ترامب وضم الجولان

09 ابريل 2019
على الرغم من أن الأنظمة العربية، وبالذات المُذعِنة للسياسة الأميركية، والتي تسير اليوم على درب أصحاب صفقة القرن سيئة الصيت والسمعة، ليست بحاجة إلى دليل آخر ليقنعها بأن الولايات المتحدة ليست وسيطاً نزيهاً بين العرب وإسرائيل، وأنها الداعم والمحرض الأول لإسرائيل في عربدتها وغطرستها الفجة إزاء العرب، وأنها العدو الرئيسي، وبامتياز للأمة العربية والإسلامية ولقضيتهما المحورية: القضية الفلسطينية. 
إلّا أن قرار الرئيس ترامب بالتوجه صوب الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة يضاف إلى قائمة الأدلة الدامغة على عِـداء أميركا السافر للعرب، وعلى سماجة الأكذوبة "راعي عملية السلام في الشرق الأوسط"، كما يؤكد هذا القرار الأميركي (الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان السورية)، وما رافقه ويرافقه من صمت عربي رسمي مخزٍ لبعض الأنظمة العربية الخانعة بما يؤكد للشعوب العربية والأمة الإسلامية بكل أصقاع الدنيا للمرة الألف أن معظم حكام العرب ليسوا فقط عملاء ودُمى رخيصة تحركها واشنطن أمام أعين العالم، جهارا نهارا، ولا أنهم جزء من نكبة العرب التاريخية، بل هم النكبة بعينها، وهم الداء العضال (السرطان) الذي يفتك بالجسد العربي ويجهز على خلاياه وأنسجته، ويجب أن تتخلص منه الأمة، ولو على طريقة عملية جراحية طارئة لا تحتمل التأخير واستئصاله من جذوره، بعد أن بلَغَ إسفاف هؤلاء مبلغاً خطيرا إلى درجة أن الصمت تجاهه يُعد مشاركة غير مباشرة، بل قُــل مباشرة بالجُـرم وبمأساة الشعب الفلسطيني والسوري وبالقدس ومسجدها الأقصى، وبات هذا الصمت ضربا من ضروب التخاذل والانهزامية، نربأ بشعوبنا ونخبها الحية أن تقبله، ناهيك عن تبنيه.
حتى في ذروة زمن الانكسار العربي، منتصف القرن الماضي، لم يبلغ الاستهتار والاستخفاف الأميركي الصهيوني تجاه العرب وتجاه القضية الفلسطينية وباقي الأراضي العربية المغتصبة هذا المستوى من العجرفة الذي نراه اليوم، بل ولم يفكّر حُكام البيت الأبيض، على اختلاف انتماءاتهم الجمهورية والديمقراطية، منذ احتلال الجولان السورية عام 67 بمجرد التفكير أن يعلنوا اعترافهم بالجولان أرضاً إسرائيلية، ولم يعلنوا مجرد إعلان، ولو من باب المجاملات الأميركية لإسرائيل عن نيتهم نقل السفارة الأميركية الى القدس المحتلة أو الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لدولة اليهودية، ولم تبلغ العنصرية والشوفينية اليهودية بمتطرفي دولة إسرائيل درجة إصدار تشريعات وقوانين تعتبر دولتهم دولة يهودية محضة، لا مكان فيها للعرب وغير العرب، كما حدث قبل أشهر.
نقول إن مثل هذه القرارات الخطيرة لم تكن حاضرة مجرد الحضور في الذهن الأميركي، لكنها اليوم أصبحت تتخذ بكل بساطة وبكل اطمئنان، بأن لا أحد من هذه الأنظمة وعروشها وجيوشها بمقدوره أن يقول لا أو يجرؤ على أن ينبس ببنت شفة من الاعتراض، بل أن واشنطن وتل أبيب باتتا تتخذان قراراتهما من هذا العيار الثقيل، وهما تعلمان حالة الإذعان لهذه الأنظمة التي باتت تقدّم كل مقدسات أمتها وكرامتها قرابين لخطب ود واشنطن وتل أبيب من خلف ستار مفضوح، اسمه الخطر الإيراني على المنطقة، وهو البعبع الذي حتى لو يكن موجودا بصورته هذه لأوجدت أميركا وإسرائيل بديلاً له. هكذا يحدثنا منطق التاريخ وتجاربه منذ زرع هذه الدولة الغاصبة بالجسد العربي، فمنذ بعبع الخطر الشيوعي إلى بعبع الخطر الشيعي، خلقت أميركا للعقل السياسي العربي الضحل أكثر من بعبع، ولن يكون الخطر الإيراني المزعوم آخر هذه "البعابع"، فستخرج لنا المخيلة الأميركية والصهيونية حيَلا واختراعات كثيرة في قادم السنوات والمراحل، ولن تجدا في ذلك صعوبة أمام سذاجة العقل السياسي العقيم ورخاوة مواقف الحاكم العربي المرتعش تجاه واشنطن وتل أبيب.
حين يقول مسؤولا أميركا أو إسرائيل، أن سبب اعتداءاتهما المتكررة على سورية، هو الوجود الإيراني في سورية، وسبب العدوان والانتهاكات الصهيونية للأرضي اللبنانية، هو وجود حزب الله، أليس هذا استخفافا واحتقارا للعقل العربي الذي يتماهى مع مغالطات وأكاذيب ومبررات سخيفة كهذه؟ فمتى كانت إيران موجودة في سورية أثناء عدوان 1967 الذي احتلت فيه الجولان السورية؟ ومتى كان هناك حزب الله على الساحة اللبنانية حين غزا جيش شارون لبنان، وبلغ وسط وضواحي العاصمة بيروت عام 1982، وارتكب فيها وبباقي الأراضي اللبنانية فظائع ضد الإنسانية بحق الشعبين اللبناني والفلسطيني؟
من أسخف ما سمعناه قبل أيام على إحدى شاشات التلفزة تصريح لأحد قادة إسرائيل، يقول فيه إن قرار ترامب بالاعتراف بضم الجولان لإسرائيل، يأتي ردا على الوجود الإيراني في سورية، وأن الوجود الإيراني هناك هو الذي يمنع إسرائيل أن تعيد الجولان إلى سورية!
133EF6E4-0FC6-4FFC-99A3-7AB6251C802D
صلاح السقلدي (اليمن)