ترامب ومنافسته غير الشريفة للصين

28 مايو 2019
الصورة
حملة شرسة على هواوي (Getty)
ظنَّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنّ الصين ستستمرّ بتصدير الدُمى والأقلام والملابس إلى الولايات المتحدة، لكن في الواقع يتطلَّع التنين الآسيوي حالياً إلى الهيمنة التكنولوجية لا سيَّما من خلال شركة التكنولوجيا الصينية هواوي التي تتحكَّم في الجيل الخامس للاتصالات والتي ستنقل البيانات بسرعة قد تصل إلى 8 غيغابيت في الثانية، وهذا ما سيحدث نقلة نوعية في عالم الاتصالات.

أميركا لم تستسلم للأمر الواقع خصوصاً بعد سيطرتها على شبكة الجيل الرابع منذ عام 2010، ولهذا السبب تزامن انفجار أزمة "هواوي" مع الصراع الأميركي الصيني على ريادة الجيل الخامس.

أمام هذا السباق الشاق والخطير على صعود القمة التكنولوجية في العالم، لم يكن بيد ترامب إلا حلّ المنافسة غير الشريفة والمتمثل في إضافة هواوي و70 شركة تابعة لها إلى قائمة الكيانات Entity List، أي قائمة الشركات المحظور على الحكومة والشركات الأميركية التعامل معها بحجة أنّها تهدِّد الأمن القومي لأميركا.

ونحن على يقين بأنّها حجة أقبح من ذنب، فكل من ينافس أميركا يُعتبر تهديداً لأمنها، وكأنّ الغزو التكنولوجي الأميركي كان بريئاً ولم يهدِّد الأمن القومي لكل دول العالم.

وتوَّج ترامب حربه التجارية مع الصين بتضييق الخناق على عملاق التكنولوجيا هواوي وعزف على وتر الصين الحساس ولم يترك أسلوباً واحداً من أساليب المنافسة غير الشريفة إلا واستعمله.

قطرة من الصين أفاضت كأس ترامب

بحسب تقرير شركة الأبحاث IDC العالمية لتتبُّع الهواتف المحمولة والذي صدر نهاية إبريل/نيسان 2019، تراجعت مبيعات آبل الأميركية بنسبة 30%، ومبيعات سامسونغ الكورية الجنوبية بنسبة 8%.

أمّا مبيعات هواوي فارتفعت بنسبة 50% خلال الربع الأول من سنة 2019 نظراً لاستحواذها على ما يقارب 20% من سوق الهواتف الذكية في العالم، وتخطَّت إيرادات هواوي 107 مليارات دولار في 2018، وأُطلق عليها لقب "ثقافة الذئب" نظراً لتعطُّشها لكسب المزيد من المستخدمين تماماً كالذئب المتعطِّش لدماء فرائسه، وكذا لأسلوبها المسيطر والتوسُّعي والهجومي والمتجرِّد من الخوف.

ليس هذا فحسب، بل تخطِّط الشركة الصينية للسيطرة على تكنولوجيا المستقبل من خلال استثماراتها الهائلة في البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات القائمة على شبكات الجيل الخامس بسبب حصولها على أكبر عدد من العقود العالمية لبناء هذه البنية التحتية نظراً لجودة مُعدات "هواوي" وأسعارها التنافسية.

كل هذا بثَّ الرعب في نفوس قادة التكنولوجيا الأميركيين الذين تربَّعوا في وقت سابق على قمة الصدارة التكنولوجية قبل أن تزيحهم هواوي الصينية، لذلك كانت خطوة جدّ متوقَّعة من ترامب بألا يسمح لهذا الاقتصاد الناشئ بأن يتولَّى مهمة بناء شبكة الجيل الخامس في كل العالم.

استباح الرئيس الأميركي كل الوسائل الدنيئة والمنافية لاتفاقيات ومبادئ التجارة الدولية وشنَّ حربه التجارية التي كانت مجرَّد ذريعة لتقييد الصين من التسلُّق إلى أعلى سلم التكنولوجيا وإحباط خطتها الهادفة إلى تضييق فجوة الدخل بينها وبين الدول المتقدمة وإعادة هيكلة اقتصادها للتركيز على التصنيع عالي التقنية والذكاء الاصطناعي وغلق الفجوة التكنولوجية مع الدول المتقدّمة لا سيَّما أميركا.

