تردي الأوضاع المعيشية.. هل يعجل بفقدان حفتر السيطرة على مناطق نفوذه؟

10 اغسطس 2020
الصورة
تشكو مناطق سيطرة حفتر من تردي الخدمات وسوء إدارة ملف كورونا (Getty)

قد يسرع التردي المعيشي والخدمي وسوء الأوضاع الأمنية التي يعيشها أهالي مناطق سيطرة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر من خروجها عن سيطرته، خصوصا مع تراجع قوته العسكرية وقبضته الأمنية التي استطاع من خلالها بسط سيطرته على ثلثي مناطق البلاد في السنوات الماضية، وسط بروز عدة قرارات وخطوات من سلطات هذه المناطق المحلية تجاوزت خلالها سلطته نسبيا، خصوصا بشأن جهود مواجهة خطر تفشي وباء "كورونا".

ووصلت البلاد إلى المستوى الوبائي الرابع ومرحلة الانتشار المجتمعي، بحسب تصريحات مسؤولي المركز الوطني لمكافحة الأمراض التابع لحكومة الوفاق في طرابلس، معتبرة أن أبرز أسباب وصول البلاد إلى هذ المستوى هو تأثيرات الانقسام السياسي والحكومي في البلاد الذي حد من جهود حكومة الوفاق في إيصال الدعم الطبي اللازم لمواجهة الفيروس.

وأعلنت بلدية سرت، التي لا تزال خاضعة لسلطة مليشيات حفتر، عن فرض حظر التجول الكلي على المواطنين بالمدينة بعد ارتفاع الإصابات بكورونا، كآخر إجراء تملكه سلطات المدينة لمواجهة تفشيه، لقاء "نقص كبير في المعدات الطبية والكوادر التي عجزت حكومة الوفاق عن إيصالها للمدينة"، بحسب الناشط المدني الفيتوري الأبلق.

وتعاني مدينة سرت من تبعات تحولها لمنطقة تماس ومواجهة، منذ مطلع يونيو/حزيران الماضي، بين قوات حكومة الوفاق ومليشيات حفتر المدعومة من مرتزقة "فاغنر" الروسيين الذين لا يزالون ينتشرون داخلها، وهو ما حد من قدرات مجلسها البلدي على توفير الاحتياجات الإنسانية من وقود ولوازم صحية وحتى غذائية، فضلا عن عجزها عن مواجهة خطر انتشار الفيروس.

وأكدت مصادر محلية من سرت وجود عمليات نزوح للكثير من المواطنين، ليس على خلفية تفشي الوباء فقط، بل بسبب صعوبة الوصول إلى الاحتياجات اليومية، كالمؤن وانقطاع المياه عن أغلب أحياء المدينة، وتحسبا لوقوع مواجهات عسكرية قد تمتد إلى الأحياء السكنية، كما أكدت أيضا، في حديثها لــ"العربي الجديد"، على شدة القبضة الأمنية التي تفرضها مليشيا 604 السلفية التابعة لحفتر على سلطات المجلس البلدي الذي أبدى موافقته على استقبال الإمدادات الطبية الخاصة بمواجهة تفشي "كورونا" من وزارة الصحة بحكومة الوفاق.

الإجراءات المصاحبة لجهود مقاومة تفشي "كورونا" غطّت على الكثير من المعاناة التي يواجهها المواطن في سرت

ويشير المهدي الخطري، وهو مواطن نازح من سرت، إلى أن الإجراءات المصاحبة لجهود مقاومة تفشي "كورونا" غطّت على الكثير من المعاناة التي يواجهها المواطن في سرت، مثل إغلاق المدارس والتجمعات الكبيرة والأسواق وحظر التجول، مؤكدا أنه "لولا وجود هذه الإجراءات المعمول بها في العالم لانكشف الكثير مما يعانيه المواطن  في المدينة".

وفي مدن غدامس، المتاخمة للحدود الجزائرية، وهون، أحد مدن منطقة الجفرة، تظاهر العشرات من المواطنين بسبب انقطاع المياه عن المنطقتين، كما نظم أهالي مدينة هون عصيانا مدنيا، منتصف الشهر الماضي، على خلفية مقتل مواطن من المدينة على يد مليشيات الجنجويد، ووقوع صدامات وشجار بينها وبين الأهالي.

وحمل أهالي مدينة هون، خلال احتجاجاتهم أمام المجلس البلدي لمنطقة الجفرة، أمس الأحد، في أيديهم جالونات فارغة تعبّر عن انعدام المياه، وكذلك مجسما على هيئة "تابوت"، في إشارة للتهديد بتصعيد الاحتجاجات في حال لم تتجاوب السلطات المحلية مع مطالبهم التي حددوها بتغيير مسئولي المجلس البلدي، وتغيير إدارة الشركة العامة للمياه.

وتبدو الأوضاع الانسانية المتردية التي تعيشها مناطق سلطة حفتر عاملا جديدا من المرجح أن يقوض سلطته، فبخلاف التشديد الأمني والعسكري الذين تعيشهما سرت، لم تعد تخفي السلطات المحلية في مدينة سبها، أكبر مدن الجنوب الليبي، تعاملها مع حكومة الوفاق، سيما على صعيد جهود مواجهة تفشي وباء "كورونا".

