ترامب وابتزاز دول الخليج

27 ابريل 2018
الصورة
+ الخط -
لم يكن تصريح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن ضرورة تحمل دول الخليج تكلفة حمايتها مفاجئا أو صادماً، فالرجل متمرّس في الابتزاز السياسي والمالي لحلفائه. وهو قد أعلن صراحة منذ ترشح للانتخابات أن على الدول الغنية في منطقة الخليج، خصوصا المملكة العربية السعودية، أن تدفع ثمن حمايتها، وهو ما أعاد تكراره قبل أيام في المؤتمر الصحافي المشترك مع نظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون.
لا يخفي ترامب جشعه وابتزازه المالي لدول الخليج، وهو الذي فاجأ الجميع قبل أسابيع عندما استعرض لوحة كبيرة تحمل المبالغ التي حصل عليها من السعودية في مقابل صفقات السلاح التي عقدها معها منذ توليه السلطة، وذلك في البيت الأبيض، مداعبا ضيفه ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في أثناء زيارة الأخير الولايات المتحدة في شهر مارس/ آذار الماضي، بأن مبالغ هذه الصفقات، والتي تصل إلى بلايين الدولارات، مجرد "مبالغ زهيدة"، بالنسبة لولي العهد الذي كان يبتسم، ولم يرد على وقاحة مضيفه.
منطق ترامب في التعاطي مع دول الخليج هو منطق التاجر، وليس السياسي الذي يروم علاقات سياسية واستراتيجية مع حلفائه، وهو المنطق الذي ساهم في تعضيده وتشجيعه عليه سلوك بعض مسؤولي دول الخليج، خصوصا في الإمارات والسعودية، فمنذ جاء الرجل إلى السلطة، وربما قبلها، اغدقت الدولتان بلايين الدولارات عليه وعلى عائلته ورجال إدارته. ولم يعد الأمر سراً، فقد كشفت تقارير وتسريبات عديدة عن تورّط دولة الإمارات غير المسبوق في شراء ولاء ترامب وزوج ابنته جاريد كوشنير. بل وصل الأمر إلى أن يتباهى المسؤولون في كل من السعودية والإمارات بشراء ولاء ترامب ورجاله، ويتعاطون معها وكأنها ميزة، وذلك من دون حياء أو خجل. وهو أيضا ما وضح بقوة في أثناء زيارة ترامب للسعودية قبل حوالي عام، والتي تمت معاملته فيها كما لو كان ملكاً متوّجاً، فقد أدرك المسؤولون في السعودية أن أسرع طريق إلى قلب ترامب هو جيبه، فأغدقوا عليه من الأموال والعطايا من أجل شراء ولائه. واعتقدوا خطأ أن الرجل شبع، أو سوف يتوقف عن ابتزازهم، ولذا بنوا استراتيجيتهم وسياساتهم الإقليمية على أساس أن ترامب قد أصبح "في جيبهم". ولذلك أعلنوا حصار قطر ومقاطعتها، وانخرطوا في خطاب استفزازي ضد إيران، ومارسوا عنجهيةً غير مسبوقة في سلوكهم السياسي في كل من اليمن وليبيا وسورية.
وقد دخلت قطر على الخط، فسعت إلى تقوية علاقاتها بإدارة ترامب، لكنها اتبعت مساراً مختلفاً لذلك الذي اتبعته أبو ظبي والرياض، وذلك بالتأكيد على الشراكة الاستراتيجية بينها وبين الولايات المتحدة، فقد بنت علاقات قوية مع المؤسسات الأميركية، خصوصا وزارتي الخارجية والدفاع، ولم تهرول لشراء ولاء ترامب أو كوشنير. بل تفيد عدة تقارير إخبارية بأن الأخير حاول عقد صفقة تجارية مع قطر، من خلال أبيه، تشارلز كوشنير، ولكن تم رفضها لعدم جدواها الاقتصادية والمالية.
ويظل الأسوأ فيما صرّح به ترامب حول موضوع "الدفع مقابل الحماية" محاولة مسؤولين خليجيين توظيفه في خلافهم الراهن، مثلما فعل وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير الذي أصدر بيانا رسمياً "يشرح ويؤول" فيه تصريح ترامب على أنه موّجه لقطر، وذلك بشكل مثير للسخرية. وقد تناسى الرجل أن بلاده من أكثر دول الخليج، ويا للمأساة، اعتماداً على الحماية الأميركية، لمواجهة خصمها الإيراني، تماماً كما كانت هي الحال عند مواجهة عراق صدام حسين.
ابتزاز ترامب دول الخليج لن يتوقف، ما دام هناك من هو مستعد ليس فقط للدفع، وإنما أيضا لاستمرائه والصمت إزاءه.