ترامب يتجاوز البنتاغون ويمكّن "طالبان" في أفغانستان

ترامب يتجاوز البنتاغون ويمكّن "طالبان" في أفغانستان

01 اغسطس 2019
الصورة
القوات الأميركية في عملية بأفغانستان (توماس واتكنز/فرانس برس)
+ الخط -

كل أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسياسة الخارجية أصبحت رهينة حملته الرئاسية لانتخابات عام 2020. البيت الأبيض قلب الطاولة على وزارة الدفاع (البنتاغون)، وعزز موقف حركة "طالبان" في التفاوض مع واشنطن والحكومة الأفغانية، عبر إعطاء توجيهات تربط خفض عدد القوات الأميركية 14 ألفاً في أفغانستان، بموعد ذهاب الأميركيين إلى صناديق الاقتراع. ما يترك تساؤلات كثيرة حول مصير الاستقرار الأفغاني ومستقبل السياسة الأميركية في جنوب آسيا. اللافت أن الإعلان عن خفض عدد القوات الأميركية أتى يوم الاثنين الماضي من وزير الخارجية مايك بومبيو، بعد أقلّ من 24 ساعة على استلام وزير الدفاع الجديد مارك أسبر لمنصبه، الذي كان يُفترض أن يدرس هذه المسألة مع قيادات الجيش والبيت الأبيض، ومع الشركاء في الحلف الأطلسي في أفغانستان. وليس بومبيو فقط غير مخوّل بإعلان موقف عسكري كهذا، بل إن ترامب يسعى إلى عدم تكرار أسبر تجربة سلفه جيمس ماتيس، الذي تمسّك بضرورة بقاء القوات الأميركية في أفغانستان حتى تتوفر شروط الانسحاب، لا سيما أن أسبر قال خلال جلسة التصديق على ترشيحه في مجلس الشيوخ: "من الواضح أنني أشاطر وجهات نظر الوزير ماتيس"، رداً على سؤال عما إذا كان أقرب إلى ترامب أو ماتيس في مواقفه. فهم البيت الأبيض هذه الرسالة، وقد يكون ترامب أراد فرض شروطه على أسبر من البداية، لا سيما أن بومبيو تحدث عن "توجيهات الرئيس" ومازح الحضور خلال ندوة في "نادي واشنطن الاقتصادي"، بأن قرار الانسحاب مُرتبط بـ"تعزيز الوظيفة"، في إشارة مبطّنة إلى أن ترامب قد يقيل من لا ينفذ القرار. ترامب يحرص على ما يبدو على عدم تكرار سيناريو سورية، حيث لم يغادر أي جندي أميركي منذ القرار الرئاسي بالانسحاب في ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها ترامب عن الانسحاب من أفغانستان أو يطلب فيها إعداد خطة لهذا الانسحاب. مثلما هو الحال في سورية، لا يرى أي قيمة استراتيجية في البقاء بعد 18 عاماً من التورط الأميركي في أفغانستان، أدى إلى مقتل أكثر من 2400 جندي أميركي، مع كلفة حوالي 20 مليار دولار سنوياً. مقاربته هذه تتعزز في ظل سقوط 12 جندياً أميركياً هذا العام في أفغانستان، اثنين منهم هذا الأسبوع بعد ساعات من إعلان بومبيو قرار البيت الأبيض. لكن عدد القوات الأميركية في أفغانستان ازداد خلال العامين الأولين من ولاية ترامب بعد تدهور الوضع الأمني في البلاد. ما دفع الرئيس الأميركي الحالي إلى انتقاد قيادات الجيش علناً، ووصل به الأمر إلى القول في 22 يوليو/ تموز الحالي: "لا أريد قتل 10 ملايين شخص. لدي خطط بشأن أفغانستان. إذا أردت الفوز في تلك الحرب، ستُمحى أفغانستان عن وجه الأرض، وتزول وتنتهي حرفياً في غضون عشرة أيام".

طبعاً أفغانستان لم تكن نزهة بالنسبة للأميركيين كما لم تكن بالنسبة للاتحاد السوفييتي. بعد الغزو الأميركي عام 2001، كان لقب أفغانستان في واشنطن "الحرب المنسية" بين عامي 2003 و2008، حين اتجهت أنظار الرئيس الأسبق جورج بوش الابن لغزو العراق. مع الرئيس الأسبق باراك أوباما، عاد التركيز الأميركي على أفغانستان لدرجة أنها سُمّيت "حرب أوباما"، بعدما زاد عدد الجنود الأميركيين من 30 ألفاً عام 2003 إلى 100 ألف عام 2011. استراتيجية أوباما كانت تقويض حركة "طالبان" وتدريب الجيش الأفغاني وتثبيت استقرار الحكومة في كابول. وبحلول عام 2014، سلّمت إدارة أوباما العمليات الأمنية إلى القوات الأفغانية وقلّصت تدريجياً حجم القوات الأميركية، ليصل إلى أقل من 10 آلاف مع نهاية عام 2016. بالتالي عجزت الحكومة الأفغانية الغارقة في الفساد والنزاعات الداخلية عن ردع هجمات "طالبان" المتتالية لتخسر 60 في المائة من مساحة البلاد.

