ترامب المتهم من مجلس النواب: الهجوم أفضل وسيلة للدفاع

12 ديسمبر 2019
الصورة
يواجه ترامب محاكمته في يناير المقبل (براندن سميالوفسكي/فرانس برس)
انضم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أول من أمس الثلاثاء، رسمياً، إلى الرئيسين الأميركيين اللذين وجه إليهما الكونغرس رسمياً تهمةً معينة. سبق ترامب الرئيسان أندرو جونسون وبيل كلينتون (1868 و1998)، وكلاهما لم يجر عزله، بعدما برّأهما مجلس الشيوخ. أما الرئيس ريتشارد نيكسون، فقد وجه إليه مجلس النواب، تماماً كحالة ترامب، تهم عرقلة العدالة، واستغلال السلطة، وازدراء الكونغرس، لكنه تنحى قبل أن يحصل مجلس النواب على فرصة التصويت على بنود العزل. واليوم، وقبل أقل من عام على موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، دعا الديمقراطيون في الكونغرس رسمياً إلى طرد ترامب من البيت الأبيض، مؤكدين أنه "عرّض مصالح الأمة للخطر"، في قضية أوكرانيا، التي تقصّد مجلس النواب حصر التهم بها، وعدم تخطيها من خلال حشر تحقيق روبرت مولر بالتدخل الروسي بإجراءات العزل. وفيما تستقر القضية اليوم، وحتى اللحظة، على رئيسٍ أميركي مدانٍ في مجلس النواب، سيبرئه مجدداً مجلس الشيوخ، على الأرجح، تكمن أهمية الحدث في هذه الإدانة نفسها، التي تجعل من رئيسٍ يقارع العالم بلسانه وأسلوبه الفج وفظاظته ومعاركه الخارجية المفتوحة على كل الاحتمالات، من إيران إلى كوريا الشمالية إلى الصين وأميركا اللاتينية، والتي لم يتمكن من حسمٍ أي منها، لا بالحرب ولا بالصفقات، مُلطخاً بالتهم في عقر داره، التي لم ينجح فيها كذلك في تحقيق إنجازاتٍ حاسمة.

وكشف الديمقراطيون، الثلاثاء، عن لائحتي اتهام ضد ترامب، تقومان على إساءة استخدام السلطة وعرقلة عمل الكونغرس. وأمس الأربعاء، اجتمعت اللجنة القضائية في مجلس النواب، على أن تجتمع مرة أخرى اليوم الخميس، لمناقشة بنود مساءلة الرئيس، والتصويت عليها، على أن يجري تبني التهمتين عبر التصويت في جلسة عامة لمجلس النواب، يرجح أن تعقد الأسبوع المقبل. وقال رئيس اللجنة القضائية في مجلس النواب، جيرالد نادلر، إن "رئيسنا يحظى بثقة العامة. لكن عندما يخونها، ويضع نفسه فوق البلاد، فانه بذلك يعرض الدستور للخطر، ويعرض ديمقراطيتنا للخطر ويشكل تهديداً لأمننا القومي". من جهته، رأى رئيس لجنة الاستخبارات التي أشرفت على التحقيقات طيلة شهرين، آدم شيف، أن "سوء استخدام ترامب المستمر للسلطة لم يترك للديمقراطيين أي خيار". ونشر نادلر، الثلاثاء، القرار الرسمي للاتهام، وهو من تسع صفحات، ويقول إنّ "سلوك الرئيس أثبت أنه سيمثّل تهديداً للدستور في حال السماح له بالبقاء في السلطة".


قوة القضية
وبإعلان توجيه التهمتين رسمياً للرئيس، تقصد الديمقراطيون حصر نشاطهم بقضية أوكرانيا، التي كانوا قد أطلقوا من خلالها في سبتمبر/ أيلول الماضي إجراءات العزل بحق ترامب، بعدما أخذوا علماً بأنّه طلب من كييف التحقيق بشأن جو بايدن، نائب الرئيس السابق، وصاحب الحظوظ الجيدة التي تخوّله تمثيل الحزب الديمقراطي في رئاسيات 2020. وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، فقد أجرى الديمقراطيون حساباتٍ سياسية دقيقة، هدفت إلى تظهير وحدتهم، وحماية مشرعين معتدلين، يواجهون تحديات معارك إعادة انتخابهم في ولايات ومدن أميركية تميل للمحافظين. وأضافت الصحيفة أن "الديمقراطيين تخلوا عن مادة ظلّت محل سجال داخلي بينهم خلال الأسابيع الأخيرة، وكانت ستفضي إلى توجيه اتهام لترامب بعرقلة العدالة بناء على محاولاته إحباط تحقيق مولر الخاص بالتدخل الروسي في انتخابات رئاسة 2016 الأميركية". وكان "التقدميون" في الحزب من أشد المتحمسين لزجّ تحقيق مولر في إجراءات العزل، ومنهم نادلر، لكنهم واجهوا مقاومة من الخط الوسطي، الذي لطالما أعرب عن رفضه مساءلة ترامب بناء على تحقيق مولر. كذلك امتنع الديمقراطيون عن اتهام الرئيس بمحاولة الرشوة، وهي واحدة من التهم القليلة التي يذكرها الدستور كأساسٍ للعزل، ومصطلحٌ كرره الديمقراطيون كثيراً في الآونة الأخيرة.

