ترامب وعقدة الاقتصاد التركي

09 أكتوبر 2019
الصورة
أردوغان في لقاء سابق مع ترامب (Geety)
فعلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ نحو 13 شهراً، ونجح نجاحاً باهراً، فهل يستطيع تكرار السيناريو والنجاح في أكتوبر 2019؟


يوم 10 أغسطس/آب 2018 كتب ترامب تغريدة على تويتر نصها "أصدرت للتو أمراً بمضاعفة رسوم الصلب والألمنيوم فيما يتعلق بتركيا، في الوقت الذي تتراجع فيه عملتهم، الليرة، تراجعا سريعا أمام دولارنا القوي جدا، رسوم الألمنيوم ستصبح 20%، والصلب 50%، علاقاتنا مع تركيا ليست جيدة حالياً"، كما فرض ترامب عقوبات على وزيري العدل والداخلية التركيين.

بعدها انهارت الليرة بشكل قياسي لتفقد 30% من قيمتها خلال أيام، وسارعت البنوك وصناديق الاستثمار العالمية بسحب أموالها من أدوات الدين الحكومية بتركيا، وتهاوت البورصة وخفضت المؤسسات العالمية تصنيف تركيا الائتماني، وأصاب الشلل الاقتصاد وقطاعاته المختلفة خاصة العقارات والاستثمار المباشر، وقفزت أسعار السلع ومعها معدل التضخم.

ببساطة عاشت تركيا صيفا شديد الحرارة ربما لم تعشه منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في العام 2002، كما لم تعشه في الأيام التالية للانقلاب العسكري الفاشل الذي جرى يوم 15 يوليو 2016.

ساعتها أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن ترامب يشن حرباً اقتصادية شرسة ضد بلاده، ورغم مطالبته الأتراك بالتصدي لهذه الحرب القذرة وحماية عملتهم المحلية، إلا أن تغريدة ترامب استطاعت تدمير الاقتصاد التركي وإفقاده التوازن لعدة شهور.

ويوم الإثنين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2019 شن ترامب هجوما عنيفا على تركيا، وهدد مجدداً بتدمير اقتصادها إذا مضت قدما في هجوم عسكري تعتزم تنفيذه في سورية. وقال إنه "سيدمر ويمحو تماما" اقتصاد تركيا إذا أقدمت على شيء في سورية في أعقاب قراره سحب القوات الأميركية من شمال شرق سورية.


وأمس الثلاثاء، اليوم التالي لتصريح ترامب، كان كل شيء يسير على طبيعته بالنسبة للاقتصاد التركي، فلا الأسواق اهتزت، ولا الليرة تهاوت، بل شهدت ارتفاعاً بعد أن تراجعت يوم الأثنين تأثراً بالمخاطر الجيوسياسية المحيطة بالحملة التركية على شمال سورية، ولا استثمارات أجنبية فرت من البلاد، ولا مؤسسات هددت بخفض تصنيف تركيا.

ترامب نسخة 2018 يختلف عن ترامب نسخة 2019، ففي النسخة الأولى حقق نجاحات للمواطن والاقتصاد أبرزها خفض معدل التضخم خاصة أسعار الوقود، والحفاظ على سعر نفط منخفض رغم الحروب التجارية الكثيرة التي يخوضها ضد شركائه التجاريين والتوسع في سياسة فرض العقوبات على الدول الرافضة لسياساته.


كما نجح ترامب في زيادة معدل النمو الاقتصادي لأكثر من 3% في بعض الأوقات، وخفض معدل البطالة لأدني مستوياته منذ 50 سنة، كما قدم تسهيلات ضريبية للشركات، حيث شكل قانون الإصلاح الضريبي أكبر إنجاز تشريعي لترامب خلال عامه الأول. وشهدت أسواق "وول ستريت" المالية قفزات في أسعار الأسهم، وشهدت الأجور والدخول تحسنا مع خلق وظائف جديدة.

أما ترامب 2019، فهو مجروح داخليا، مهدد بالعزل من منصبه، تلاحقه أزمات اقتصادية ومالية، يواجه مخاطر واتهامات سياسية تتعلق بالتدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، يخوض حروبا تجارية لم يحقق نجاحا في معظمها خاصة مع منافسه القوي الصين، وبالتالي فإن تصريحاته حول تدمير الاقتصاد التركي لن تؤتي أكلها هذه المرة، بل جاءت فقط في إطار الحرب النفسية ضد الأتراك وربما إرضاء للأكراد الذين خذلهم.

وربما هذا ما دفع ترامب أمس إلى التراجع عن تهديداته بـ" تدمير الاقتصاد التركي" قائلا على حسابه في تويتر "تركيا شريك تجاري كبير للولايات المتحدة. لنتذكر دائماً، وعلى نحو مهم، أن تركيا عضو مهم للمكانة الجيدة لحلف شمال الأطلسي".