ترامب والخيانة من نوع آخر

21 اغسطس 2019
الصورة
لكثرة ما يتم استغلال مصطلح الخيانة الوطنية لإقصاء المختلِف وتصفية الخصم وتشويه المُطالِب بحقّ، تبريراً لإطاحته من المشهد، صار لزاماً إرفاق استخدام العبارة بقوسين يلقيان شكوكاً كثيرة على من تُلقى عليه الشبهة، تذكيراً بالقاعدة الأثيرة: المتهم بريء حتى تثبت إدانته. ولأن تعريف كل من الخيانة والعمالة ضيّق بمستوى ضيق الحدود الجغرافية والعقائد والأيديولوجيات، "المدنية" والدينية منها، ويدين المتهم بهما في حال فضّل أي قيمة، ولو كانت إنسانية سامية، على مصلحة وطنه الضيّق مهما اتسعت أراضيه، فإن بعض الخيانة الوطنية يصبح فضيلة عندما يتجرأ فاعلها على جعل الهم الإنساني المجرد من الدين ولون البشرة والمعتقد في مكانة أسمى من أيديولوجية وطنه وعقيدة دولته. هكذا يحصل مثلاً حين يرفض موظف حكومي إيطالي اليوم تنفيذ أوامر حكومته بترك لاجئين يغرقون في البحر لأنّ مصالح دولته تلزمه بذلك، أو كأن يتقاعس عسكري سوري نظامي عن تنفيذ غارة على تجمّع لمدنيين، يعتبرهم أسده عملاء لدولة أخرى وأعداء للوطن وجب قتلهم بعد التنكيل بهم، أو أخيراً، عندما يكسر إسرائيلي واجباته الصهيونية، ويجاهر برفضه استمرار الاحتلال والتهجير والقتل بحق الفلسطينيين.
وبينما يمكن سرد عدد لامتناهٍ من الأمثلة عن الخيانة الوطنية "الحميدة"، يقدم دونالد ترامب نوعاً جديداً أو نادراً لخيانة من نوع آخر، حين يؤنّب حكومة بنيامين نتنياهو على قرارها الأولي القاضي بالسماح لنائبتين من مجلس النواب الأميركي بزيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة، لأن السماح ذاك كان من شأنه أن يُظهر إسرائيل "دولة ضعيفة"، على ما قال. ضعيفة لأنه كان من المتوقع أن تدلي النائبتان إلهان عمر ورشيدة طليب بتصريحات ومواقف متضامنة مع الفلسطينيين، وهما معارضتين علناً لجرائم دولة الاحتلال حتى أصبحتا منبوذتين حتى من قبل أوساط شديدة النفوذ في حزبهما الديمقراطي، الذي لطالما كان مؤيداً لإسرائيل أكثر من تأييد الحزب الجمهوري لها. لكن أغلب الظنّ أن دونالد ترامب، في فعلته تلك، كان يصفّي حسابات داخلية تتعلق بالحرب المفتوحة بينه وبين الحزب الديمقراطي حول قضايا داخلية وسياسات خارجية معلومة، تبدأ باستعانته بروسيا للوصول إلى البيت الأبيض في ذلك اليوم الأسود من نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، وتلك خيانة وطنية موصوفة أُحبطت محاولات محاكمته عليها حتى الآن، ولا تنتهي برغبة ترامب بإعادة النواب الديمقراطيين من جذور مهاجرة فقيرة إلى بلدانهم الأم، بما يستثنيه هو وزوجته أولاً، هو الألماني وميلانيا السلوفينية، هذا إن انحدرنا في نقاش الهويات وجارينا المنطق العنصري الوضيع لدونالد ترامب.
في قصة عمر ــ طليب، نحن أمام رئيس دولة يحرّض علناً حكومة دولة أخرى ضد نائبتين من بلده، وينجح في تحريضه، فتقوم الدولة المزعومة بالفعل بمنع دخول السيدتين إلى فلسطين، أكان من مطار بن غوريون أو براً من خلال معبر الضفة الغربية مع الأردن. خيانة مزدوجة بحسب التعريف التقليدي: ترامب حريص على مصلحة دولة أجنبية ضدّ مشرّعتين منتخبتَين في بلده، تحملان جواز السفر نفسه الذي يحمله هو، وتحظيان نظرياً بالحقوق نفسها التي يحظى بها، من جهة، وحكومة إسرائيلية تخضع لأوامر رئيس دولة أجنبية، فتكسر قرارها السيادي وتنصاع لتعليماته، من جهة ثانية.
نجهل يقيناً من هو الفاعل ومن يكون المفعول به في هذه الحالة. ما هو جليّ هو أنّ دونالد ترامب ينحدر بالعالم وبمفهوم السياسة إلى مرتبات دنيا عددها يناهز عدد أيام حكمه. والأسوأ هو أن عدد السياسيين الذين يغارون من ترامب في ذاك الانحدار، يتضاعف حول العالم. والأنكى من كل ذلك، أن لا مؤشرات توحي باحتمال تشكل رأي عام أميركي عابر للحزبين قريباً، يقول كفى لاستمرار هذه المهزلة ــ المأساة، بما أن استمرار وجود هذا الرجل حتى في منصب مدير شركة، هو بحد ذاته خيانة لكلّ ما هو جميل في هذا العالم.