ترامب يعطل انتعاش الاقتصاد الأميركي

26 يونيو 2020
الصورة
المقاهي في نيويورك بدأت مجدداً استقبال زبائنها (Getty)
+ الخط -

على الرغم من أنه المستفيد الأكبر من استعادة الاقتصاد لانتعاشه في أقرب وقت، خاصة مع الاقتراب من موعد الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/ تشرين الثاني القادم، ما زال الرئيس الأميركي يجرب سياسات اعتبرها الخبراء غير مدروسة، ومعطلة للاقتصاد، وتضعف فرص خلق الوظائف، كما أنها تقلل من فرص الابتكار والإبداع، اللذين لعبا الدور الأكبر في قيادة الاقتصاد الأميركي للعالم خلال نصف القرن الأخير. 

وبعد أدائه المخيب للآمال في قيادة جهود التصدي لوباء كوفيد-19، الذي تسبب في وفاة أكثر من 125 ألف مواطن، وإصابة ما يقرب من 2.4 مليون، ووضع القوة العظمي الأولى في العالم في صدارة الدول المتضررة من الوباء، ثم فشله في الاستجابة لمطالب الشارع الخاصة بإعادة هيكلة الشرطة وإصلاح النظام القضائي، وإحداثه أضراراً بالغة في علاقته بالعديد من حلفاء الولايات المتحدة، أصبح الاقتصاد هو الدعامة الأساسية لحملة إعادة انتخاب ترامب، رغم أن أرقامه حالياً هي الأسوأ منذ الكساد الكبير، الذي ضرب العالم قبل ما يقرب من تسعة عقود.

ورغم تحسن معدل البطالة في الولايات المتحدة، كما ظهر في البيانات الصادرة مطلع الشهر الجاري، ويوم الجمعة الماضي، لا يبدو أن لترامب، الذي يدعي أنه حقق أفضل نتائج اقتصادية في تاريخ الرؤساء الأميركيين، خطة واضحة، إلا تخفيض الضرائب على الأرباح الرأسمالية، التي تفيد أصدقاءه الأثرياء، ولا تفعل الكثير لإنقاذ اقتصاد البلاد.

وبينما اتبعت ألمانيا، كما دول أخرى داخل الاتحاد الأوروبي، سياسات احتفظت بالعلاقة بين العمال وجهات العمل خلال فترة الإغلاق الكبير، فاستقر معدل البطالة فيها تحت 4%، لم يتبع ترامب منهجاً مشابهاً، فارتفع معدل البطالة من أقل من 4% إلى ما يقرب من 14% في شهرٍ واحد.

ومطلع الشهر الجاري، عطلت إدارة ترامب بعض القوانين التي كانت توفر الحماية للطيور البرية والحيوانات والأسماك النادرة التي تتواجد في مناطق عمل بعض الشركات، بحجة مواجهة التحديات الاقتصادية الحالية، رغم عدم وجود علاقة واضحة تربط بين قتل الملايين من تلك الكائنات وتحسين أداء الاقتصاد. 

ويقول ديفيد يارنولد، رئيس إحدى الجمعيات المعنية بحماية الطبيعة، "بينما تواجه أميركا ظروفاً شديدة الصعوبة بفعل الجائحة، تصعد إدارة ترامب حربها التي لا تتوقف على الطبيعة". واعتبر أن الخطوة سيكون لها نتائج سلبية على الاقتصاد على المدى الطويل، رغم ادعاء الرئيس غير ذلك.

وعلى نحوٍ متصل، لا يبدو ترامب وإدارته في عجلة من أمرهما لإقرار حزمة إنقاذ جديدة، تشمل مدفوعات نقدية إضافية للأسر، أو لمد فترة انتفاع المتعطلين من إعانات البطالة الاستثنائية، التي تنتهي في آخر يوليو / تموز القادم، رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على فقدان نسبة كبيرة منهم لوظائفهم. 

ومع تأكيد ترامب يوم الاثنين أن الحزمة الجديدة ستصل إلى مستحقيها خلال أسبوعين، تشير مواعيد عطلات الكونغرس، الذي يتعين الحصول على موافقته قبل إقرار الحزمة، إلى عدم البدء في الصرف قبل نهاية أغسطس / آب القادم، في أقرب الأحوال.

