ترامب وإيران

ترامب وإيران

17 أكتوبر 2017
الصورة
+ الخط -
حجزت إيران والاتفاق النووي الخاص بها حصة كبيرة في خطابات دونالد ترامب الرسمية، منذ كان مرشحاً للرئاسة الأميركية، حيث اعتبر إيران عدوّا لبلاده، وأن الاتفاق النووي الذي أبرمه باراك أوباما معها كان نكسة وإخفاقاً دبلوماسياً لأميركا، ونصراً عسكرياً واقتصادياً لإيران.
يقول ترامب إن إيران كانت على حافة الانهيار عشية توقيع الاتفاق، وجاءت هذه الوثيقة لتنتشلها من ضياع اقتصادي، قد يؤدي، في نهاية المطاف، إلى تصدّع النظام الإيراني ذاته. تنطوي هذه الأفكار على إيمانٍ عميقٍ بنظام العقوبات وجدواه على إيران بالذات، ويفضل ترامب لو أن العقوبات المطبقة على إيران كانت أكبر، لتطاول قطاعات أكثر، مثل مليشيا الحرس الثوري، بدلاً من توقيع اتفاقٍ قد ينقذ إيران، ويزيد من هيمنتها ومقدرتها على مد أذرع إضافية إلى المنطقة، لمضايقة حلفاء أميركا، أو حتى الحلول مكانهم.
وقَّع ترامب خلال تسعة أشهر مرتين على قبوله الاتفاق، حيث يُجبِره تشريع خاص على مراجعة بعض جوانبه كل ثلاثة أشهر، ويفيد بعدها الكونغرس فيما إذا كانت إيران ملتزمة بالتطبيق أم لا، ولكنه أخيرا، وبضجيج هائل، قرّر رفض التوقيع.
ماذا سيحدث بعد أن يرفض ترامب التصديق على الاتفاق؟ بالطبع لن تحدث الحرب في اليوم التالي، ولن تحدث أية مواجهات، ولن تُعتبر أميركا منسحبة من الاتفاقية، لكن الأمر سيُحدث ضجيجاً، وجلبة كبيرة في الكونغرس، وكذلك على مستوى الحلفاء في أوروبا والمنطقة، ومن المؤكد أن تقع مبارزة إعلامية كبرى بين النظام في إيران وأميركا. ويمكن للكونغرس، بعد ستين يوما، فرض عقوبات اقتصادية ضد إيران، وإقراره هذه العقوبات سيشكل خرقاً للاتفاق النووي، وعندها تكون أميركا في حكم الخارجة منها، ولكنَّ للاتفاق أطرافاً أخرى، ويمكن أن تستمر طهران فيها بوجود فرنسا وبريطانيا وألمانيا، إلا إذا قرّرت هذه الدول موقفاً معاضداً لموقف الولايات المتحدة.. استبق الأوروبيون هذه الأحداث، وأعلنوا أنهم ملتزمون بالاتفاق. ولكن قد لا تقوى الشركات الأوروبية الكبرى على الوقوف في وجه الإرادة الأميركية، وإذا طبَّقت أميركا عقوباتٍ، فمن المرجح أن تصبح هذه الشركات أكثر حذراً في التعامل مع إيران، الأمر الذي سينسحب على الحكومات أيضاً، وهذه، وإن أبدت موقفاً مغايراً سيتميع لاحقاً بفضل الضغوط الأميركية التي تبدو جديةً، طالما بقي موقف ترامب بهذه الحدّة، ما يتيح على الأقل فتح حديث آخر عن البرنامج الباليستي الإيراني الذي يبدو في ريعان شبابه، وبعض صواريخه قادرة على الوصول إلى مناطق بعيدة في الخليج وإسرائيل، وهو الأمر الذي استدعى كل هذا القلق الأميركي.
قد تنسحب إيران من الاتفاقية، وتعود إلى إحياء النقطة التي توقفت عندها في برنامجها النووي، وتعيد الحياة إلى أجهزة الطرد المركزي التي أثارت جدلا كثيرا، وتزيد معدّلات التخصيب التي شكلت قلقاً أكبر للولايات المتحدة وحلفائها، وهذا يتطلب مواجهة قد تتجاوز تشديد العقوبات، لأن آثار العقوبات تتحول باتجاه الشعب الذي يعاني أساساً، ويمكن تحويل هذه الضغوط الكبيرة إلى مكتسباتٍ سياسية، يستثمرها الساسة الإيرانيون على شكل مزيد من الكراهية لأميركا وتبرير مضاعف لاستمرار البرنامج النووي. وقد يجد الطرفان الصامتان والموقعان على الاتفاقية (موسكو وبكين) أكثر من طريقةٍ لمساندة إيران، وسلاحهما هو عدم وفاء الولايات المتحدة بما تعاقدت ووقَّعت عليه، وهو السلوك الذي لا يليق بدولة عظمى. هذا يجعل الموقف أكثر تعقيداً، ويزيد من تدهور الأوضاع في المنطقة، خصوصا أن ترامب وجه اتهامات لإيران، يمكن أن تنطبق على روسيا، مثل مساندة بشار الأسد الذي يستخدم الأسلحة الكيميائية ضد شعبه.
زادتْ متغيرات الإقليم واحداً، والحرب على تنظيم الدولة الإسلامية لم تنتهِ بعد، وإعلان استقلال إقليم كردستان حاضر ومتزامن مع الدخول التركي إلى إدلب، كل هذه المعطيات تجعل استقرار الإقليم مستبعداً في المستقبل المنظور.