ولم يكتفِ ترامب بهذا القدر، بل وضع حلفاءه من الدول الأوروبية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما استعمال المعدات التكنولوجية لهواوي، أو التمتُّع بميزة تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أميركا.

الأضرار التي ستلحق بـ "هواوي"

أعلنت شركة "غوغل" الأميركية الإثنين 20 مايو/أيار 2019 إلغاء رخصة أندرويد لهواتف هواوي ووقف جميع أعمالها مع الشركة الصينية رضوخاً لأوامر ترامب، وبالتالي لن يتمكَّن مستخدمو هواتف هواوي من استخدام تطبيقات غوغل المتنوعة.

كما أنّ وجود هواوي في القائمة السوداء الأميركية، التي سبق وأعلنت عنها وزارة التجارة الأميركية، سيمنعها من شراء المعدات التكنولوجية أميركية الصنع، كالمعالجات والرقاقات والتي تدخل في تصنيع وتطوير هواتف هواوي وغيرها من الأجهزة الإلكترونية لهذه الشركة.

لكن "هواوي" لن تتضرَّر لوحدها من ذلك، بل ستتضرَّر معها أيضاً شركات أميركية أخرى، لأنّ هواوي تشتري ما قيمته 15 مليار دولار من أشباه الموصّلات Semiconductors من شركات أميركية مثل كوالكوم وبرودكوم وانتل والتي ستتضرَّر بشكل كبير جراء قرار ترامب التعسُّفي الذي، وبمجرَّد صدوره، عصف بأسهم تلك الشركات الأميركية وأذاقها طعم الخسارة المرير، وبالطبع لن تشكر هذه الشركات ترامب على قراره وستضغط عليه لكي يرفع الحظر على التعامل مع "هواوي"، وحذَّر مجلس صناعة تكنولوجيا المعلومات الأميركي ITI من التداعيات الجسيمة لقرارات غدارة ترامب ضدّ "هواوي".

مواجهة الحرب الأميركية

العملاق الصيني "هواوي" كان في حالة ترقُّب لهذا الغدر الأميركي، وقام بوضع خطة تمكِّنه من سدّ العجز الذي ستحدثه المقاطعة الأميركية، إذ تمتلك "هواوي" شركة أخرى تابعة لها تُسمى هاي سيليكون تقوم بتصنيع أجزاء من أشباه الموصلات.

وقد شعرت شركة "هواوي" بالخطر الأميركي المحدق بها منذ اعتقال منغ وان تشو المديرة المالية للشركة، وابنة مؤسسها، وقامت بشراء كميات هائلة من أشباه الموصلات من الشركات الأميركية وخزَّنت معدات ورقائق أميركية الصنع تكفيها لمدّة قد تصل إلى سنتين.

كما بدأت بالبحث عن بدائل وتوسيع علاقاتها التجارية مع موردين آخرين كشركات تايوانية وكورية. وأهم خطوة استباقية حكيمة قامت بها "هواوي"، هي تطوير نظام تشغيل خاص بها تحت اسم "هونغ منغ" كبديل للأندرويد والويندوز ومن المُتوقع أن تقوم بتثبيته في هواتفها الذكية مع نهاية 2019 أو في بداية 2020 على أقصى تقدير.

ما يمكن قوله هو أنّ قرارات ترامب تنمّ عن ضيق أفقه وقصر نظره السياسي والاقتصادي، وسيجد الرئيس الأميركي، الذي لا ينافسه أحد من رؤساء البيت الأبيض السابقين في جنونه وتهوُّره، أنّه ضرب البلد الخطأ لأنّ قادة الصين هم أكثر ذكاءً وحنكة، وقراراته لن تزيد الصين إلا إصراراً على تطوير صناعاتها التكنولوجية وتحقيق الاستقلال التكنولوجي.

ويستمرّ ترامب باستفزاز الدول الآسيوية التي تدحض غروره، فقد ندَّد أخيراً بالفائض التجاري الياباني الكبير مع بلاده، وفي نفس الوقت شجَّع رجال الأعمال اليابانيين على ضخّ أموال أكثر في أميركا، ولمَّح إلى أنّه سيفرض رسوماً على الواردات اليابانية التي قد تشكِّل تهديداً للأمن القومي الأميركي، لأنه يؤمن تماماً بأنّ المنافسة الخارجية للاقتصاد الأميركي هي التهديد الفعلي للأمن الأميركي.