وفي مقال حديث له، اعتبر جاريد برنشتاين، أستاذ الاقتصاد وكبير مستشاري جو بايدن، نائب الرئيس السابق، أن إدارة ترامب لم تفعل شيئاً لإنقاذ المواطن في الأزمة الاقتصادية الحالية، مضيفاً "سيستمر ترامب وفريقه في عدم عمل شيء لمحاصرة الوباء أو لإنعاش الاقتصاد، لقد تنحوا جانباً حينما كان البيت يحترق، والآن يبدأ المواطنون في إعادة البناء، فيبقى هؤلاء على موقفهم دون فائدة، انتظاراً للحصول على التقدير بعد إصلاح الاقتصاد".

ولم تقتصر سياسات ترامب التي اعتبرها المحللون غير مساعدة على انتعاش الاقتصاد في فترة ما بعد ظهور الوباء، حيث انتقد الكثيرون قانون الإصلاح الضريبي الذي أقره مطلع عام 2018، والذي منح الشركات الكبرى، كما العائلات الثرية، إعفاءات ضريبية غير مسبوقة، وكان لأغلبهم تحفظات منطقية على الحروب التجارية التي شنها على شركاء الولايات المتحدة التجاريين، وعلى رأسهم الصين، بعد أن تسببت في خسائر ضخمة للعديد من الفئات في الولايات المتحدة، وكان أهمها فئة المزارعين، وخفضت بصورة واضحة من معدلات الاستثمار والنمو خلال العامين الأخيرين.

ولا تبدو سياسات الهجرة المنحازة ضد المهاجرين بعيدة عن إعاقة الانتعاش الاقتصادي التي يبدو ترامب مصمماً عليها، حتى وإن ادعى غير ذلك. ويوم الاثنين، وقع ترامب أمراً تنفيذيا، أوقف فيه منح بعض أنواع تأشيرات الدخول للأجانب من ذوي المهارات العلمية والفنية المرتفعة، حتى نهاية العام الحالي. ولما كان أغلب المستفيدين من ذلك النوع من التأشيرات من العاملين في قطاع تكنولوجيا المعلومات من الهنود والصينيين وغيرهم، فقد اعتبر قرار ترامب معوقاً للدور الكبير الذي ساهم به وادي السيليكون في ولاية كاليفورنيا في النمو الاقتصادي الأميركي خلال العقد الأخير.

ومع وجود تقديرات بمنعه دخول ما يقرب من 500 ألف عامل فني من ذوي الخبرات في قطاع التكنولوجيا، أثار القرار حفيظة شركات التكنولوجيا الكبرى في الولايات المتحدة، حيث أكدوا أنه سيتسبب في الحد من قدرتها على تعيين المواهب، وأنه سيؤدي إلى الكثير من المضاعفات السلبية للاقتصاد الأميركي والعالمي.

ووصف متحدث رسمي بشركة أمازون، عملاق تجارة التجزئة الالكترونية، القرار بأنه "قاصر" وأنه "يمنع المتخصصين من أصحاب المهارات الفنية العالية من دخول البلاد والمساهمة في إعادة انتعاش الاقتصاد الأميركي، ويهدد تنافسيتها على المستوى العالمي ". وقال متحدث باسم عملاق التواصل الاجتماعي فيسبوك "ترامب يستغل الجائحة للحد من دخول المهاجرين، وهو ما يصعب عملية استعادة الانتعاش الاقتصادي".

وعلى حسابه على تويتر، غرد براد سميث، رئيس مجلس إدارة عملاق برامج الحاسب الآلي مايكروسوفت، منتقداً القرار، ومؤكداً أن "الوقت ليس ملائماً لغلق أبواب أميركا أمام المواهب القادمة من الدول الأخرى أو لخلق مزيد من الارتباك". وأشار سميث إلى أن المهاجرين يلعبون دوراً حيوياً، ويمثلون دعامة أساسية للبلاد، وأن أميركا تحتاج إليهم أكثر من أي وقت آخر.