ترامب وإسرائيل والتملق القاتل

13 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
لا يكفّ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن التودّد لإسرائيل ولوبيها في الولايات المتحدة، إلا أن مساعيه تلك تثير مخاوف كبيرة في الدولة العبرية، وبين صفوف اليهود الأميركيين، خشية أن تكون من باب التملق القاتل. جديد تقليعات ترامب في هذا السياق الأمر التنفيذي الذي وقعه الأربعاء (11 ديسمبر/ كانون الأول)، وبموجبه يمكن لوزارة التعليم الأميركية أن تمنع أي مساعدات أو هبات فدرالية عن الجامعات الأميركية التي تتقاعس عن مكافحة معاداة السامية. 
طبعاً، لا مشكلة في التصدّي لمعاداة السامية بحد ذاتها، فهذا مرض عضال آخذ في الانتشار في الولايات المتحدة، مثل الإسلاموفوبيا والتمييز العرقي، ومعاداة الأجانب عموماً. المشكلة هنا في التعريف الذي يستلهمه الأمر التنفيذي محل النقاش، وفي غرضه الحقيقي. ويعتبر التعريف الجديد المشاعر المعادية لإسرائيل والتأييد الواسع في حرم الجامعات الأميركية لحركة مقاطعتها وسحب الاستثمارات منها وفرض عقوبات عليها، بسبب احتلالها للأراضي الفلسطينية، وهي الحركة المعروفة عالمياً، باسم "بي دي أس"، أنشطةً قد تدخل تحت بند معاداة السامية. وبالتالي، قد تكون الجامعات تخاطر بتمويلها الفيدرالي. إذاً، الأمر التنفيذي الأخير لترامب هو دعوة إلى كبت الأنشطة المناصرة للقضية الفلسطينية في الجامعات الأميركية، كما أنه تعدٍّ سافر على حرية التعبير، الذي يضمنه التعديل الدستوري الأول، عبر خلط بغيضٍ بين معاداة السامية وانتقاد إسرائيل.
هذه الخطوة الأخيرة من إدارة ترامب مجرد حلقة في سلسلة طويلة من السياسات والقرارات 
المحابية للتحالف اليميني المتطرّف الحاكم في الدولة العبرية، والجناح المتشدد في اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة. وكان ترامب قد اعترف من قبل بالقدس عاصمة لإسرائيل، ثمَّ نقل السفارة الأميركية إليها، وأغلق بعد ذلك مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وقطع المساعدات عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في محاولة لإرغامها على إعادة تعريف من هو اللاجئ الفلسطيني، كما قطع المساعدات الإنسانية والاقتصادية عن الفلسطينيين. وصولاً إلى اعتراف إدارته بقرار إسرائيل ضم الجولان السوري المحتل، والتراجع عن الموقف الأميركي السابق بأن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية انتهاك للقانون الدولي، وهو ما يعتقد أنه توطئة لتمكين إسرائيل من ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، وتحديدا منطقة غور الأردن.
وكما سبقت الإشارة، تثير خطوات ترامب هذه توجسات كبيرة بين تيارات واسعة في الدولة العبرية، وكذلك بين اليهود الأميركيين، وذلك على الرغم من التأييد المطلق الذي تجده من حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، فضلا عن التيار المركزي المتشدد في اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة. قلق بعضهم في إسرائيل وبين اليهود الأميركيين من تملق ترامب هذا مبعثه ثلاثة أمور. الأول أن ترامب، بسياساته تلك، يئد أي إمكانية لقيام سلام مع الفلسطينيين، وإن كان وهمياً، على أساس حل الدولتين، وهو الأمر الذي قد يدفع إسرائيل إلى أن تتحول إلى دولة ثنائية القومية، أو دولة نظام فصل عنصري.