لم تعد تخفي السلطات المحلية في مدينة سبها، أكبر مدن الجنوب الليبي، تعاملها مع حكومة الوفاق

ومنذ بدء انتشار الفيروس، شكّل حفتر لجنة عليا لمكافحة الوباء، وعيّن لها رئيس الأركان العامة في مليشياته، عبد الرزاق الناضوري، رفقة عدد من الضباط والعسكريين، لضمان عدم تعامل المناطق الخاضعة لسلطاته مع السلطات الطبية والصحية بحكومة الوفاق، وهو السبب الذي أدى إلى "تحول سبها إلى البؤرة الأولى لانتشار المرض"، بحسب الأبلق، "لكن السلطات المحلية بالمدينة الواقعة في وسط الجنوب أصبحت تتعامل بشكل معلن مع الفرق الطبية في طرابلس ووزارة الصحة التي تمدها بالمعدات الطبية والكوادر اللازمة لمكافحة المرض، وآخر  ما يدلل على ذلك تصريحات محمد أبو خرام، رئيس غرفة مجابهة فيروس كورونا التابعة لبلدية سبها، بشأن نفي الأنباء المتداولة حول السيطرة على المرض بالمدينة، إذ أكد مواصلة الغرفة لتنسيق جهود مكافحة الوباء مع المركز الوطني لمكافحة الأمراض بطرابلس".

وعلى غرار كسر المجلس البلدي في سبها قبضة أجهزة حفتر الأمنية، أعلنت المجالس البلدية في عدة مدن بالجنوب الليبي، من بينها غات ومرزق، عن استقبال الفرق الطبية التابعة لوزارة الصحة بحكومة الوفاق، وتمكينها من الدخول لمناطقتها، حيث بدأت تلك الفرق في بناء "غرف العزل" وتدريب الكوادر الطبية على سبل مواجهة الوباء.

وأكد رئيس المركز الوطني لمكافحة الأمراض في طرابلس، بدر الدين النجار، لــ"العربي الجديد" تفاقم الوضع الوبائي بالجنوب الليبي، مشددا على أهمية تسهيل وصول الفرق التابعة لحكومة الوفاق إلى مدن الجنوب وتمكينها من العمل. وبينما أشار النجار إلى دور العوامل السياسية المنحازة للأجسام الحكومية الموازية في عرقلة الجهود للوصول إلى مناطق الجنوب، قال إن عدد الوفيات جراء المرض وصل إلى 120 حالة وفاة، و5541 مصابا بالفيروس، بعد تسجيل 309 حالة موجبة يوم أمس، وهي النسبة اليومية الأعلى حتى الآن في مناطق الجنوب الليبي.

لكن الخطر المحدق بمناطق "الهلال النفطي"، بعد التحذيرات التي أطلقتها المؤسسة الوطنية للنفط ومجلس النواب في طرابلس بشأن إمكانية مواجهة هذه المناطق لمخاطر انفجارات مشابهة لانفجار مرفأ بيروت، قد يعجل موجة الغضب الشعبي ضد سيطرة مليشيات حفتر وحلفائها من مقتلي مرتزقة "فاغنر" المسيطرين على موانئ النفط.

أكثر من 100 خزان موجودة في منطقة الهلال النفطي مليئة بمواد هيدروكربونية شديدة الانفجار عند تعرضها للحرارة أو عيارات نارية، ما قد يتسبب في حدوث كارثة أكثر مأساوية من تلك التي حدثت في مرفأ بيروت

وكانت المؤسسة الوطنية للنفط ومجلس النواب المجتمع بطرابلس قد حذرا، في بيانين منفصلين ليل أمس الأحد، من مغبة وقوع كارثة في منطقة الهلال النفطي مشابهة لتلك التي وقعت بمرفأ بيروت خلال الأيام الماضية. وبحسب بيان المؤسسة، فإن أكثر من 100 خزان موجودة في منطقة الهلال النفطي مليئة بمواد هيدروكربونية شديدة الانفجار عند تعرضها للحرارة أو عيارات نارية، ما قد يتسبب في حدوث كارثة أكثر مأساوية من تلك التي حدثت في مرفأ بيروت، موضحا أن خزانات أخرى تحوي مواد كيميائية سامة قد تتسرب للبيئة المحيطة، مما قد يلحق الضرر بالسكان المحللين أو المقيمين في التجمعات السكنية المخصصة للعاملين بالقطاع النفطي. وبينما أكدت المؤسسة أنه لا سبيل لتفادي حدوث مثل تلك الكارثة إلا برفع القوة القاهرة عن الحقول والموانئ النفطية التي فرضت بسبب انتشار مئات المسلحين التابعين لحفتر داخل الحقول، يرى الأبلق أن تجاوب المؤسسات والجهات الإنسانية والحقوقية مع هذه التحذيرات قد يرفع مستوى الغضب المكتوم لدى أهالي مناطق الهلال النفطي القاطنين بالقرب من موانئ النفط في البريقة والسدرة وراس الانوف والزويتينة.