتت مع قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية، وطوال نصف قرن تقريباً كانت العلاقات بين الجانبين باردة أو عادية في أحسن الأحوال. وخلال هذه الفترة، تسبب الصراع العربي الإسرائيلي مرّتين في قطع العلاقات أو تخفيضها إلى مستوى أدنى، كانت الأولى بعد العدوان الثلاثي ضد مصر في العام 1956، والثانية كانت ردّاً على قرار إسرائيل اعتبار القدس عاصمة أبدية موحدة لها (العام 1980)، وتلبية لمطالب تظاهرة مليونية، دعا لها رئيس حزب السلامة الوطنية آنذاك، نجم الدين أربكان، وعلى عكس ما يتصور كثيرون، فحتى زمن تركيا القديمة كان الشعب الفلسطيني (ولا يزال) الأحبّ إلى قلب الشعب التركي، وآخر رئيس وزراء في تركيا القديمة، بولنت أجاويد، كان قد وصف ممارسات الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في الانتفاضة الثانية بأنها جرائم الإبادة.
أما الطفرة التي حدثت في العلاقة بين أنقرة وتل أبيب في تسعينات القرن الماضي، وتبدت في 
معاهدات التعاون التجارية الأمنية والعسكرية بينهما، فكانت من التداعيات الإقليمية لعملية مدريد واتفاقات أوسلو وأخواتها للتسوية بين العرب وإسرائيل، وإعطاء انطباع بأن القضية الفلسطينية، وحتى الصراع العربي الإسرائيلي كله، في طريقهما إلى الحل، علماً أن شهر العسل لم يستمر طويلاً وانتهى نظرياً مع بداية سيرورة تركيا الجديدة، إثر وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في العام 2002، وعملياً مع مجزرة أسطول الحرية في العام 2010.
للتذكير طبعاً؛ لا تقوم تركيا الجديدة على أنقاض، بل على أسس تركيا القديمة الأتاتوركية الديمقراطية العلمانية، ولكن بدون وصاية العسكر أو تدخلهم في الحياة السياسية، وبدون إقصاء لأي فئة سياسية فكرية واجتماعية، ومن دون احتكار للثورة، بل توزيع عادل لها بين فئات الشعب وولاياته، والانفتاح على المحيط العربي الإسلامي والعالم كله (أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية) من دون القطيعة مع الغرب وأميركا وأوروبا، بل البقاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والمضي في محاولات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتطوير العلاقات معه.
تعترف تركيا الجديدة بإسرائيل، ولم تقطع العلاقات معها في ذروة الخلافات، مع إبقائها في مستوى منخفض، وتدعم حل الدولتين، وترفض أي محاولة إسرائيلية لتصفية الصراع أو شطب القضية الفلسطينية عن جدول الأعمال. وهي رفضت بقوة القرار الأميركي الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، كما رفضت بالحزم نفسه ما سميت صفقة القرن. وعلى الرغم من برودها على المستوى الرسمي، إلا أن العلاقات استمرت بوتيرة معقولة في السياق الاقتصادي، من القطاع الخاص أساساً، حيث يبلغ معدل التبادل التجاري بين إسرائيل وتركيا قرابة أربعة مليارات دولار سنوياً، مع فائض لصالح تركيا.
إذن، تركيا تقيم علاقة مع إسرائيل ولكنها تدعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ونضاله بكل الوسائل من أجل تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة. ويُذكر أن رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، كان أرفع مسؤول دولي (غير فلسطيني) يشارك في جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2011، لرفع مكانة فلسطين إلى دولة مراقبة، بدلاً من عضو مراقب، كما جرى الاحتفال بالمناسبة في مقر البعثة التركية في المنظمة الأممية. وإضافة إلى ذلك، تركيا من الدول القليلة التي تحتفظ بعلاقات جيدة مع حركتي فتح وحماس والسلطتين في الضفة وغزة، مع الإقرار طبعاً بشرعية منظمة التحرير والسلطة في رام الله في قيادة الشعب الفلسطيني وتمثيله في المحافل الدولية.
ترفض تركيا الحصار ضد غزة بقوة، وترفع الصوت دائماً ضد ممارسات الاحتلال الاستيطانية 
التهويدية في القدس والضفة الغربية، وكان هذا سبب الأزمات المتكررة في العلاقات، في السنوات السابقة، مع الحكومة الحالية، بل الحكومات الأكثر تطرّفاً في تاريخ إسرائيل. ومع ذلك، وفي زمن جائحة كورونا، ولدوافع إنسانية، وافقت على شراء القطاع الخاص الإسرائيلي مستلزمات طبية من القطاع الخاص التركي، علماً أن تركيا هي الثانية على مستوى العالم في إنتاجها بعد الصين. ولدوافع إنسانية أيضاً طلبت تقديم تبرعات ومساعدات وعدم ممانعة أو مماطلة من إسرائيل في إيصال كمية متساوية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة لمساعدتهم أيضاً على مواجهة الجائحة.
لا يتعلق الأمر أبداً بابتزاز أو تحقيق مكاسب سياسية، كما ادعت الحكومة الإسرائيلية وبعض المصادر المقرّبة منها، بل ينسجم مع موقف تركيا من القضية الفلسطينية، كما من مسؤوليتها الإقليمية والدولية تجاه الجائحة التي تضرب العالم (قدّمت تبرّعات ومساعدات لـ34 دولة بما فيها أرمينيا، بينما تلقت طلبات شراء مستلزمات من 93 دولة). وإسرائيل هي التي تمارس الابتزاز بحق الفلسطينيين في الضفة وغزة، خصوصا تجاه الأخيرة مع ربط أي مساعدات باستمرار التهدئة السارية الآن، والتي لها استحقاقاتها أصلاً وفق التفاهمات التي تم التوصل إليها برعاية مصرية أممية، وحتى باستعادة أسراها المحتجزين لدى حركة حماس، كما قال وزير الحرب، نفتالي بينيت، من دون دفع المقابل في صفقة تبادل عادلة، علماً أنها ملزمة قانونياً بمساعدة غزة، كونها القوة القائمة بالاحتلال وفق الفتاوى القانونية للأمم المتحدة. وحتى وفق فتوى وزارة الخارجية الإسرائيلية التي كانت قد أقرّت أن خطة إعادة الانتشار (في العام 2004) لا تنهي مسؤولية الدولة العبرية عن غزة، مع احتفاظها بالسيطرة على حدودها الثلاثة، البرية والبحرية والجوية.
عموماً، انتهت الأزمة التي افتعلها الجانب الإسرائيلي، والتي كانت زائدة ولا داعي لها. وكما قال الناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم غالن (12 إبريل/ نيسان)، سيتم وعلى ثلاث دفعات شحن المستلزمات التي اشتراها القطاع الخاص الإسرائيلي من نظيره التركي. وبالتزامن سترسل الحكومة مساعدات وتبرعات تركية مماثلة نوعاً وكمّاً إلى الشعب الفلسطيني، وحتى إذا ما تعثرت العملية في اللحظات الأخيرة، فقد تم تكريس القاعدة أن تركيا الجديدة لا تمانع البيع لإسرائيل "لدوافع إنسانية وحتى اقتصادية من القطاع الخاص"، لكنها تفعل الشيء نفسه رسمياً ومن الحكومة لفلسطين، تبرّعاً وتعبيراً عن عاطفتها ومسؤوليتها تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.
تعليق: