تركيا.. الانتخابات المبكرة على نار هادئة

26 سبتمبر 2019
الصورة
يعلن الناطق الرسمي باسم حزب العدالة والتنمية (الحاكم) في تركيا، عمر شليك، رفض إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة، ويقول إن هذا الأمر غير مطروح على جدول أعمال الحزب. وذلك فيما يقول زعيم المعارضة ورئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كيليشدار أوغلو، "إن ائتلاف الجمهور سيذهب إلى خيار الانتخابات المبكرة، على الرغم من أنه يعلن رفضه هذه الخطوة، لأنهم باتوا عاجزين عن إدارة شؤون البلاد". 
لا يمنح النظام الرئاسي التركي حزب العدالة والتنمية ما يريده، خصوصا أن المعارضة تقول إن نتائج الانتخابات المحلية في مارس/ آذار الماضي كانت عملية استفتاء على الحزب وسياساته، وعلى النظام الجديد المعمول به منذ عام، وكذلك على موقع الرئيس أردوغان ودوره السياسي الذي لا يقهر منذ أكثر من عقدين في نظر كثيرين.
عندما تبنّت قيادات "العدالة والتنمية" خيار الانتخابات المبكرة قبل عام، كانت تبرر ذلك بأنه 
سيساهم في دعم الاستقرار السياسي والاقتصادي، ويطلق يد الحكم في مشاريع وقرارات يحتاجها في التعامل مع ملفات حساسة في الداخل والخارج. حصل على ما يريد، واستطاع الفوز في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، لكنه عاد ووقع في مأزق الانتخابات المحلية التي تركته أمام اهتزاز صورته وتماسكه أمام قواعده. واحتمال الذهاب إلى الصناديق مبكرا، وعدم الانتظار حتى العام 2023 لن يكون مفاجأة، على الرغم من إعلان القيادات السياسية والحزبية أن المواطن التركي لم يعد يريد الإصغاء إلى حديث من هذا النوع تكرر كثيرا في السنوات الثلاث الأخيرة. الاحتمال الآخر أن يتخذ هذا القرار في النصف الثاني من العام المقبل، على ضوء عوامل ومؤثرات داخلية وخارجية كثيرة. هذا كله فيما مشكلات أردوغان وحزبه كثيرة وبالغة الأهمية:
خسارته الانتخابات المحلية في أكثر من مدينة تركية كبيرة، ثم قراره الاعتراض على النتائج في إسطنبول، والذهاب نحو انتخابات الإعادة التي جاءت نتائجها مخيبة أكثر للآمال، وتركت الحزب في موقف أكثر ضعفًا، بالنظر إلى وضعيته وثقله وقدرته على إعطاء القرارات والتحكم بتنفيذها. تنحي وزير الخارجية والاقتصاد التركي الأسبق، علي باباجان، من "العدالة والتنمية"، تمهيدا لإنشاء حزب إسلامي محافظ جديد، يدعمه الرئيس السابق عبد الله غول، وقيادات حزبية مغبونة أو مبعدة عديدة. تبعته استقالة رئيس الحزب ورئيس الوزراء بين عامي 2014 و2016، أحمد داود أوغلو، إلى جانب خمسة نواب وقياديين حزبيين، بعدما كان الحزب يستعد لطردهم، بسبب مواقف انتقادية واسعة لسياسات الحزب الداخلية والخارجية، وتأكده أن هذه المجموعة تتحرّك للإعلان عن ولادة حزب جديد، من رحم "العدالة والتنمية". ثم بروز طابور من أصدقاء الرئيس أردوغان وأقرب أعوانه، مثل حسين شليك وسعد الله أرغين وبشير أتالاي وجميل شيشاك، ينتظرون الفرصة المناسبة للالتحاق بأحد الحزبين، بعدما همشت أدوارهم، وتمت إحالتهم على التقاعد رغما عنهم.
يريد حزب العدالة والتنمية استرداد ما فقده من ثقل شعبي وانتخابي، لكنه يدرك استحالة ذلك بسبب الانشقاقات فيه، وكذلك مشكلة ارتباطه سياسيا بحزب الحركة القومية الذي يوفر له الدعم 
عند الضرورة، لكنه يطالب بالثمن الذي سيتضاعف حتما كلما تراجعت قوة حزب العدالة والتنمية، وزادت حاجته إلى حليفه اليميني القومي. وقد يريد أردوغان تكرار ما فعله حليفه زعيم "الحركة القومية"، دولت بهشلي، والذي دعا إلى انتخابات مبكرة العام المنصرم، حيث حاول ضرب حزبٍ انشق عنه قبل أن يقوى ويتمركز شعبيا وسياسيا، وربما هو نجح في ذلك إلى حد كبير، فهل يذهب أردوغان وراء سيناريو مشابه، بهدف إطاحة خصميه الجديدين، داود أوغلو وباباجان، قبل أن ينجزا عملية التموضع الحزبي في الأشهر القليلة المقبلة؟ مشكلة الرئيس التركي أنه تعهد بتحليل نتائج الانتخابات المحلية واستنتاج الدروس والعبر منها، لكنه لم يفعل ذلك. ومشكلته أيضا أن أصواته هو تتقدّم دائما على أصوات حزبه، وأنه قد يفوز مجدّدا في أية انتخابات رئاسية يخوضها قريبا، لكنه سيعاني من احتمال تراجع أصوات حزبه الذي قد يجلس في المعارضة.
جديد ما بين أيدينا هو ما نسبته وسائل إعلام إلى داود أوغلو قوله إن تطورات مهمة ستدفع غالبية الناخبين لترك "العدالة والتنمية". وسحب داود أوغلو وباباجان نوابا محسوبين على الحزب غير مستبعد، لكن الأزمة الحقيقية قد تكون عندما تتراجع حصة "تحالف الجمهور" تحت سقف البرلمان، والذي يملك 349 نائبا من أصل 600 إلى النصف مثلا. وهناك أقلام معارضة تتحمس، وتقترح على أردوغان أن يترك حزبه، ويذهب إلى بناء حزب جديد، عله يتخلص من ضغوط ومطالب وتوازنات تربكه وتضعفه أكثر فأكثر من أنصاره في الحزب، ومن شريكه دولت بهشلي.
ما سيحسم الأمور طريقة تعامل الحزب في الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة مع ملفات داخلية ساخنة، يتقدّمها الوضع الاقتصادي والمعيشي، وملفات خارجية في مقدمتها الموضوع السوري وسبل إزاحة أعبائه وارتداداته، وإلا فقد يكون النصف الثاني من العام المقبل موسما ساخنا على الجميع في تركيا.
تعليق: