ترامب والكونغرس والقضاء الأميركي

29 مايو 2019
الصورة
بناء الجدار واحداً من أهم وعود ترامب الانتخابية(فرانس برس)
+ الخط -
في أول حكم قضائي في نزاع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الكونغرس، والخاص بتوفير التمويل الذي يطلبه لبناء جدار على الحدود الجنوبية لبلاده مع المكسيك، منع قاضٍ فدرالي من ولاية كاليفورنيا، الجمعة الماضي، ترامب وإدارته من المضي قدماً في إنشاءات الجدار في ولايتي تكساس وأريزونا، مستخدمين أموالاً لم يقرها الكونغرس.

واعتبر هايوود جيليام، القاضي الذي أصدر الحكم في أكثر من خمسين صفحة قبل ساعات قليلة من الموعد المحدد لبدء الإنشاءات، أن خطط ترامب لتحويل الأموال الفدرالية لبناء الجدار، بدون الحصول على موافقة الكونغرس، تتجاوز صلاحيات السلطة التنفيذية، مؤكداً أن سلطات الكونغرس المطلقة على الإنفاق الفدرالي ليست خطأً في النظام الدستوري، وإنما هي سمة أساسية فيه، حتى لو تعارض ذلك مع رغبات السلطة التنفيذية.

وفي تعليقه على الحكم، انتقد جافين نيوسوم، حاكم ولاية كاليفورنيا المعروف بمعارضته الشديدة للكثير من آراء ترامب، فكرة بناء الجدار على الحدود مع المكسيك، وقال إنه يتعين على أميركا بناء الجسور، لا الأسوار. وطالب نيوسوم الحكومة الفدرالية بالتركيز على التهديدات الحقيقية التي تواجهها الولايات مثل الحرائق وتهريب المخدرات.

وجعل ترامب من بناء جدار على الحدود مع المكسيك واحداً من أهم وعوده الانتخابية في 2016. وفي أواخر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، رفض ترامب توقيع الموازنات التي قدمها له الكونغرس، لعدم توفيرها التمويل الذي طلبه لبناء الجدار، الأمر الذي تسبب في إغلاق الحكومة الأميركية لمدة 35 يوماً.

وفي فبراير/ شباط الماضي، أعلن ترامب حالة الطوارئ الوطنية، التي تسمح له بتحويل مليارات الدولارات المخصصة للإنفاق العسكري، وأشياء أخرى، إلى بناء الجدار، وهو ما تسبب في بدء المعركة القضائية بينه وبين العديد من الجهات.

ومازالت المحاكم في الولايات الأميركية تنظر بعض هذه القضايا، وعلى رأسها القضية التي رفعها مجلس النواب، الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، في إحدى محاكم واشنطن العاصمة.

وتشير التوقعات إلى أن إدارة ترامب، التي أعلنت مراراً أن الجدار سيتم بناؤه سواء بموافقة الكونغرس أو بدونها، ستستأنف الحكم.

وكان ترامب قد توقع صدور أحكام ضده، في القضايا المتعلقة ببناء الجدار، في مراحلها الأولية، وبصفة خاصة في القضايا المرفوعة في الولايات الليبرالية على الساحل الغربي للولايات المتحدة، آملاً في سير الأمور وفق هواه عند وصولها إلى المحكمة الدستورية العليا، معتبراً أن قدوم المهاجرين إلى الولايات المتحدة عن طريق الحدود الجنوبية "يعد غزواً لبلاده".

وقال القاضي جيليام، الذي عينه الرئيس السابق باراك أوباما، إن "القضية ليست في كون خطط بناء الجدار حكيمة أم لا، ولا إذا ما كان بناء الجدار هو القرار الصائب في ظل الظروف التي تواجهها حدودنا الجنوبية أم لا، وإنما يتعلق الأمر بصلاحيات السلطة التنفيذية وفقاً للدستور، وإذا ما كانت خطة بناء الجدار تتجاوز تلك الصلاحيات".