وبحسب مراجع عديدة في المجال القانوني، تبدو لائحة الادعاء في صيغتها الراهنة متماسكة في حيثياتها الدستورية. وفي الاعتقاد أن اقتصارها على بندين فقط، وفّر لها "قوة القضية". والأهم أنه يسهل على الرأي العام تفهمها، وبما يساعده على تقبلها والاقتناع بها. ثم أن الأدلة، وإن غير المباشرة، والوقائع "والمواد الحساسة" التي جمعتها التحقيقات، تدعم تصنيفها في خانة "الجرائم والجنح الوازنة" التي اشترطها الدستور، والتي يميل الاجتهاد القانوني إلى تفسيرها بأنها تعني إساءة استخدام السلطة وتسخيرها لمنافع شخصية، وبالأخص إذا تمّ ذلك من خلال "الاستنجاد بالأجنبي" (أوكرانيا). ويستند أصحاب هذا التعليل إلى أن هذا التعبير المأخوذ عن القانون البريطاني، الذي وضع الأصول الأولى للعزل ما عدا الملك، كان القصد منه إساءة استخدام السلطة. وما يعزز هذا الاعتقاد لدى الديمقراطيين أن الفريق الجمهوري في الكونغرس اكتفى في دفاعه عن الرئيس خلال جلسات الاستجواب، بالتركيز على "شكليات" الإجراءات ونقد "تحيّزها" أو غياب التوازن في تطبيقها والاعتراض المكرر على إدارة الجلسات وغير ذلك من الأمور الجانبية، مبتعداً عن المجادلة في جوهر الادعاء.

كتلة متماسكة
في المقابل، وعلى الرغم من أن هذه القوة تستمد زخمها من تفسير النص وإسقاطه على القضية، وهي منطقية ومعقولة، إلا ان النقاشات والمطالعات المطولة التي دخلت في متاهات القانون وتعقيداته، لم تقوَ على تحقيق اختراق كبير في صفوف الكتلة الاجتماعية الواسعة التي تابعت جلسات الشهود أكثر من متابعتها الجلسات الأخيرة بين المحامين، والتي اقتصر الاهتمام بها على النخب. ولهذا لم ينتج عن المداخلات خلال الجلسات تغيير ملموس في الموقف العام، حيث بقيت نسبة تأييد إجراءات العزل بحدود 51 في المائة حسب الاستطلاعات. مع الإشارة إلى أن نواة قاعدة الرئيس التي تشكل بين 28 و30 في المائة لا تزال على التفافها التام حوله. وهذه الأرقام من الصعب أن تتبدل بعد انتقال القضية الآن من الإطار القانوني إلى السياسي.

وفيما وصف ترامب التهم بالمهزلة والمثيرة للسخرية، أثار زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، الثلاثاء، احتمال محاكمة قصيرة في المجلس للرئيس، دون استدعاء أي شهود، ما يضعه في خلاف مع ترامب، الذي يدعو إلى محاكمة كاملة بحضور الشهود، بمن فيهم جو بايدن. ونظراً إلى موازين القوى، فإنّ الرئيس شبه متأكد من أنّ المجلس سيصوّت على توجيه الاتهام إليه قبل عيد الميلاد، وأن مجلس الشيوخ المخوّل دستوياً محاكمة الرؤساء، بغالبية الثلثين، سيبرئه لاحقاً، إذ يبدو من الصعب جداً أن ينضم 20 جمهورياً ويصوتوا ضدّ الرئيس. ولكن من غير المعروف في هذا الإطار ما إذا كانت محاكمة ترامب، المتوقعة في يناير/ كانون الثاني المقبل، ستنتهي سريعاً، كما يرغب المقربون منه، أو إذا كان الرئيس سيحوّلها إلى منبرٍ سياسي لصالحه.

رضوض الرئيس

هكذا، دخلت رئاسة ترامب التاريخ من باب الإدانة، مع فارقين اثنين عن أسلافه: الأول أنه يواجهها في أواخر ولايته الأولى، وعشية حملته الانتخابية لتجديدها، والثاني أنه خلافاً للحالات الثلاث السابقة (إن احتسبنا جونسون مع كلينتون ونيكسون)، يُحاكم في قضية استعانة بجهة خارجية لمساعدته في الانتخابات. ومع أن الرئيس لن يخرج في نهاية المطاف من هذه المواجهة من دون رضوض أو حتى كسور على المديين القريب والبعيد، إلا أنه يواصل تحديه المؤسسات والخصوم بأشكال عدة، منها فتحه معارك جديدة مع جهات رسمية، مثل مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي)، كما استقباله، أمس، وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وعقده محادثات ثنائية معه من دون مشاركة مستشاريه.