أما مبعث القلق الثاني، فمردّه لتحول إسرائيل إلى قضية حزبية في أميركا، وهو الأمر الذي تلوح بوادره بقوة في السنوات الأخيرة. على مدى عقود، تمتعت إسرائيل بوضعية فوق حزبية، بمعنى أنها لم تكن محل خلاف بين الحزبين الحاكمين، الديمقراطي والجمهوري. إلا أن سنوات إدارة باراك أوباما الثماني في الحكم، وصداماتها المتكرّرة مع حكومة نتنياهو، عزّزت علاقة هذا الأخير والتيارات اليمينية في الدولة العبرية مع الجمهوريين. وفي الوقت نفسه، تنامى التيار الناقد للسياسات الإسرائيلية في الحزب الديمقراطي، وهو ما دفع تيارات يهودية أميركية يمينية كثيرة إلى أحضان الحزب الجمهوري. ولم تكن هذه الديناميكيات غائبةً عن تفكير ترامب، بل إنه سعى إلى توظيفها، عبر الضرب على وتر مزاعم تصاعد معاداة السامية في الحزب الديمقراطي، وتساوق حكومة نتنياهو وبعض التيارات اليهودية الأميركية المتشدّدة مع تلك المزاعم، وهو ما ينذر بتوسيع الفجوة بين الطرفين، بحيث تصبح إسرائيل فعلا قضية حزبية في الولايات المتحدة.
يبقى المبعث الثالث، والذي يثير قلق يهود أميركيين كثيرين، تحديدا، من سياسات ترامب المنفلتة 
من عقال حسابات المنطق والواقع في دعمها إسرائيل ولوبيها في الولايات المتحدة؛ إذ يرى كثيرون منهم، محقين، أن ترامب نفسه هو أحد أبرز مروّجي معاداة السامية أميركياً. ولعل المفارقة هنا أن قرار ترامب التنفيذي أخيرا بخصوص مكافحة السامية في حرم الجامعات الأميركية جاء بعد أربعة أيام من تصريحات له تعزّز العداء لليهود. وكان ترامب قد ألقى خطاباً يوم السبت الماضي (7 ديسمبر/ كانون الأول) أمام مؤتمر المجلس الإسرائيلي الأميركي في فلوريدا، وهو منظمة صهيونية متشدّدة، حَفِلَ باستفزاز الصور النمطية المسيئة لليهود. من ذلك، مثلاً، قوله: "كثيرون منكم يعملون في مجال العقارات، لأنني أعرفكم جيداً. أنتم قتلة متوحشون ولستم أناساً طيبين أبداً. ولكنكم مضطرّون للتصويت لي، لأنه لا خيار آخر أمامكم". لم تكن هذه المرة الأولى التي يروج فيها ترامب مقولات معادية للسامية، ففي أغسطس/ آب الماضي اتهم يهودا أميركيين كثيرين يصوتون للديمقراطيين بـ"الجهل وانعدام الولاء". وكان قبل ذلك، في أغسطس/ آب 2017، دافع عن المتظاهرين اليمينيين والنازيين في مدينة شارلوتسفيل في ولاية فرجينيا، والذين كان أحد شعاراتهم: "لن يأخذ اليهود مكاننا".
لذلك كله، لا غرو أن يهودا أميركيين كثيرين، وخصوصاً اليساريين منهم، عارضوا قرار ترامب التنفيذي الجديد، ذلك أن التيار اليميني الأميركي العنصري الذي ساهم في حمل ترامب إلى الرئاسة، وانتعش في ظل إدارته، هو الخطر الأكبر على اليهود في أميركا. هذا ما تعكسه حوادث الاعتداء الدموية ليس فقط على اليهود الأميركيين، بل وعلى كل الأقليات العرقية والدينية الأميركية الأخرى. ولا يستبعد أن يعزّز قرار ترامب الذي يخلط بين معارضة السياسات الإسرائيلية في الجامعات الأميركية والعداء للسامية من حساسية العنصريين نحو اليهود وإسرائيل، إذ إنه يجعل من الدولة العبرية تابوها لا يقبل النقد ولا المساءلة في انتهاك بغيض لحرية التعبير التي ينبغي أنها مقدّسة في الولايات المتحدة. أيضاً، سياسة ترامب خطر على إسرائيل نفسها، ومن ثمّ لا غرابة في أن تسمع أصواتا كثيرة وازنة في الدولة العبرية تحذر من تداعيات العلاقة غير المألوفة بين ترامب ونتنياهو، إذ إنها تختزل العلاقة الاستراتيجية بين الدولتين في شخص طرفين زائلين، وتجعل من إسرائيل محل خلاف حزبي.