تصاعدت الأمور إلى درجة الوصول إلى المحاكم الأميركية، وصدور أحكام على غير هوى الرئيس الأميركي، رغم أن الصراع على مبلغ لا يتجاوز بضعة مليارات من الدولارات، لا تمثل أكثر من واحد من عشرة آلاف (0.0001) من حجم ميزانية الدولة.

وفي مصر، قدرت التكلفة الإجمالية للمرحلة الأولى من مشروع العاصمة الإدارية الجديدة (شرق القاهرة) بحوالي 45 مليار دولار، تمثل ما يقرب من خمسين بالمائة من إجمالي المصروفات في موازنة الدولة للعام المالي الذي يبدأ بعد شهرٍ واحدٍ تقريباً.

ولا يعرف الشعب المصري، أو ممثلوه في مجلس النواب، من أين تم توفير تلك الأموال، وبأي تكلفة، ولا كيف يتم توجيهها للإنفاق، ولا تصدر معلومة في هذا الخصوص، بخلاف التأكيد على أن ميزانية الدولة لن تتحمل جنيهاً واحداً من تلك النفقات!

وببساطة شديدة خرج النائب ياسر عمر، وكيل لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، ليقول مؤخراً إن "المجلس لن يطلع على موازنة شركة العاصمة الإدارية الجديدة"، معللاً ذلك بوجود جهات تابعة للقوات المسلحة ضمن هيكل ملكية الشركة، وهي جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، التابعة لوزارة الإسكان، وهو ما يعني أن ما ينطبق على موازنة القوات المسلحة من قواعد ينطبق على موازنة شركة العاصمة الإدارية، وحيث إنه لا يجوز لمجلس النواب مراجعة تفاصيل موازنة القوات المسلحة، فلا يمكنه الاطلاع على موازنة شركة العاصمة الإدارية!

وفي تلاعب واضح بالألفاظ، يؤكد النائب أن العاصمة الإدارية الجديدة لا تأخذ مليماً واحداً من "موازنة الدولة"، ناسياً أو متناسياً التصريحات التي تؤكد أنها تعتمد على الشراكة بين جهات تابعة للدولة، الأمر الذي يعني أنها تستخدم "موارد عامة"، عن طريق بيع الأراضي المخصصة للمشروع، والتي تعد جزءاً من "المال العام".

الفصل بين السلطات لم يعد ترفاً، نلجأ إليه "بعد الاستقرار" و"استتباب الأمن". الفصل بين السلطات هو من أهم الوسائل التي يمكن أن تؤدي إلى الاستقرار واستتباب الأمن، حين تكون في الدولة جهة تنفيذية تطلب توفير بعض الموارد لمشروعات تنموية، ترغب في إتمامها، لأنها رأت من واقع "دراسات الجدوى" التي قامت بها أن ستجلب منفعة للمواطنين، فتقوم الجهة التشريعية بتوفير الموارد، كلها أو جزء منها، بحسب أولويات الإنفاق العام، التي تقرها الجهة التشريعية، ممثلةً في المجالس النيابية "المنتخبة"! وفي حالة وجود خلاف بين الجهتين، يتم اللجوء إلى القضاء ليحكم بينهما، وفقاً لما تم النص عليه في "الدستور"!

أما أن نفترض أن تسير الأمور وفقاً لرؤية الجهة التنفيذية وحدها، التي تطمئننا من حين لآخر بأن خزانة الدولة لن تتحمل جنيهاً واحداً، بينما الأراضي التي تملكها الدولة يتم بيعها بالليل والنهار، سراً وعلانيةً، ودون محاسبة لمتخذ قرار البيع، سواء فيما يخص السعر، أو الطرف المباع إليه، أو كيفية إنفاق إيرادات البيع، فلا يمكن أن يكون أسلوب إدارة أي جماعة من البشر في الألفية الثالثة!

المساهمون