ترامب في ورطة الانتصار

ترامب في ورطة الانتصار

14 نوفمبر 2016
الصورة
+ الخط -
حصلت المفاجأة، وفاز دونالد ترامب على المؤسسة التي رمت بثقلها خلف منافِسَته، وسقطت كل استطلاعات الرأي، وأماني النخب السياسية والإعلاميين الأميركيين، المُقدَّمة على شكل تحليلات. تمكّن ترامب، بتمويلٍ أقلّ لحملته الانتخابية من هيلاري كلينتون، وبخطابٍ شعبوي بذيء، متناقضٍ وغير متسق، وعلى الرغم من الانحياز الإعلامي السافر ضده، من الوصول إلى البيت الأبيض، وأمام هذه المعطيات، يمكن اعتبار فوزه انتصاراً كبيراً على رغبات المؤسسة الحاكمة، ومحدّداتها لشخص الرئيس، لكن فشل المؤسسة في صدّ صعود ترامب الصاروخي، لا يعني، حتى الآن، فشلها في احتوائه، خصوصاً إذا تشكل فريقه من أشخاصٍ ينتمون للنخبة السياسية التقليدية، وطريقة تفكيرها.
لم تخذل الطبقة العاملة البيضاء ترامب، وساهمت بشكل مباشر في انتصاره، غير أن تفسير الحدث بالعصبية البيضاء والشوفينية في مواجهة المهاجرين والأقليات لا يكفي، من دون فهم دوافعه الاقتصادية، خصوصاً أن ترامب لم ينتصر فقط بأصوات العمال البيض، بل صوّت له من السود واللاتينيين أكثر ممن صوتوا لميت رومني، مرشح الحزب الجمهوري في انتخابات عام 2012، وهو ما ضمن له الفوز في ولاية فلوريدا المتأرجحة والحاسمة.
تتمثل قوة خطاب ترامب التي أوصلته إلى الرئاسة في مناهضته العولمة، واستثماره ما جرّته من كوارث على الطبقة العاملة البيضاء، لإقناع الجمهور بالتصويت له. لم يكترث جمهور ترامب كثيراً ببرنامجه، فهو يشكل، بالنسبة لهذا الجمهور، ردة فعل ضد سياسات المؤسسة الحاكمة في واشنطن التي أفقدتهم وظائفهم وأفقرتهم. وسعى ترامب إلى التأكيد على رفض تصدير رؤوس الأموال الأميركية والمصانع إلى دول آسيا، حيث العمالة الآسيوية الرخيصة، الأمر الذي أفقد عمالاً أميركيين بيضاً كثيرين وظائفهم، وقوَّض القطاع الصناعي في الولايات المتحدة.
شدَّد ترامب على رفض هذا النمط من الاقتصاد المعولم، وكرّر مراراً رفضه طبيعة العلاقة الاقتصادية مع الصين، وهو انتقد، في خطاباته، مجموعات الضغط، وجماعات المصالح، ووصف النظام القائم بالفاسد، لكنه وجّه بندقيته، طوال الحملة الانتخابية، صوب الهدف
الأسهل: المهاجرين. تمكّن ترامب من توجيه الغضب الشعبي داخل الطبقة العاملة البيضاء تجاه المهاجرين الذين ينفعون الاقتصاد، ويقومون بأعمالٍ لا يقوم بها الأميركيون البيض عادةً، وكما يفعل اليمين الشعبوي دائماً، يتحول الغضب من السياسات الرسمية إلى شوفينيةٍ تجاه الأجانب، ويتركّز العداء لهم، أكثر من مراكز القوى التي قادت سياساتها إلى الأزمة الاقتصادية.
إذا كانت هناك سمة واضحة لخطاب ترامب، فهي الحنين إلى ماضٍ مجيد، متجلياً في شعاره "لنجعل أميركا عظيمةً مجدّداً"، ويُترجم هذا قوميةً شوفينية، ودعوةً إلى الحفاظ على التميز الأميركي، بالانعزال عن العالم والانكفاء، وهذا الملاحظ في تركيز ترامب على رفض هجرة رؤوس الأموال من الولايات المتحدة، ورفض هجرة البشر غير البِيض إليها، كما في حديثه عن بذل أميركا جهوداً أكبر من اللازم لحل مشكلات العالم، والمساهمة في بناء الدول، وهو يستحضر هنا نموذج الفشل الأميركي في العراق.
من الانكفاء، تبدأ ورطة ترامب بعد انتصاره، في الإيفاء بوعوده الانتخابية لناخبيه من العمال البيض، إذ لا يتفق الانكفاء بالنسبة للامبراطورية الأميركية مع النسق الإمبريالي المهيمن على رؤيتها. وبمعنى آخر، ستقاتل المؤسسة الحاكمة ومراكز القوى فيها من أجل إبقاء السياسات الحالية.
ترامب في ورطةٍ أمام رؤوس الأموال المهاجرة إلى البلدان الآسيوية، فكيف يعيدها إلى بلاده؟ لا تقدم خطة ترامب الاقتصادية بديلاً للعمال الأميركيين الذين يريدون من ملياردير أن يهتم بتحسين أوضاعهم، فيما هو يضع، في أولوياته، خفض الضرائب على الأثرياء والشركات، ما سيُنتِجُ انخفاضاً في إيرادات الدولة، كما أن خفض الإنفاق الحكومي سيضرّ بالتعليم والصحة، وقد تؤدّي خطة ترامب الاقتصادية التي لا حلول فيها للبطالة، أو للنهوض مجدّداً بالقطاع الصناعي داخل الولايات المتحدة إلى ركود اقتصادي.
في السياسة الخارجية، لا يقدّم ترامب رؤيةً واضحة، لكنه يؤكد على عداوة الحركات الأصولية، وينتقد سلفه أوباما على التعاون معها، وربما يكون في صالح منطقتنا لو حقق ترامب انكفاءً معقولاً لأميركا عن المنطقة، لكن هذا يرتبط بأعضاء فريقه الذي سيدير معه السياسة الخارجية، وهو قد يستعين ببعض المحافظين الجدد، مثل جون بولتون، ما يجعل رأيه بالانكفاء يتهاوى، لكن كلفة التدخلات الخشنة لم تعد محتملةً أميركياً، وعلى الأغلب، لن تكون التدخلات إلا ناعمة، ومحسوبة الكلفة، مع الاعتماد على الحلفاء في أداء المهمات الأساسية.
في المحصلة، بات ترامب العابث رئيساً، وتشعر المؤسسة بالقلق، فتحاول احتواءه، وليس من المستغرب أن يقوم ترامب بتسوياتٍ مع المؤسسة، فتَبْدَأَ تدريجياً في استيعاب طيشه، خصوصاً مع عدم وجود برنامجٍ بديل عنده للسياسات التي أفقرت المصوتين له، وكلفةِ خوض معركةٍ مع القوى المتنفذة في واشنطن.
لا بد من مراقبة خطاب ترامب وسلوكه من داخل البيت الأبيض، لمعرفة حجم الفجوة بين وعوده الانتخابية وسلوكه الرئاسي. ومن المهم أيضاً مراقبة تشكيله فريقَ إدارته. لكن، يمكن القول إن انتخابه هو التجلِّي الأكبر حتى الآن، لمناهضة العولمة في دول الغرب، بنزعةٍ قوميةٍ شوفينية انعزالية، تجنح نحو أقصى اليمين، ساهمت فيها، بشكل مباشر، سياسات الجشع الرأسمالية المعولمة.