مع استلام ترامب، انتقل التركيز الأميركي إلى محاربة "داعش" في أفغانستان، فأسقط البنتاغون في شهر إبريل/ نيسان 2017 ما سمّي "أم القنابل" على مجمع للتنظيم في ولاية نانغارهار في شرق أفغانستان قرب الحدود الباكستانية. وبعد شد حبال بين البيت الأبيض ووزير الدفاع الأسبق جيمس ماتيس، أتت استراتيجية ترامب لجنوب آسيا في أغسطس/ آب 2017 لتتحدث عن انتشار مفتوح الأمد للقوات الأميركية بهدف إجبار حركة "طالبان" على التفاوض مع الحكومة الأفغانية. على الرغم من اعتراض ترامب العلني حينها، أرسل البنتاغون 4 آلاف جندي أميركي إضافي بصفة استشارية ليصل عدد الجنود في أفغانستان إلى 11 ألف جندي.
هذا الضغط من ترامب على البنتاغون لوضع جدول للانسحاب من أفغانستان، فرض تخلي واشنطن عن شرط تفاوض "طالبان" مع الحكومة الأفغانية لإنهاء الحرب، وبالتالي رضخت إدارة ترامب لطلب الحركة التفاوض حول الانسحاب بشكل مباشر مع الأميركيين. مع تعيين بومبيو في إبريل/ نيسان 2018، بدأت وزارة الخارجية تتماهى مع البيت الأبيض في هذا الملف، فعيّنت في سبتمبر/ أيلول 2018 السفير زلماي خليل زاد، مبعوثاً خاصاً للمصالحة الأفغانية بهدف إطلاق المفاوضات مع "طالبان".



وفي مطلع العام الحالي، توصّل الطرفان إلى "مسودة إطار يجب توضيحه ليصبح اتفاقاً"، بحسب تعبير خليل زاد لصحيفة "نيويورك تايمز". أهم نقاط مسودة الإطار، تعهّد "طالبان" بعدم إيواء مجموعات إرهابية والإعلان عن وقف لإطلاق النار والتفاوض مع الحكومة الأفغانية، مقابل تقليص عدد القوات الأميركية في أفغانستان، لكن ليس هناك ضمانات بأن الحركة ستنفذ تعهّداتها أو لا تعود إلى محاولة السيطرة الكاملة على البلاد بعد انسحاب الأميركيين. وليس واضحاً بعد ما هو مصير عناصر "طالبان"، هل سيتم دمجهم في الجيش الأفغاني رغم تحديات هذه الخطوة؟ وهل سيسلمون أسلحتهم إلى الحكومة الأفغانية؟

ربط ترامب الانسحاب من أفغانستان بموعد الانتخابات الرئاسية الأميركية يعقد جهود السلام في أفغانستان، ويربطها بعامل خارجي متعلق بحسابات ترامب الانتخابية. كما يُضعف المفاوض الأميركي مع "طالبان"، لأن الحركة تعلم الآن أن القرار اتُخذ وليس هناك حافز يدفعها للتنازل عن أوراقها التفاوضية. قرار ترامب ليس أمراً تنفيذياً بعد وقد يكون إعلان نوايا لتطمين "طالبان" عن جدية واشنطن بالانسحاب، بعدما أعلنت الحركة، يوم الأحد الماضي، أنها لن تبدأ مباحثات مع الحكومة الأفغانية في الأسبوعين المقبلين في أوسلو، قبل الاتفاق مع الأميركيين على صيغة انسحابهم من أفغانستان. والنقاش داخل واشنطن يدور حول ما إذا كان يجب الإعلان عن انسحاب أميركي قبل تقدم ملموس في عملية السلام الأفغانية وعلى الأقل قبل توقيع مذكرة التفاهم التي يتم إعدادها بين واشنطن و"طالبان"؟

التلويح بالانسحاب الأميركي يزيد أيضاً من هشاشة الحكومة الأفغانية، لا سيما أن الطرف الأميركي كان الداعم الأكبر لها على مدى عقدين. وعلى الرغم من أن الرئيس الأفغاني الحالي أشرف غني هو الأوفر حظاً في الانتخابات الرئاسية المتوقعة في شهر سبتمبر/ أيلول المقبل، إلا أن مكتب نائبه في هذه الحملة الرئاسية، أمر الله صالح، تعرّض لاعتداء في كابول، يوم الأحد الماضي، وهو معروف بمواقفه المعارضة لـ"طالبان" وبقربه من الأميركيين. كانت هناك محاولة للضغط على "طالبان" لتتفاوض مع الحكومة الأفغانية قبل موعد الانتخابات الأفغانية، لكن قرار ترامب قد يزيد من تصلّب الحركة في رفض المباحثات مع الحكومة الأفغانية التي تصفها بأنها "دمية" الأميركيين.

كما أن هناك تساؤلات حول ما إذا كانت كل من روسيا وإيران ستملآن الفراغ الأميركي في أفغانستان. فقائد القوات الأميركية في عهد أوباما، الجنرال جون نيكولسون، قال أمام الكونغرس في فبراير/ شباط 2017، إن "روسيا بدأت تشرعن طالبان علناً". واتهم موسكو وطهران بـ"العمل على تقويض الولايات المتحدة والحلف الأطلسي عبر توفير الدعم للحركة في غرب أفغانستان". الآن تغيرت المعادلة وأصبحت إدارة ترامب تشرعن "طالبان" وتتفوق على روسيا في الجهود لإيجاد حل سياسي في أفغانستان. قرار ترامب يترك الكثير من التساؤلات حول مدى سرعة هذا الانسحاب وإلى أي مدى سيكون مشروطاً بتطوّر الأمور على الأرض، وما إذا كانت واشنطن ستسعى لإبقاء نفوذها في كابول، لمنع توسع النفوذين الروسي والإيراني، والأهم من ذلك ما إذا كانت سترحل عن أفغانستان من دون استراتيجية خروج، لتجد نفسها مرة أخرى بعد سنوات مضطرة للتدخل في حرب خارجية هي الأطول في التاريخ الأميركي.


المساهمون